شرفات

نقد فيلم قصير: “شجرة زيتون سعد”

مهدي منصور

كتابة وإخراج: أحمد الزائري

 

المقدمة — الجرح الذي يُزهر

في زمنٍ باتت فيه السينما العربية تتلمّس طريقها بين الترفيه الرخيص وثقل التاريخ المثقل بالدم، يأتي فيلم “شجرة زيتون” ليقول بهدوء مدروس: “إن الجرح حين يُسكت الصوت، تتكلّم الجذور”. فيلمٌ قصير بإنتاج سوري إيراني مشترك، يحمل في طياته بذرة مدرسة سينمائية إنسانية عريقة، ويضع نفسه في سياق تقليد فني يؤمن بأن الطفل ليس رمزاً بلاغياً فحسب، بل هو الشاهد الأصدق على فظاعة الحرب وجمال الأمل في آنٍ واحد.

ثانياً: السيناريو — بنية الإنسان في مواجهة الكارثة

يكتب أحمد الزائري سيناريو “شجرة زيتون” من داخل الجرح لا من خارجه. قصة الطفل سعد الذي يفقد بصره هو وأقرانه جراء قذيفة سقطت أثناء لعبهم بالكرة، ليست مجرد حادثة حرب تُروى، بل هي لحظة انقطاع الطفولة عن نفسها، انتزاع الضوء من عيون من لم يرَوا بعدُ ما يكفي من الحياة.

ما يُميّز الزائري كاتباً هو فهمه العميق لما يمكن تسميته **”الشخصية الدرامية الإنسانية”**؛ إذ يرفض قصداً صناعة البطل الخارق كما في أفلام هوليوود التجارية، ولا يسقط في فخ الضحية المُستسلمة. سعد لديه ألمه وخوفه وعناده الصامت، وهذا التوازن الدقيق هو ما يجعل الشخصية تنبض بالمصداقية. السيناريوهات الإنسانية الكبرى — من السينما الإيرانية إلى نيوريالية كيارستمي ومجيدي — تعرف أن المخرج الإنساني لا يُولد من بلاغة الكلام، بل من صدق الاختيار: اختيار الشخصية، واختيار اللحظة، واختيار الصمت.

ثالثاً: الإخراج — نظرة من قلب الظلام

يمتلك أحمد الزائري مخرجاً نظرةً سينمائية واعية بطبيعة الفيلم القصير وقوانينه الجمالية الخاصة. الفيلم القصير ليس فيلماً طويلاً مُختزلاً، بل هو تعريفٌ من أضيق زاوية ممكنة — ومن هذه الزاوية الضيقة يتحدث الزائري من مكان الوجع الحقيقي.

ثمة لغة بصرية في التعامل مع الظلام وما يملؤه؛ الجدران تحمل خواطر الشخصيات، والفراغ ليس فراغاً بل هو حضور من نوع آخر — حضور غياب البصر وثقله على روح الطفل.

غير أن ثمة ضعفاً إخراجياً واحداً لا يمكن تجاهله: **الاستيعاب الروائي الكافي للوصول إلى لغة السينما الواقعية العميقة**. الزائري لم يصل بعدُ إلى تلك اللحظة التي تذوب فيها الرواية داخل الصورة تماماً، حيث لا يُشعر المتفرج بأنه يُشاهَد فيلماً بل يعيش في فضاء الشخصية. لكنه اقترب، وبصدق، وهذا وحده إنجاز.

رابعاً: التمثيل — الطفل الذي يعرف ما يفعله

الشاب (عبد الرحيم الحلبي) يؤدي دور سعد بوعي تمثيلي يتجاوز ما يُتوقع من ممثل في هذا العمر. هو لا يؤدي العمى كمشهد أمام الكاميرا، بل يسكنه من الداخل — في طريقة توقف جسده، في استجابته الصامتة للأصوات، في عنفوان الطفولة المكسورة التي تأبى الاستسلام.

هذا الاختيار التمثيلي الصائب هو من بصمات المخرج القادر؛ أحمد الزائري عرف كيف يختار الشخصية والوجه الصحيح، وهذه مهارة إخراجية حقيقية لا تُكتسب إلا بالحدس الفني السليم.

خامساً: العناصر التقنية

**المونتاج: سلك مساره الصحيح؛ يخدم الإيقاع العاطفي للقصة دون افتعال أو ترهل، ويُدير الزمن الداخلي للفيلم بوعي.

**التصوير: يمتلك المصور لغة سينمائية واضحة، ويعرف كيف يتعامل مع الضوء والعتمة بوصفهما عنصرَين دراميَّين لا تقنيَّين فحسب. الكادرات تحمل قصداً.

**الموسيقى: كانت في مكانها، لا تطغى على الصورة ولا تخذلها، بل تعمل كطبقة عاطفية خفية تسند المشاهد دون أن تُملي على المتفرج ما يشعر به.

سادساً: المكياج — الثغرة الحرفية

الضعف الأساسي الأكثر ظهوراً على الشاشة يتمثل في **المكياج**. العمل يستدعي مكياجاً احترافياً عميقاً يمنح الشخصيات ملامح ما بعد الكارثة — أثر الغبار والدم الجاف والنسيج الجلدي لطفل عاش تحت القصف. ما قُدّم لم يكن كافياً لإقناع العين بتفاصيل هذا الواقع القاسي، وهو ما يُخلخل أحياناً الاتساق الواقعي الذي يسعى إليه الفيلم.

سابعاً: الفضاء التصويري

اختيار المواقع والفضاء المسرحي جاء سليماً؛ كل شيء في مكانه، تنفّس الفيلم في بيئته الجغرافية بشكل طبيعي. شجرة الزيتون القديمة تؤدي دورها الرمزي دون أن تصرخ بدلالتها — وهذا هو الذكاء البصري.

خاتمة — أمل بين الأنقاض

في النهاية، أحمد الزائري نجح في أن يخلق، من بين الأنقاض، قصةً ينمو فيها الأمل كشجرة زيتون لا تعرف الموت، ومن بين الظلام يدخل النور من كسرة زجاج صغيرة — لا مدفعاً ولا خطاباً.

هذا الفيلم ليس تقريراً عن الحرب السورية، بل هو شهادة جمالية عليها؛ والحرب السورية — بكل ما فيها من عنف التاريخ وحجم المأساة — تستحق أن يُنظر إليها من داخل عيون طفل فقد بصره ولم يفقد روحه.

Alfurja

Alfurja

About Author

موقع مجلة الفرجة صادر عن: مركز الفنون العربية الفرجة.
الملف الصحافي: 37/ 2014ص.
الايداع القانوني: ردمد 9452/2421

اشترك في نشرتنا الإخبارية

    خلف الكواليس وفي قلب الحدث.. اشترك لتعرف كل جديد وتصلك كواليس المسرح وأخباره إلى بريدك

    جميع الحقوق محفوظة © 2026

    error: نعتذر، نسخ المحتوى غير مسموح به لحماية حقوق الملكية