تأليف: حسين جواد
الشخصيات:
مخرج
مدير مسرح
ممثل: عمره خمسون سنة
ليسا (روبوت)
تقني صوت وتقني اضاءة، مجموعة عمال اخرين، رجال من شركة الانتاج
المكان:
مسرح لقد بدأ بنيانه تواً بالتهالك نتيجة تركه وإهماله
المشهد الأول
(أصوات ديدان تطغي على المكان، وحشة تدل على بنيان المسرح، بعض أجهزة الإضاءة تعمل وأخرى لا تعمل نتيجة العطب والإهمال، المخرج يسير ذهاباً وعودة على الخشبة، تارةً يتفحص الأمكنة والكواليس وتارة يُلقي حوار من مسرحيته التي يريد أن ينتجها)
المخرج: (بعد تفحص جهاز اضاءة فوق) لقد بدأت الأجهزة بالتلف، فحتى التصليح لا ينفعها بعد الآن لأنها أصبحت قديمة، وقد دخل إلى السوق أجهزة حديثة وبدأت بعض المسارح بتنصيب تلك الأجهزة… (يؤدي حوار من مسرحية) حتى أنتَ يا بروتوس.. إذن مت يا قيصر (يعود لشخصيته) آه يا لروائع شكسبير، كيف لرجلٌ مثلهُ أن يخط كل تلك الاعاجيب في عالم المسرح. كانت أمنيتي أن أخرج يوليوس قيصر، تلك المسرحية العظيمة على المسرح، أن اجعل صفة الخيانة واضحة في المشهد (يجلس على كرسي قريب منه) يبدو أن الناس قد ملّت من تلك الكتابات وتلك الروائع (يكلم النص الذي في يده) ماذا يوجد في تلك العشرات من الأوراق، كي تجعل النص خالداً هكذا، ولكن المشكلة الأكبر في أن الناس لا تستسيغ هذا بعد الآن، ليس لسبب إلا لأنهم وجدو السرعة دواءٍ لشفائهم من مرض شيخوخة العالم المبكرة. كيف يستطيع الفرد منهم أن يترك تلك الأرواح الحية ويذهب نحو تخوم الوهم (ينهض ثم يصرخ) يا مشغل الإضاءة أعطني الضوء هنا، ثم أنتَ يا عازف الالحان أخلق لي مقطوعة تناسب الحدث (يعود يؤدي شخصية) حتى أنتَ يا بروتوس، مت إذن يا قيصر…
(يدخل الممثل عليه)
الممثل: أما زلت تحلم بشكسبير وعوالمه
المخرج: ممثلي المفضل، ها أنتَ أخيراً، أين كنت؟
الممثل: وأين يمكن أن أكون، على وسادتي اردد كلمات قيصر
المخرج: هل تعلم بأنك ممثل ملتزم
الممثل: (يقاطعه) ومحترم ولي حضور على المسرح ويجب إلا يخسرني المسرح وأطال الله في عمري، لقد تعودت على هذه الأسطوانة منكَ، ولكنك لا تريد أن تعترف بأنني أعيش على هذه المهنة منذ زمن بعيد، وما جعلني استمر بها هو حبي لها، بالطبع أكون ملتزم واحترم مواقيت العمل والبروفات، هذا هو عملي، هذا هو ما أبدع فيه
المخرج: ماذا أفعل أن هجرت الناس المسرح
الممثل: سيعودون
المخرج: وكيف ذلك، ألا ترى بأنهم قد اتجهوا إلى كل سريع ومتوفر، أتعلم بأن الناس لا يتعبون أرجلهم للمشي إلى المسرح ليشاهدوا عملاً مسرحياً يجعل عقولهم تفكر وعواطفهم تنمو
الممثل: اعتقد بأنني وأنت متفقين على تحديد مشاكل المسرح اليوم، ولكن ما باليد حيلة (يسأله) ماذا عمل صاحبنا تجاه هذا الأمر
المخرج: أنه يركض ليلاً ونهاراً كي يحصل لنا على منحة لتغطية كلف الإنتاج ولكن الشركات ترفض ذلك
الممثل: والممثلون؟
المخرج: ما بهم؟
الممثل: أنتَ تتكلم عن شركات الإنتاج وأنا يهمني الممثلون الذين تجلبهم إلى المسرحية
المخرج: (يحاول تغييّر الموضوع) لا داعي للقلق المهم أن نحصل على شركة تمول المسرحية
الممثل: حسناً… ضع في حسابك أن المسرحية الناجحة لا تقوم على ممثلين همهم أجورهم فقط، أيّ تأتي بهم من الشارع كي يؤدوا، إنما الممثل الناجح هو من ينتمي إلى هذه المهنة. (ينظر إلى ساعته) والآن يجب أن أذهب، كل ما عليك فعله هو الاتصال بي عندما تكون الأمور جاهزة للبدء بالبروفات
المخرج: لا تنسى قيصر
الممثل: لن أنسى قيصر
المخرج: (يتصافحون) لا تنسى قيصر
الممثل: (يضحك) لن أنسى قيصر
(يخرج الممثل وهو يؤدي أغنية شعبية، يدخل مدير المسرح من الطرف الآخر وهو يحمل مجموعة من الملفات بيده وتبدو عليه علامات الحزن والانكسار، يقف في يمين المسرح بينما يقف المخرج في يسار المسرح، يحدث فاصل بالإضاءة بينهم حيث كل واحد منهم يتحدث وكأن الطرف الآخر لا يسمعه)
مدير المسرح: (بتردد ومع نفسه) ماذا سأقول له الآن!
المخرج: (بتردد ومع نفسه) أتمنى أن يبشرني مدير المسرح عندما يأتي بخبر سار
مدير المسرح: كيف أقول له بأن شركات الإنتاج ترفض طلبه
المخرج: سيفرحني جداً عندما اعرف بأن شركات الإنتاج قد وافقت على تمويل المسرحية
مدير المسرح: كيف أقول له بأن المسرحية لم تعد تلبي طلبات الجمهور
المخرج: آه يا شكسبير الذي لم تمت اعماله
مدير المسرح: وأن الاعمال القديمة قد ماتت في اعين المنتجين والجماهير
المخرج: أتمنى وأتمنى… أتمنى أن تتحقق هذه الأمنية
مدير المسرح: كيف لي أن اقتل امنياته بهذه الاخبار!
المخرج: (يرى مدير المسرح واقف في الطرف الآخر فيناديه بلهفة) وأخيراً ها أنتَ ذا
مدير المسرح: (بتردد) نعم
المخرج: مالك، تبدو عليك تلك الملامح السوداء
مدير المسرح: (يذرع الخشبة ذهاباً وعودة، ثم يقرر أن يفاتح المخرج بالموضوع) يجب أن تعرف أن شركات الإنتاج لم توافق على الطلب
المخرج: ماذا؟!
