مقالات

المسرح المغربي وموتى الساموراي

يوسف الريحاني

توصل موقع مجلة “الفرجة” من المخرج والكاتب والباحث المغربي يوسف الريحاني بورقة بمناسبة اليوم العالمي للمسرح يقارن فيها واقعنا المسرحي

شعبي العزيز،

لقد حان الوقت لإحداث نقلة حقيقية، في التأهيل الشامل للمجالات الترابية، وتدارك الفوارق الاجتماعية والمجالية.

لذلك ندعو إلى الانتقال من المقاربات التقليدية للتنمية الاجتماعية، إلى مقاربة للتنمية المجالية المندمجة

مقتطف من الخطاب الملكي السامي لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله

بمناسبة عيد العرش المجيد- 31 يوليوز 2025

مع منتصف القرن العشرين سنت فرنسا سياسة جهوية المسرح ونجحت بفضل تبصر وحنكة مدبرثقافي قل نظيره؛ اسمه أندري مالرو. إلى هذا الرجل تنسب كل السياسات الثقافية الشائعة اليوم؛ فهو أول من أنشأ شبكة للمراكز الثقافية Maisons de la culture وسن قوانين لحماية التراث المادي واللامادي؛ واعترف بحقوق الملكية الفكرية؛ وهو أيضا من ابتدع فكرة تنظيم معارض للكتاب قصد تعميم القراءة العمومية؛ إيمانا منه بأن التنمية الحقة رهينة بالتفكير الأفقي الذي لا يتحقق إلا من خلال مجتمع القراءة والطباعة والصحافة والإعلام. ولأنه اعتبر وزارة الثقافة مؤسسة للذكاء واستباق الأحداث؛ فقد خطط كوزير للشؤون الثقافية لسياسة محكمة لتفعيل جهوية المسرح؛ عبر:

1- إنشاء المراكز الدرامية الوطنية بأهم جهات فرنسا والتي أسندت إليها وحدها مهمة إنتاج الأعمال المسرحية بما يضمن العدالة المجالية  ويعكس التنوع الإثني والثقافي للجمهورية الفرنسية الخامسة

2- إقامة وتشبيك المسارح الوطنية التي انتشرت عبر كل الجهات ولم تقتصر على باريس لوحدها.

3- تصميم خارطة للمهرجانات والإقامات الفنية قصد تطوير فنون العرض وتقريبها من المواطنين

4- إحداث أقسام جهوية للتكوين المسرحي، تعكس بيداغوجيتها تنوع أشكال التعبير المختلفة.

وباستثناء المسرح الوطني (الكوميديا الفرنسية) الذي ظل يمول بالكامل من وزارة الثقافة؛ فإن كل المشاريع المسرحية الأخرى كانت تمول من القطاع الحكومي ومن المجالس المنتخبة من بلديات ومجالس المدن والجهات؛ بالإضافة إلى رعاية من القطاع الصناعي Mécénat. وتعتمد في التسيير على مبدأ الحكامة المالية والزمنية؛ مثلما تقوم هيكلتها على الإطارات المستقلة ذات الطابع الإداري الذي يعتمد المرابحة المادية والمعنوية كشرط لتحمل مهام الإدارة والتدبير؛ فإدارة المسارح والمتاحف ليست مناصب للتباهي الاجتماعي أو للترضية؛ بقدر ما هي مسؤوليات جسيمة وخاضعة للمحاسبة والمراقبة الصارمة.

آمن أندري مالرو بأن دمقرطة الدولة من دمقرطة الثقافة باعتبارها جوهر أشكال التعبير المجتمعية؛ وأن الدولة ليست نظام دعم للفن؛ بل الفن ذاته هو ما يشكل نظام دعم للدولة. وهذا فقط ما أنجح مشروع الجهوية وصنع عظمة الجمهورية الخامسة اليوم وجعل منها عاصمة للأنوار؛ وأول قبلة للسائحين في العالم؛ ومصنعا لا نظير له للأفكار،  وحمى لأعتى المسارح والمتاحف ودور الأوبرا؛ وقبلة لأعظم الفنانين.

وفي مغربنا الراهن هنالك قفزة هائلة شهدتها بلادنا بفضل السياسات الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده؛ غيرت وجه المملكة ثقافيا وفنيا؛ سواء من حيث العدد الهائل للبنيات الفنية المحدثة طيلة ربع قرن الأخير والتي تعادل بلا مبالغة أضعاف مضاعفة لما شهدته البلاد طيلة قرن مضى؛ أو من حيث الوعي بقيمة الفنون في مشاريع التهيئة الحضرية لكبريات الحواضر المغربية؛ إلا أنه مع ذلك ما تزال السياسات الحكومية لدينا غير مواكبة للتوجيهات الملكية السامية وغير قادرة على تنزيلها على ارض الواقع؛ سواء من حيث ضعف الموازات المالية الكفيلة بالنهوض المسرحي أو غياب العدالة المجالية؛ ما حكم على مسرحنا المغربي الذي كان مشهودا له فيما مضى بالتنوع الجهوي؛ من أن يصير محكوما بالتقوقع والانغلاق داخل أسوار العاصمة.