مدير المسرح: نعم… كل شركة ادخل اليها واتكلم مع مديرها يرفض تمويل المسرحية
المخرج: ماذا يريدون؟
مدير المسرح: يتحدثون بالرقميات والمسرح الرقمي والروبوتات وما شابه ذلك، يقولون إنها أشياء تجلب الجماهير لشباك التذاكر
المخرج: والمسرح؟
مدير المسرح: هذا هو المسرح اليوم
المخرج: أعني ماذا افعل بنصوص شكسبير ونصوص بن جونسون وموليير والقائمة تطول
مدير المسرح: لم تعد شركات الإنتاج تمول هذا النوع من الاعمال
المخرج: (بغضب) ماذا! وما الضير في هذه النصوص، هل وصلوا إلى مرحلة الكمال فيما يدعون، هؤلاء الخونة
مدير المسرح: خونة!
المخرج: (بغضب متزايد) نعم هؤلاء خونة المسرح، كيف لهم أن يكونوا بهذا التفكير الضحل، هل وصل بنا الحال إلى أن نترك تلك النصوص العظيمة مقابل رقمياتهم، كيف لهم أن يتركوا نصوصاً تسير بين ثناياها أرواح الكتّاب، وماذا نقول عندما نريد أن نُعبّر عن مشاعرنا، هل يمكن للألة أن تفعل ذلك
(يخرج المخرج وهو يصرخ بهذه الكلمات بينما يدخل الممثل مسرعاً من الطرف الاخر)
الممثل: (إلى مدير المسرح) ما بك؟ ولم يصرخ مخرجنا
مدير المسرح: لقد اتصلت بك لهذا الغرض، لم توافق شركات الإنتاج على تمويل المسرحية وكنت متأكد بأنه سيجن جنونه عندما يسمع الخبر
الممثل: مصيبة…
مدير المسرح: مصيبة كبيرة
الممثل: لقد كان يعول على هذه المسرحية كثيراً
مدير المسرح: لقد عملتُ بكل جهدي واستثمرت علاقاتي مع معارفي بشركات الإنتاج
إلا أن الموضوع أكبر بكثير من ذلك
الممثل: إذن لن يرى قيصر نور العرض
مدير المسرح: (بتردد بعدما يأخذ برهة قصير للتنفس) ولكن هناك حل
الممثل: حل؟ ما هو
مدير المسرح: أن نواكب
الممثل: نواكب من؟
مدير المسرح: لا أعرف… (بتردد) لقد اقترح عليّ أحدهم فكرة… ربما… هي ربما تكون فكرة جيدة كي نعيد احياء هذا المسرح
الممثل: مالك تتكلم هكذا، دع الكلمة تخرج من فمك وهي مرتاحة
مدير المسرح: كل شركات الإنتاج رفضت تمويل اعمالنا إلا شركة واحدة
الممثل: جميل، هناك من فكر بنا أخيراً
مدير المسرح: ولكن بشروط
الممثل: هنا مربط الفرس، يا أخي احلفّك بكل مقدساتك إلا ما تكلمت الكلام الذي تحمله بداخلك دفعة واحدة
مدير المسرح: حسناً (يأخذ نفس عميق) هناك شركة اشترت ممثلة، وتفرض على كل فرقة عندما تمول اعمالها أن تجعل هذه الممثلة ضمن كادر المسرحية
الممثل: حسناً، إلى هنا لا أجد تعارض، يمكن لفرقتنا أن تضم هذه الممثلة لأننا نحتاج إلى عنصر مثلها في المسرحية
مدير المسرح: المشكلة ليست هنا
الممثل: (يمسك شعره بكلتا يديه) إذن أين المشكلة
مدير المسرح: هذه الممثلة هي روبوت
الممثل: (يمسك وجهه بكلتا يديه) وأنا أقول لك أين المشكلـــــــ…(يستدرك) ماذا تقول… روبوت، كيف يمكن لروبوت أن يُمثل، ما هذه السخافات
مدير المسرح: هذا ضمن توجهات الشركات الرامية إلى تطوير المسرح
الممثل: أيّ تطوير هذا إذا انسلخ المسرح من جوهره، ممثلة روبوت، وكيف يمكن أن تؤدي مشاهد الحب والعاطفة، كيف يمكن لروبوت أن يفهم ما يدور بدواخل الإنسان السوي، هل رغبة أولئك الناس بتطوير المسرح جعله بدون روح، لا… لا يمكن أن يحدث هذا…
مدير المسرح: لقد اتصلت بك لأنني ظننت بأنك ستتفهم الموقف الذي نحن به، لقد ايقنت عندما افاتحه بالموضوع سوف ينهار من هذا الأمر، واخاف عليه من الجلطة أو ارتفاع السكر، لقد اتصلت بك كي نتدارك أمر الفرقة ويجب أن نقنعه بالتعاقد مع هذه الشركة حتى وأن كانوا يريدون ممثل روبوت في المسرحية…
الممثل: لن يوافق، (ثم ينظر اليه) كما أنني لن أوافق أيضاً
مدير المسرح: (يحاول إقناعه) مالك يا أخي، أنظر إلى وضعنا في الوقت الراهن، أنظر إلى المسرح الذي بدأ ينهار، منذ متى ونحن لم نذق طعم البروفات، منذ متى ونحن لم ننتشي بتصفيق الجماهير لنا، لقد مضى وقت كبير على آخر مبارك سمعتها في المسرح
الممثل: ماذا افعل أنا، ما الذي بيدي
مدير المسرح: عليك أن تكون معي كي نُقنّعه بالتعاقد مع هذه الشركة
الممثل: (يبتعد عنه خطوات قليلة) لا
مدير المسرح: (يقترب منه) ما بك يا أخي، هل نبقى هكذا
الممثل: (يبتعد عنه) لا
مدير المسرح: (يقترب منه) عليك أن تفكر بمستقبلك الفني وأسمك في عالم المسرح
الممثل: (يبتعد عنه) لا
مدير المسرح: (يصرخ به) لا لا لا، ما بك يا أخي، هل نؤدي مشهد من مسرحية الآن، هل تريديني أن أجثو عند قدميك وأتوسل بك
الممثل: أيضاً لا
مدير المسرح: (يحاول تدبير شيء كي يقنعه) لماذا لا تريد أن تفهم، سيغلقون المسرح هذا، سيقول مدير البلدية أن لا فائدة منه إذا لم يقدم شيئاً للناس
الممثل: (باهتمام) تغلقه البلدية، هل وصل بهم إلى هذا
مدير المسرح: (يحاول أن يتمسك بما قاله) نعم سيغلقون المسرح، وإلا ما فائدته أن كان مهجوراً، أنظر (يشير إلى بنيان المسرح) لقد بدأت الجدران تتهاوى، وأجهزة الإضاءة أصبحت قديمة، حتى أنني أول أمس قد وجدت زوجٍ من الفئران في الكواليس
الممثل: وهل هذا ذنبي أنا، ما علاقتي أن كانت شركات الإنتاج لا تريد أن تحافظ على هذا المسرح
مدير المسرح: وهل هو ذنبي أنا، ولكن علينا في بعض الأحيان أن ننقاد إلى ما يطلبه مدراء الشركات
الممثل: (برؤية ثاقبة) لن يقتنع، حتى وأن اقتنعت أنا فهو لم يقتنع
مدير المسرح: (يحاول أن يتمسك باقتناع الممثل) يا أخي ماذا يضرنا أن حاولنا بدل أن نقضي وقتنا في التحسر على أيام سابقة ونتأمل أن تعود، علينا أن نُغيّر قليلاً كي نرى إذا كنا نسير في الاتجاه الصحيح، من يدري لعلنا ننجح في هذا، كل ما يمكننا فعله هو أن نتكلم معه ونحاول أن نقنعه…
(الممثل يوافق على مضض)
المشهد الثاني
(غرفة في الكواليس، منضدة صغيرة وأربع كراسي تحيط المنضدة، مرآة على الحائط، مجموعة أدوات الماكياج القديمة، غبار على الاسطح، مروحة معلقة على السقف تصدر صوتاً اثناء دورانها، ملابس متنوعة مرمية بزاوية في الغرفة. المخرج جالس على أحد الكراسي.)
المخرج: (مفكراً) الجمهور، ذلك الكائن الغريب والاسطوري الذي يتكلم الجميع عنه ولا يريد أحد أن يستمع إليه… شركات الإنتاج البغيضة، أقول لهم بأن هذا العمل عن الإنسان، عن أحلامه وطموحاته وانكساراته، عن تعرضه للخيانة، عن حبه للحبيبة فيقولون إنها اعمال عفا عليها الزمن، في أيّ عالم نعيش
(يدخل عليه في هذه الاثناء مدير المسرح والممثل)
الممثل: (بعد أن يجلس ومعه مدير المسرح) ستأكل نفسك أن لم تجد ممولاً للمسرحية، ارجوك عليك أن تهدأ قليلاً
المخرج: وكيف اهدأ والحلم يضيع، وكيف اهدأ والطموح يُسرّق، قل كيف اهدأ وأنا أرى شعارات المسرح يلوكها عمالاً لا علاقة لهم بالمسرح
الممثل: لقد تغيّر الزمن كثيراً، لا نتكلم عن المسرح فقط، بل حياة الناس، كل شيء سريع، لقد بدأ الناس… أو هم انصهروا مع عالم لا يفهمون منه شيء
مدير المسرح: قد أقول انهم يريدون أن يجربوا تلك الأشياء التي دخلت حياتهم بسرعة من فضولهم، لكنهم سيعودون إلى الحنين، الحنين إلى أشياء أكثر حب وروح
الممثل: (إلى المخرج) هل تعلم بأن هناك شركة تريد ان تمول مسرحية لنا
المخرج: (يتفاجأ، ثم ينظر إلى مدير المسرح) هل هذه صحيح؟
مدير المسرح: نعم ولكن…
المخرج: لكن ماذا تكلم بسرعة
الممثل: عليك أن تعرف ماذا يريدون بالبداية
المخرج: (ينهض واقفاً) انا موافق على ما يريدون (إلى مدير المسرح) رتب معهم ولنبدأ مبكراً
مدير المسرح: عليك أن تفهم شروطهم في الأول
المخرج: أنا موافق على شروطهم كلها، أخبرهم نريد أن نجري اختبارات غداً للممثلين
الممثل: هذه هي المشكلة…
المخرج: ما بكم، لماذا تعرقلون الأمور؟
الممثل: (يقرر مصارحته بالأمر) حسناً أن الشركة التي تريد تمويل المسرحية كان لها شرطاً هو أن نضع ممثل روبوت في هذه المسرحية
المخرج: (ينصعق) ماذا؟
الممثل: (إلى مدير المسرح) قلت لك بأنه لن يوافق
مدير المسرح: لم يقل شيئاً يا اخي فقط هو انصعق
الممثل: سيموت، وأنت السبب
المخرج: هل هذا شرط تلك الشركة، أن نضع ممثل روبوت في المسرحية، وكيف هذا؟
الممثل: (بخوف) ويلاه من القادم لقد بدأت اوداجه بالانتفاخ…
مدير المسرح: (بحذر قلق) قل خيراً أو اصمت
المخرج: حسناً، أنا موافق
الممثل: (معجباً) ماذا!
المخرج: أنا موافق على طلبهم هذا
الممثل: لقد جن الرجل
مدير المسرح: (إلى الممثل) يا أخي قل خيراً أو اصمت
المخرج: دعوني أوضح الأمر، لا بد أنكم متفاجئين من هذا، حسناً لقد فكرت ملياً به وبما أنهم يريدون أن يفرضوا علينا اشيائهم، فلنفرض عليهم اشيائنا
مدير المسرح: وكيف ذلك؟
الممثل: بدأت أشك بأن السيد قد أصيب بلوثة في عقله…
مدير المسرح: (إلى الممثل) لقد اردناك عون وليس فرعون في هذا الأمر لماذا لا تسكت
المخرج: لم أصاب بلوثة ولا أيّ شيء آخر، وإنما سأستغل هذا الأمر لصالحنا
مدير المسرح: وكيف ذلك؟
المخرج: سترى ذلك قريباً (مغادراً) اذهب إليهم وقل لهم بأننا موافقون على شروطهم وحدد ما يمكن تحديده من أجور العاملين واحتياجات أخرى للمسرحية.