والسبب يكمن أولا واخيرا في تقاعس المجالس المنتخبة عن الإسهام في هذا النهوض. هنالك انتعاشة ملحوظة في العاصمة التي تحتضن المعهد الوحيد للفن الدرامي، والمسرح الوحيد لحد الساعة بالمملكة والذي يشتغل كشركة سيكما وبمجلس إداري ويتوفر على ميزانية رغم هزالتها؛ ولكن في باقي الجهات لا نكاد نعثر فيها لا على معاهد ولا لمسارح ولا لموازنات مالية؛ هنالك فقط مراكز ثقافية مشرعة في وجه كل أنواع التنشيط الثقافي: (أعمال هاوية إلى جوار إنتاجات شبه الاحترافية وأخرى مدرسية وشبابية) حتى صارت مراكزنا بيوتا للثقافة ودورا للشباب ومراكز اجتماعية وكل شيء آخر.. بل إنه على مبعدة 100 كلم من العاصمة يقف المسرحيون في الدار البيضاء هذه الايام محتجين على تهميش الجماعات المنتخبة لأبي الفنون؛ بإخضاع الفرق المسرحية لمنطق الجمعيات الثقافية وليس حتى الرياضية؛ ولم يشفع لهؤلاء المسرحيين أن مجالس مدينتهم هي الأغنى افريقيا؛ وأنها الحاضرة التي أنجبت الطيب الصديقي وعبد القادر البدوي والبشير لعلج ومصطفى التومي ومحمد الخلفي  وثريا جبران ومحمد قاوتي ومسرح الحي وحركة المسرح الجامعي؛ وقبلها أعتى فرق مسرح الهواة. لم يشفع لهؤلاء أن الدار البيضاء هي قلب المسرح المغربي؛ إذا نهض فيها أبو الفنون انتعشت كل الثقافة المغربية؛ وإذا تهاوى سينحط كل شيء.

معضلة المسرح المغربي اليوم ليست في قلة الدعم الذي تقدمه وزارة الثقافة أو تقاعس مديرية الفنون عن دعم المسرح والنهوض به؛ بل المشكلة في أنها الوحيدة التي تقوم بكل شيء، وبشكل يفوق طاقة أية وزارة للثقافة في العالم؛ وأن دعمها الوحيد للمسرح يقف أعزلا في مواجهة تحولات مجتمعية كبرى تشهدها البلاد. فالمجالس المنتخبة (جماعات مجالس إقليمية ومجالس الجهات) بفعل تسبيق المنتخبين للمصلحة الحزبية على الوطنية لا يتورعون عن ترفع أيديهم عن أي تدبير ثقافي لا يخدم مصالحهم الضيقة؛ مبررين ذلك بكون المسرح مسؤولية وزار الثقافة؛ رغم أن موازنة هذا القطاع الحكومي في فرنسا نفسها والذي يفوق نظيره المغربي بأضعاف مضاعفة؛ لا يكفي لوحده للنهوض بأحوال المسرح والمسرحيين، ذلك أن مساهمة أية جهة في الإنتاج الفني في العالم لن تتخطى سقف نصف التكلفة.

في هذه الحالة ليس أمام المسرحيين المغاربة منذ سنوات؛ وإزاء تقاعس المجالس المنتخبة عن الإسهام في هذا المشروع المسرحي الوطني (إنتاجا وتسويقا) سوى حلين لا ثالث لهما: إما الإضراب عن أي إنتاج مسرحي والانصراف إلى الدراما والسيتكوم واليوتيوب أو العطالة؛ أو أن يقبلوا بنصف تكلفة الإنتاج إن كانوا محظوظين بدعم الوزارة؛ ومن ثم، عليهم بعد ذلك أن يتحملوا من قوتهم اليومي العجز المتبقي للإنتاج؛ أي في جميع الاحوال: أن ينتهوا ببطء كموتى الساموراي

في اليوم العالمي للمسرح لسنة 2026 لا تزال المسارح ببلادنا موصدة الأبواب في غياب أية سياسية حقيقية قادرة على تشغيلها بمنطق المرابحة، ولا تزال المراكز الثقافية هي وحدها بيوتا للمسرحيين، تأوي أعمالهم التي تمر في مشهدنا الثقافي في صمت مطبق.

وكل عام تجدنا –معشر المسرحيين- في ظلسبات المنتخبين أن ننام معهم ونحلم بموتى الساموراي  

Alfurja

Alfurja

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

موقع مجلة الفرجة صادر عن: مركز الفنون العربية الفرجة.
الملف الصحافي: 37/ 2014ص.
الايداع القانوني: ردمد 9452/2421

اشترك في نشرتنا الإخبارية

    خلف الكواليس وفي قلب الحدث.. اشترك لتعرف كل جديد وتصلك كواليس المسرح وأخباره إلى بريدك

    جميع الحقوق محفوظة © 2026