الممثل: (إلى مدير المسرح) الم اقل لك بأنه قد أصيب بعقله، يتكلم عن احتياجات المسرحية ولا نعرف أيّ مسرحية
مدير المسرح: على الأقل أنه وافق، وانت لا يجب أن تبقى هكذا بهذا الفأل السيء (يتركه ويذهب)
الممثل: أنا ذو الفأل السيء، والآن تذهب، قبل قليل كنت تتوسل اليّ كي نقنعه والآن تتركني وتذهب
مدير المسرح: (الصوت من الخارج) أذهب الآن وسأتصل بك لاحقاً…
الممثل: (مقلداً صوته) أذهب الآن وسأتصل بك لاحقاً
مدير المسرح: (يخرج رأسه من أحد الأركان) ما زلت هنا
الممثل: حسناً سأذهب، هذه ضريبة أن تكون مسرحياً حقيقياً
المشهد الثالث
(مدير المسرح يجلس في غرفة مدير شركة الإنتاج لتوقيع عقد انتاج المسرحية، غرفة تحتوي على مكتب كبير ومجموعة من الكراسي المخصصة للضيوف، خلف كرسي المدير يوجد رفوف تحتوي على جوائز وشهادات تقديرية عديدة، في زاوية معينة توجد نباتات ظلية، ساعة كبيرة موضوعة على الجدار، ستائر ذات ألوان براقة)
المدير: والآن نحن نتكلم عن عصر جديد للمسرح
مدير المسرح: لا يمكن التكهن بهذا، فالأمر يتحمل تبعات كثيرة اغلبها قد يفقد المسرح رونقه
المدير: لا يمكن أن يحصل ذلك، فالجمهور متعطش للجديد
مدير المسرح: لا يمكن القول أن كل الجماهير متعطشة لذلك، فالجمهور متنوع وهذا التنوع يفرض قراءات متنوعة للواقع المسرحي، لقد قرأت مقالة لأحد النقاد منشورة في الجريدة وهو يفند فكرة هذه الغزوة للمسرح من قبل تقنيات ورقميات العالم الجديد وذلك بسبب أحد العروض التي شاهدها في أحد المسارح، كان المخرج قد جفف منابع العرض بسبب السيل الهائل من الرقميات على حسب قوله.
المدير: لا يمكننا الجزم، فلننتظر ما يحصل
مدير المسرح: ونحن أيضاً سنعرف ما سيحصل، ولا نريد لتلك العروض أن تفقد قيمتها بمجرد العرض الأول فتصبح ثقيلة
المدير: حسناً والآن سأنادي على المصور كي يلتقط لنا صور توقيع العقد
(المدير يضغط زر موجود على مكتبه فيدخل المصور يلتقط لهم مجموعة من الصور)
المشهد الرابع
(غرفة الكواليس، المخرج مع الممثل ينتظرون قدوم مدير المسرح)
الممثل: هل ستخبرني عن خططك الجديدة
المخرج: انتظر ريثما يعود
الممثل: افترض أنه لن يعود، افترض أنه قد ارتطم بأحد السيارات وذهب إلى المستشفى
المخرج: ما بك، دعنا ننتظر فقط، هل أقول الكلام مرتين، وفر عليّ ارجوك
(يدخل مدير المسرح)
الممثل: ها قد أتى، لقد ظننا قد اختطفك روبوت
مدير المسرح: كم دمك خفيف
المخرج: هل تمت القضية
مدير المسرح: نعم تمت، وسيجلبون لنا ليسا عندما نحدد وقت البروفات، كما عالجنا أجور الممثلين والتقنيين ولقد طلبوا بالا يكون هناك ممثلين يزيدون عن الحاجة لتوفير المصاريف
المخرج: ومن قال بأننا نحتاج إلى ممثلين زائدين عن الحاجة
الممثل: اوه… كم أكره أساليب الدوران، متى تقولون ما سوف تصنعون
المخرج: اليكم الأمر، لن نحتاج إلى ممثلين كثر ولا إلى تقنيين أكثر من اللازم، بل إلى عدد قليل ومحدود، نحتاج تقني اضاءة واحد، وأريد تقني صوت واحد، (إلى مدير المسرح) قلت لي بأن الروبوت هو ليسا دلالة على أنها أنثى؟
مدير المسرح: نعم
المخرج: ممتاز، إذن سنعد للمسرحية
الممثل: ما زالت الأمور غامضة بالنسبة لي
المخرج: اليك ما سنفعله، سنمثل مسرحية، سنجرد تلك الالة من أهميتها على الخشبة، ستمثل انت الزوج المحب ذو الحنان والمشاعر المتدفقة والاحاسيس الناعمة، وأنك تحتاج إلى زوجتك أيضاّ أن تكون مثلك والتي هي ليسا، ولكن ليسا ليست قادرة على اعطاءك الحب والحنان بسبب طبيعتها المجردة من هذه الأشياء البشرية
الممثل: جميل جداً، ممثل عمره خمسون سنة على اعتاب الموت يبحث عن الحب والحنان، أكمل أكمل
المخرج: وبعدها سنبين عدم أهمية تلك الالة على المسرح بسبب فقدانها للمشاعر الإنسانية
الممثل: جميل جداً، أكمل أكمل
المخرج: (بريبة إلى الممثل) سنخلق فضاء مسرحي خالي، سيكون هناك بيت ولكنه ليس بيت بالمعنى الدقيق، أنه بيت يفقد الحب والمشاعر الإنسانية، نريد اضاءة بألوان تبين ذلك
الممثل: جميل جداً، أكمل أكمل…
المخرج: هذا هو الأمر وما فيه…
الممثل: لماذا يصعب عليّ استيعاب هذه الأمور
مدير المسرح: هذا لأنك لا تريد أن تستسهل الأمور
الممثل: ولم لا تفهم أن رجلٌ في الخمسين من عمره لا يكون عاشقاً
المخرج: وماذا نفعل؟ هل نغلق المسرح، هل نجلس في بيوتنا ونرى احلامنا تُسّرق منا
الممثل: على الأقل يجب ان نعمل مسرحية تناسب اعمارنا
المخرج: وهل ما يحدث الآن في العالم يناسبنا، أنهم يسرقوننا، يسرقون افكارنا، وابداعنا، يسرقون كل شيء يجعلنا نشعر بفخر أمام المجتمع (إلى مدير المسرح) اتصل بهم وقل لهم بأننا سنبدأ التمارين غداً
الممثل: (متفاجأ) غداً!
المخرج: (برؤية ثاقبة) نعم غداً (يخرج المخرج)
الممثل: قالو له متى تتزوج قال غداً…
مدير المسرح: اذهب واعمل ما تراه مناسباً تجاه الموضوع
الممثل: ما اراه مناسباً! انظر ليس هناك نص ولا فكرة واضحة وممثل جسده من حديد يمثل معنا، كيف اعمل ما اراه مناسباً
مدير المسرح: ستُحل الأمور جميعها (يغادر) أنا اثق بقدراته
الممثل: على الأقل سنخرج سوية
المشهد الخامس
(قاعة المسرح، تفتح الإضاءة جميعها، مجموعة من شخصيات شركة الإنتاج جالسين في الصف الأول، المخرج ومدير المسرح والممثل وتقني الصوت والاضاءة موجودين جميعاً على الخشبة، في جانب آخر من خشبة المسرح وضعت ليسا، الجميع ينظر اليها، هناك لحظات صمت مطبقة تسري على نفوس الجميع، الكل حذر من التعامل مع ممثلين شركة الإنتاج)
رجل: (إلى المخرج) هل يمكن أن تعطيني نسخة النص كي أحمّله إلى ليسا
المخرج: (يعطيه نسخة من رام أو شريحة الكترونية وضع فيها النص) تفضل
(الرجل يأخذه ويضعه في مكان معين من جسد ليسا)
ليسا: تم تحميل النص بنجاح
الممثل: (جانباً مع مدير المسرح) متى كتب النص؟
مدير المسرح: لا أعرف
الممثل: لم يخبرنا بذلك، لقد وضعني في مأزق، الآن كيف لي أن اعرف ما تم تحميله على ليسا!
مدير المسرح: اعتقد انها لعبة يا أخي، فقط ارتجل ونرى ما سيحصل
المخرج: (إلى مجموعة الأشخاص الجالسين في الصف الأول) حسناً والآن كما اخبرناكم بفكرة المسرحية سابقاً، سترون اليوم بروفات قصيرة وبعدها نريد شيء من الخصوصية لهذه البروفات
رجل: كما تعلم نريد أن نتأكد من سير الأمور بشكل طبيعي
الممثل: (إلى مدير المسرح) فكرة المسرحية، متى أخبرهم بذلك؟
مدير المسرح: أنا اخبرتهم بذلك
الممثل: ماذا! وهل أنا عصفور على المسرح، ألا يجب أن يمّر عليّ كل هذا
مدير المسرح: ارتجل يا أخي، ارتجل
الممثل: (يقلده) ارتجل يا أخي ارتجل، وكيف لي أن أرتجل مع ممثل لم التقي به مسبقاً ولا اعرف ما سيصنع!
رجل: (إلى المخرج والممثل) كما تعلمون اعزائي، لقد أصبحت الأنظار تتجه إلينا، نحن الآن تحت دائرة المراقبة من قبل الجماهير وقنوات الاتصال والتلفزيون والأعلام، الكل ينظر الينا بترقب منتظرين ما سنفعله بليسا، الكل يقول إن ليسا يمكنها أن تنظف وتطبخ وتعمل ما كان الفرد يعمله بيومه النسقي، بل يمكن أن تفكر بدل الإنسان أيضاً، كل هذه الصفات متوفرة في ليسا، ولكن أردنا أن يكون هناك شيء جديد يظهر للناس، وهو قدرة ليسا على التمثيل ونقل المشاعر الإنسانية. نحن ننتظر منكم عملاً مسرحياً عظيماً.
(الممثل يقترب من ليسا)
الممثل: مرحباً
ليسا: اهلاً بك يا حبيبي
الممثل: حبيبي!
ليسا: يسعدني أن أقدم معك هذه المسرحية
الممثل: (مصدوم) وأنا أيضاً…
المخرج: (إلى الجميع) والآن فلنبدأ العمل، فليأخذ كلٌ منكم مكانه
(تتحرك ليسا قليلاً إلى الأمام، ينظر اليها الجميع، يتحرك الممثل وفق حركتها في جانب معين من المسرح)
ليسا: (إلى الممثل) ليس هذا مكانك، عليك أن تقف في عمق المسرح
الممثل: (مبهوت) ماذا!
ليسا: نعم هذا ما كتب في النص
الممثل: هذا ما كُتب في النص! (إلى المخرج) ماذا كتبت في النص يا أخي، لماذا أنا آخر من يعرف، اصلاً أنا لا أعرف ماذا كتبت في النص المُحمّل على جسد ليسا!
المخرج: (جانباً مع الممثل) لقد رتبت نصاً سريعاً ليلة البارحة ولم يسعني الوقت كي اعطيه لك، بعد أن نتم هذا اليوم يمكنك أن تأخذه مني، فقط اجعل هذا اليوم يسير
الممثل: أرى أنك ستضعني في موقف محرج
المخرج: وهل هذه أول مرة!
الممثل: ماذا! اقسم لك سأستقيل بعد هذا العرض
المخرج: كل مرة تقول هذا الكلام، لكنني اعرف بأنك لن تستقيل، تصفيق الجمهور يُذيب عقلك
الممثل: وماذا افعل أن كان المسرح عالمي…
ليسا: هذا غير موجود في النص
المخرج: حسناً حسناً الآن يمكنكم بدء التمارين، (إلى الممثل) قف هنا من فضلك في عمق المسرح
(الممثل يقف في عمق المسرح)
الممثل: هل نبدأ يا حبيبتي
ليسا: حسنا يا حبيبي فلنبدأ
الممثل: هل يمكنكِ أن تحضري لي الشاي يا حبيبتي
ليسا: عذراً هذا ليس موجوداً في النص
الممثل: أو ليس الشاي، فالجو حار أريد عصيراً بارداً
ليسا: عذراً هذا ليس موجوداً في النص
الممثل: وماذا كُتب في النص يا عزيزتي
ليسا: لقد كتب: الزوج يقف في عمق المسرح، الزوجة تقف بعيدة عنه، يتبين من خلال المشهد هذا طريقة تعامل الاثنين مع بعضهم، الفضاء هنا قاحل وليس هناك سوى اريكة صغيرة في الغرفة، الزوج تعب من يوم مرهق، يطلب من الزوجة أشياء تكون مفقودة في هذا البيت مثل الاهتمام والحب والعناية
الممثل: حسناً، لنقل أنني سأعمل هذا (يذهب الممثل ويأخذ وضعه كما في النص)
ليسا: والآن عليك أن تكون متعب
الممثل: متعب! حسناً أنا متعب يا زوجتي الحبيبة
ليسا: لا، ليس هذا ما يجب أن تقوله، وإنما عليك أن تكون متعباً في بادئ الأمر
الممثل: اعتقد أن هذه الأشياء تأتي تباعاً في التمارين
ليسا: لا احتاج إلى تمارين، فأنا قد حفظت النص كاملاً
الممثل: هذا لأنكِ تتمتعين بذاكرة قوية
ليسا: اتمتع بقدرة كبيرة على الحفظ والتنفيذ
الممثل: حسناً، فلنفعل المشهد
ليسا: (تعاود قول النص) ومن ثم تقول لي أنا اشعر بالتعب الكبير، فالوظيفة متعبة والناس لا تقدر هذا التعب، (الممثل ينظر إلى المخرج محاولاً فهم ما يجري) ومن ثم اتقرب انا اليك بخطوات ثقيلة واحاول أن ازيل هذا التعب عنك
الممثل: (متململ) هل يمكن أن نؤدي المشهد بهذه الملاحظات فقط، ومن ثم تأتي الاحداث تباعاً
ليسا: حسناً
الممثل: (يأخذ وضعه كما في النص) آه يا عزيزتي لو تعلمين كم أنا متعب
ليسا: لا ليس هذا الحوار ما يجب أن تقوله
الممثل: يا ويلي ماذا افعل؟
(المخرج يحاول السيطرة على الوضع ومحاولة انهاء هذا اليوم من البروفات)
المخرج: حسناً، يكفي لهذا اليوم، (إلى ممثلين شركات الإنتاج) لقد أردنا اليوم أن نعرف ما يمكن أن نفعله مع ليسا، في كل مرة نحاول أن نتعرف على بعضنا على المسرح، اقصد في الاعمال السابقة ولكن الآن علينا أن ندير دفة البروفات بكثير من الحذر، سنبدأ غداً الساعة التاسعة صباحاً، يمكنكم ترك ليسا هنا إذا اردتم…
رجل: لا، لا يمكننا تركها هنا، فهي تحتاج إلى عناية خاصة، سنذهب اليوم ونأتي غداً
(يضع رجال شركة الإنتاج ليسا في صندوق بعد أن يفصلوا طاقتها عن العمل، يخرج الجميع يبقى فقط المخرج ومدير المسرح والممثل)
الممثل: (بانفعال) هل تريدني أن أمثل مع ممثلة يضعونها في صندوق ويطفئون عملها بزر، هل تريدني أن أمثل دور العاشق في هذا العمر
المخرج: (يحاول اقناع الممثل) حسناً، عليك أن تنتبه لي جيداً، بما أن ليسا هي جسد فقط يتكون من حديد وأسلاك وزر للتشغيل والاطفاء، فلا بأس أن تكون قد دخلت في علاقة معها، ربما ليست علاقة بالمعنى المتعارف عليه ولكن الأهم أن تكون هناك علاقة
مدير المسرح: (يتدخل ليقنع الممثل أيضاً) انظر، إنها مسألة بسيطة جداً، يمكنك.. بخبرتك على المسرح أن ترتجل الأشياء كلها
الممثل: أرتجل! لقد رجعنا إلى نفس الدائرة، هل شاهدت ردة فعل ليسا عندما ارتجلت (يقلد ليسا) عذراً هذا ليس موجوداً في النص
(يعطي المخرج نسخة من النص إلى الممثل)
المخرج: خذ هذه النص، واحفظه
الممثل: (ينظر إلى النص ويتفحصه) هل هذا كله! تريدني أن احفظ كل هذا بليلة واحدة!
المخرج: احفظ ما تستطيع ولكن احفظ بالحرف الواحد ولا تجعل ليسا تقول لك هذا غير موجود في النص، والآن فليذهب كلٌ منكم ويعود غداً.
(يخرج الممثل ومدير المسرح، تقني الإضاءة يدخل على المخرج)
تقني الإضاءة: سيدي نسيت أن أقول لك، هل أنا مشمول غداً بالتمارين، أرى أن وجودي مبكر جداً، دع التمارين تتقدم قليلاً وبعدها أحضر أنا…
المخرج: لا، وجودك ضروري هنا، عليك أن تبدأ معنا منذ الحرف الأول (يضع يده على كتفه ويهمون بالخروج) نحن الآن في مرحلة مفصلية من حياتنا المسرحية علينا أن نعرف أن كانت هذه التقنيات ستقتل المسرح أم علينا أن نطوعها كي نجعلها عنصر مساعد لنا
(يخرجون، تخفت الإضاءة إلى أن تنطفئ)
المشهد السادس
(خمس من رجال شركة الإنتاج يجلسون في الصف الأول، مدير المسرح في الكواليس لكن جسده واضح للناظر من مسافة قريبة في الصالة، المخرج واقف بين المسرح والصالة، تقني الإضاءة قريب عليه، ليسا والممثل على خشبة المسرح، بعض أدوات الديكور التي تدل على فضاء بيت الزوجين)
الممثل: يا له من يوم متعب للغاية، حبيبتي هل يمكن أن تعدي لي الغداء، لقد كان الرجال في الخارج مزعجين للغاية
ليسا: حبيبي هل يمكن أن اعرف ما يجعلك هكذا حزين
الممثل: العمل، والعمل هو ما يشغلني، ولكني اواجه صعوبة في معاملة بعض كبار السن الذين لا يسمعون
ليسا: لقد كان شغفك هذا العمل ويبدو أنك تفقد جزءاً كبيراً من طاقتك عليه
الممثل: (ينسى الحوار فيصمت قليلاً)
ليسا: نعم سأعد لك الغداء ولكن هل يمكن أن تخبرني ماذا تريد أن تأكل
(يتدخل المخرج)
المخرج: لا، عليك أن تقول حوارك قبل هذا الحوار
الممثل: لقد نسيته
ليسا: نعم الممثل حبيبي ينسى، فضلاً على أنه لا توجد اضاءة خافتة الآن على المسرح، وكان من المفترض أن تكون هناك أصوات عزف بيانو
الممثل: (حائراً) يا ويلي
ليسا: لا ليس هذا ما يجب أن تقوله الآن، إنما هذه الجملة في وقت لاحق من المسرحية
المخرج: دعونا لا نخرج عن الموضوع، هل يمكن أن نعيد الحوار هذا، (إلى الممثل) ولكن لا تنسى
رجل من شركة الإنتاج: ربما تحتاجون أشهر للحفظ والبروفات ولكن ليسا تحتاج فقط الى دقائق قليلة
الممثل: (متململ) حسناً، فلنعيد المشهد
المخرج: (إلى ليسا) عليكِ أن تعرفي يا ليسا هو ليس بسباق للكلمات وإنما ما يهم هو بيتكم هذا الذي يجب أن يكون مملوء بالعاطفة وخصوصاً أن الرجل يتعرض إلى متاعب كثيرة خارج البيت.
ليسا: سأعمل ما مطلوب مني على الشريحة المحملة
الممثل: (يعيد المشهد) يا له من يوم متعب، هل يمكن أن تعدي لي الغداء، لقد كان الرجال في الخارج مزعجين للغاية
ليسا: توقف، لم تقل كلمة حبيبتي
الممثل: (بغضب) لا يمكن أن تؤثر كلمة واحدة على مشهد بعينه
ليسا: أنا اعمل ما مطلوب مني فقط
المخرج: ليسا هل يمكن أن نجعل الأمر طبيعي، حتى لو لم تكن الجملة كاملة، إنها تمارين فقط لذلك هي تمارين، نخطأ ونصحح الأخطاء… ارتجلي الاحداث والكلمات، (يحاول أن ينتقل لغير موضوع) حسناً هل يمكن أن ننتقل للمشهد الآخر، دعونا نجرب أشياء متنوعة ومتناثرة من النص، حسناً المشهد الثاني من فضلكم الآن…
(يُدّخل مدير المسرح سرير الزوجين، الممثل وليسا يجلسون عليه، يبدأ المشهد بعد ايعاز المخرج)
الممثل: آه يا حبيبتي لو تعرفين كمية الهم الذي في قلبي
ليسا: ليس هناك اضاءة للمشهد كما هو مفترض في النص
(المخرج يأمر تقني الإضاءة بتحريك الكشافات ليجعل الضوء عليهم فقط، يصعد تقني الإضاءة على السلم ويحاول تجميع كشافات الضوء على سرير الزوجين لإعطائهم جو خاص وحميمي، فجأة يسقط تقني الإضاءة من السلم)
تقني الإضاءة: آخ، لقد اذيت قدمي (يهرع الجميع إليه)
المخرج: هل أنت بخير
مدير المسرح: كان عليك أن تحترس فالسلم متهالك
تقني الإضاءة: آخ يا قدمي، كان عليك أن تخبرني بذلك
ليسا: حسنا: هل نكمل المشهد فالإضاءة أصبحت ممتازة الآن
المخرج: ألا ترين أن الرجل قد وقع
تقني الإضاءة: لقد انكسرت رجلي
المخرج: علينا أن نأخذه إلى المستشفى، سنأجل البروفات إلى يوم غد
(يضع عمال شركة الإنتاج ليسا في الصندوق، يخرج الجميع من المسرح، تنطفئ الإضاءة)
المشهد السابع
(اليوم التالي اثنان فقط من رجال شركة الإنتاج، المخرج والممثل ومدير المسرح وليسا موجودين على الخشبة، تقني الصوت جهز أدوات الصوت والمؤثرات)
المخرج: بما أن الأجواء مهيأة من اضاءة وصوت فلنبدأ بمشهد السرير، أنه اهم مشهد في المسرحية
(ليسا والممثل على السرير)
الممثل: (يحاول أن يدخل بسرعة في الشخصية) آه يا حبيبتي لو تعرفين كمية الهم الذي في قلبي
ليسا: اعتقد أنه عليك أن تأخذ قسطاً من الراحة
الممثل: (يلمح بشيء) اعتقد أنني بحاجة إلى غير ذلك… (يحاول التقرب منها)
ليسا: وما الذي تحتاجه الآن
الممثل: أنا بحاجة اليكِ يا حبيبتي
ليسا: وأنا معك يا حبيبي
الممثل: تقربي عليّ لمَ أنتِ بهذا البعد (يتقرب أكثر إليها)
ليسا: الست متعب وتريد النوم
الممثل: أنتِ راحتي يا حبيبتي (يضع يده على كتفها)
ليسا: توقف، لم يكن هذا موجوداً في النص
الممثل: (يقفز من السرير) يا ويلي، لم يكن هذا موجوداً في النص، بالتأكيد هو موجود، انظري إلى الملاحظة الموجودة بين الاقواس، يحاول الزوج أن يقترب من زوجته، ولكن زوجته تحاول الابتعاد عنه، يبقى الزوج يقترب منها بحيث تصل أنفاسه إلى أنفاسها، هل قرأتِ ذلك!
ليسا: عذراً ولكنني اعمل ما مطلوب مني فقط
المخرج: (يتدخل مسرعاً تلافياً للأخطاء) يبدو أن علينا أن نزيل الشريحة منها كي نستطيع أن نعمل ما نراه مناسباً للمشهد (إلى احد عمال الشركة) أزل لنا الشريحة من فضلك فلنجرب شيء آخر (يطيع عامل الشركة ويزيل الشريحة من ليسا، يتوجه بعدها المخرج إلى ليسا) حسناً يا ليسا والآن علينا أن نخلق هذا المشهد بينكم بدون أيّ نص مكتوب، كل في الأمر هو أنكم زوجان وزوجكِ يريد أن يتقرب بجسمه ومشاعره واحاسيسه لكِ، عليكِ بعض الأحيان أن تداري مشاعره نتيجة الضغوط الخارجية، فهو يبكي بعض الأحيان، واحيان أخرى يكون متعب جداً من الكلام فعليكِ أن تريحيه بعض الشيء، يجب أن يكون هذا المشهد رومانسي يا ليسا، هل هذا واضح
ليسا: نعم واضح، ولكن أخبرني لماذا على الممثل أن يبكي؟
المخرج: يبكي لأنه يحتاج إلى ذلك، يحتاج إلى تفريغ مشاعره عن طريق البكاء
ليسا: هل يمكنني أن اقترح حلولاً للإضاءة ووقفات الممثلين على الخشبة!
المخرج: ربما، ولكن ليس الآن، في مرحلة متقدمة من العمل، والآن فليأخذ كلٌ دوره، لنصنع هذا المشهد بدون نصاً مكتوب
(ليسا والممثل يكونون على السرير)
ليسا: يا حبيبي كم مرةً اخبرتك بأن العمل يستنفد كل طاقتك
الممثل: (يجاريها في الارتجال) وماذا عليّ أن افعل يا عزيزتي، فأنا ليس لدي غير هذه الوظيفة
ليسا: اعتقد بأنك يجب أن تأخذ إجازة لبعض الوقت
الممثل: اعتقد بأنني بحاجة اليكِ
ليسا: ماذا تقصد؟
الممثل: اقصد انني بحاجة إلى زوجتي وهي قريبة مني
ليسا: وها انا قريبة منك يا عزيزي
الممثل: لستِ قريبة بما يكفي، اريد أن اشعر بكِ قريبة من قلبي
ليسا: ماذا تقصد بقريبة من قلبي؟
الممثل: (يحاول أن يُبسّط الأمر) أعني أنني بحاجة إلى زوجتي وهي تحتضنني، اشعر بدفء جسدها وهي تمسك يديّ، اريد أن اشعر بذلك، (ضاحكاً) هل فهمتي يا حبيبتي هاا… هل فهمتي
ليسا: اوه يا حبيبي، أنت مشاكس بعض الأحيان
الممثل: نعم فهذا ما ارجوه
ليسا: (تقترب ليسا منه كثيراً، تمسك يديه) يا حبيبي المتعب، كم أتمنى أن ازيل هذا التعب منك، فأنت رجلي وزوجي وبطلي، هل تذكر عندما التقينا أول مرة، كيف كنت تنظر اليّ
الممثل: وكيف لي أن أنسى ذلك
ليسا: لقد كانت نظرتك اليّ قاسية، كنت تظن بأنني غير قادرة على أن أكون في علاقة معك
الممثل: (ينظر إلى المخرج ويتكلم مع ليسا) هااا نعم، اقصد لا ربما تفهمين أنني
(تقاطعه)
ليسا: اها ليتني لم أرى تلك النظرات منك، بل حتى ردود فعلك كانت مبهمة لي
الممثل: (يحاول السيطرة على الوضع) لا.. ليس الأمر كما تظنين.. فأنا كنت…
(تقاطعه)
ليسا: اتعرف، لقد كنت وقح حينها، لم اعهد تلك التصرفات قبلاً
الممثل: لم أكن وقح (ينظر إلى المخرج)
ليسا: لا بل كنت تشكك بي، وتقول بأني غير قادرة على مجاراة الإنسان
الممثل: لم أكن اشك فيكِ يا عزيزتي ولكن..
ليسا: ولكن كيف تبرر ذلك الموقف
الممثل: لقد تحول المشهد إلى تحقيق (إلى المخرج) هل ستبقى صامتاً هناك (رجال شركة الإنتاج يضحكون، يوجه كلامه إلى ليسا) اليس من المفترض أن يكون هذا المشهد رومانسي يا ليسا
ليسا: أنت غير رومانسي يا عزيزي
(الجميع يضحك، المخرج واقف في زاوية معينة صامت يفكر فيما يحدث)
المخرج: حسناً، يكفي لهذا اليوم، فلنعد غداً، (إلى عمال شركة الإنتاج) يمكنكم أخذ ليسا لقد انتهينا هذا اليوم.
(يخرج رجال شركة الإنتاج مع ليسا الموضوعة في صندوق)
المشهد الثامن
(في غرفة الكواليس، المخرج جالس مع الممثل، كلٌ منهم يفكر بما يحدث لهم)
الممثل: أنت تعلم بأنها لا تستطيع الارتجال، كما إنها لا يمكن أن تقدم النص إلا كما هو على الورق بكل تفاصيله
المخرج: لم اعول كثيراً
الممثل: ولكن إلى أين سنصل
المخرج: لا يمكن للروبوت أن يكون ممثلاً بديلاً عن الممثل الحي
الممثل: اتفق معك، ولكن انظر إلينا الآن نحن نجلب روبوت ونجعله ممثل محوري
المخرج: ليست اراداتي وإنما هذا ما تريده شركة الإنتاج
الممثل: لا يمكن أن نضع رقابنا في أيديهم
المخرج: الم تكن الفكرة هكذا، لقد أردنا أن نبين لهم بأن الروبوت لا يمكن أن يمثل وهذا ما حدث
الممثل: يقولون بأن الروبوتات بدأت تغزو المسرح الاسيوي، في اليابان مثلاً
المخرج: اعرف ذلك، ولكن لا يمكنني مشاهدة مسرحية كاملة والروبوت ممثل بها
الممثل: هل فعلاً بدأت الناس بمشاهدة الروبوت على المسرح بحيث لا يمكنها أن تشاهد مسرحية بدون روبوت، لقد أخبرني أحد مدراء المسارح اليوم أن المخرجين هنا بدأوا ايضاً الاتجاه نحو هذا المنحى
المخرج: انها مصيبة كبيرة
الممثل: والآن ماذا علينا أن نفعل
المخرج: سنحاول غداً، ونرى ماذا نستطيع أن نفعل
(تنطفئ الإضاءة)
المشهد التاسع
(جميع رجال شركة الإنتاج موجودين هذا اليوم في المسرح، تقني الإضاءة جالس على كرسي متحرك ورجله مُجبرّة، تقني الصوت موجود أيضاً، المخرج ومدير المسرح والممثل وليسا موجودين على الخشبة، ينزل المخرج ويجلس مع رجال شركة الإنتاج)
المخرج: اليوم سنقوم بالتمرين على المشهد الأخير، حسناً فلنبدأ الآن
(ديكور مفترض للمشهد المأساوي)
الممثل: (يحاول الدخول مبكراً للشخصية) حسناً يا ليسا اعتقد بأننا وصلنا إلى مرحلة مفصلية من حياتنا
ليسا: نعم، ولكن هل يمكن أن نتكلم قليلاً
الممثل: ليس هنالك ما نتكلم به، لقد كنتِ جافة المشاعر معي، لقد كنتِ بخيلة بحقي كثيراً
ليسا: هل يمكن أن نعطي لأنفسنا فرصةً ثانية
الممثل: كم مرةً أقول لكِ بأن الفرص الثانية يجب أن تُستحّق وليس هكذا
ليسا: ارجوك، مطلوب مني هنا أن أبكي ولا أستطيع
الممثل: ابكي يا ليسا ابكي
ليسا: لا أستطيع، مطلوب مني هنا أيضاً أن أقول النص بمشاعر الندم
الممثل: اندمي يا ليسا
ليسا: لا أستطيع
الممثل: عليكِ أن تحاولي
ليسا: لا أستطيع أن ابكي أو احضن، أو أقول كلمات الحب بمشاعر قوية، ليست لدي هذه المقومات
الممثل: ولكن هذا مطلوب كي نعيش حالة الشخصية
ليسا: هذه مشاعر إنسانية، وأنا ليس لدي مشاعر إنسانية
الممثل: هذه هي المشكلة
ليسا: أنا أقول ما مطلوب مني فقط، أتكلم ضمن حدود النص المحمل لدي
(يقفز المخرج ويصعد إلى الخشبة، يصبح قبالة رجال شركة الإنتاج ومديرها)
المخرج: هذا ما شاهدتموه اعزائي يثبت قضية جوهرية في المسرح، لا يمكن أن يكون المسرح كلمات تصدر من ممثل، وإنما هناك علاقة قوية بين ظاهر الممثل وباطنه، فمشاعره واحاسيسه تُكمل حركاته الخارجية وهذا ما لا يمكن أن يحصل عند ليسا، (متوجهاً إلى مدير شركة الإنتاج) لقد شاهد مساعديك هنا ما توصلنا إليه خلال اليومين السابقين، لم تكن التمارين تجري بصورة صحيحة بين ليسا الروبوت والممثل، وكانت الأسباب واضحة بالطبع، وبهذا أقول لكم اعزائي بأننا لا يمكن أن نُكمل ما بدأناه بسبب ذلك
رجل من شركة الإنتاج: نحن في طريقنا لتجهيز الديكور وكل متعلقات المسرحية
المخرج: وبأي ممثلين تريد أن نمثل المسرحية، بممثل لا يستطيع الضحك أو البكاء أو الإحساس
رجل آخر: ولكنها حفظت النص بدقيقة واحدة
المخرج: المسرح ليس كلمات يا اخي افهم
مدير الشركة: هل افهم من هذا بأن ليسا لا يمكن أن تصبح ممثلة؟
المخرج: عليك أن تفهم بأننا لسنا رافضين فكرة أن تدخل تقنيات الذكاء الاصطناعي أو الروبوتات إلى المسرح، ولكن ما نرفضه هو أن يقوم الروبوت بعمل الإنسان، فمثلاً لا يمكن للروبوت أن يمثل ولكنه يمكن أن يكون شريكاً في العرض عندما يقترح أشياء تصب لصالح العمل، مثلاً ألوان الإضاءة، أو أجهزتها، الفضاء المسرحي…
مدير الشركة: (بنبرة حادة) ماذا تقول.. لا يمكن أن يحدث هذا، فلقد اعطينا اخبار لقنوات التلفزيون والاعلام عن المسرحية
المخرج: اذن قل لهم بأن العرض قد تم تأجيله.
انتهـــــت

