مقالات

خربشات فكرية

د. ملحة عبدالله

 

نحن نريد مسرحًا حيويًا مرحًا يعتمل في مزاج الجمهور ويحيله من الكدر إلى اللذة، مسرحًا يعتمل بداخله ذلك اللعب والضجيج الذي نراه في الحفلات الغنائية، وهنا تعود للمسرح حيويته وبهجته وجذبه لجمهور يبحث عن المتعة قبل الرسالة برغم أهميتها فهي الركيزة الخفية لكل ذلك الجذب الجماهيري..

إن هذا التحول -الفوريجي للجمهور- من منصات الاسترخاء على أرائك متراصة يميل برأسه يمينا وشمالا وجدا وطربا في حفلات الغناء القديمة، إلى جمهور احتفالي يلعب ويصفق ويرقص ويغني في احتفالات جماهيرية لم نشهد لها مثيلا من قبل! وذلك في الحفلات الغنائية المعاصرة، على غير ما نراه في المسرح برغم دعوات متتالية -منذ منتصف القرن الماضي حتى الآن- على أن يكون المسرح احتفاليا يشارك فيه الجمهور بالفعل بالرقص وحتى بالغناء!

لقد كان الجمهور في الماضي القريب يستمتعون بالمسرح ويسترخون على كراسيهم كما يميلون وجدا في حفلاتهم الغنائية التي قد تمتد لساعات، لكن هذا التحول في ميل الجماهير للحفلات الغنائية ومشاركتهم فيها بهذا الصخب اللافت للنظر، يعود إلى إيقاع العصر المتسارع والمختلف، الذي لم يفقهه المسرح والقائمون عليه فطرد جمهوره منه!

حقيقة نحن لا بد أن ندرك أن جمهور النظارة لا يأتي بالأمر ولا حتى بالنظريات وبالدعوات التنظيرية التي لم تؤتِ أُكلها، بل بما يريدونه هم، وذلك يرجع إلى الطبيعة البشرية التي تأبى الانصياع للأوامر أو حتى التوجيه سواء كان معنويا أم ماديا! ولم نكن نشعر بالحسرة إلا في مشاهدات تلك الجموع الغفيرة وهي تحتفل وتستمع وتملأ الديا ضجيجا في تلك الحفلات الغنائية، يداعب وجدانها ذلك الفعل الفطري التلقائي مشاركين المغني وجدا وطربا وكذلك فعلا -على غير الجمهور المسرحي الهارب من المسرح- حتى أن المغني يصمت في بعض الأحيان، تاركا لهم المساحة الفعلية في أداءات حرة منطلقة دون توجيه أو تنظير أو دعوات ضجت بها صفحات الكتب تنادي الجمهور المسرحي بالمشاركة وبالفعل وبالوجدان والتي صدوا عنها صدودا يتبع فطرتهم وتلقائيتهم هم ذاتهم في المسرح!

كنا كمنظرين ودعاة لتلك المشاركة المسرحية، نشعر بالمرارة حين نرى تمسك جمهور النظارة بكراسيهم أمام خشبات المسارح، في حين أننا نرى دعواتنا تلك تنتقل طواعية إلى جمهور الحفلات الغنائية فقط، وبلا أي تقنيات و(فزلكات) مسرحية، ولنا في فرقة أقيمت في القاهرة تدعى فرقة الطبلة خير مثال على ذلك الإقبال وتلك المشاركة، بالإضافة إلى تلك الحفلات الغنائية في جميع ربوع الوطن العربي حتى أنها أصبحت ظاهرة.

نحن من شكل المسرح العربي، أو قل المسرح في الوطن العربي، ونحن من سعى إلى قولبته وجره إلى تلك الإشكالية (الصمت المطبق والجلوس في تململ أمام الخشبات) ذلك لأننا استوفدنا تلك الخشبة ثم وضعناها أمام جمهور جُبل على الجلوس كما في المسرح الغربي، تجاهلا لطبيعة المتلقي العربي الذي هو نفسه وبطبيعته جمهور تربى على الفنون القولية والأدائية، جمهور قوال يستمتع عن طريق أذنه أكثر من بصره، وفي الوقت نفسه المسرح ما هو إلا فن بصري يعتمد على الصورة والتحرك داخلها، لأنه تربى وولد في بيئة غربية تعتمد وتستمتع بالصورة البصرية، حتى أنه يقرأ النوتة الموسيقية ببصره فيسمعها ويستمتع بها وهي مكتوبة على الورق ذلك هو الجمهور الغربي. ثم نطالب جمهورنا المسرحي أن يحتفل ويشارك في الفعل المسرحي وفي الأداء التمثيلي كما كان أجدادنا يمارسون ألعابهم الشعبية!

لم نتأمل ونمعن النظر في أن المسرح منذ نشأته الأولى كان احتفاليا مشاركا فعالا متلامسا مع الجمهور، بل إن الجمهور كان هو صانعه والمتحكم في إدارة عجلته، فالجمهور المسرحي المتخذ من المنحدرات الجبلية أو من الملاعب الرياضية مجلسا، هو من يقبل أو يرفض اللعبة، فكانت المدرجات تضج بالصفير والضرب بالكف والقدم احتجاجا، حتى يتغير الفعل ويتخذ متجها أو مسارا يرتضونه، وهذا يذكرنا بجمهورنا الشعبي المتلقي لشاعر الربابة حين يجبرونه على تغيير خط سير البطل إلى مجال هم أنفسهم يرتضونه وهم من يسيّرونه في تغيير خط سير الحدث!

يقول د. مصطفى يوسف -رحمه الله- في محاضراته ونحن طلاب: “الجمهور قديما احتفالي، ولكنه حاليا يتفرج رغم كسر الإيهام الموجود”. وكنا نتداول هذه المشكلة محاولين مع أساتذتنا إيجاد حل لها دون جدوى، فالمساحات الأكاديمية تظل بعيدة ما لم يكن التطبيق على الساحة هو الفيصل.

لقد عالج المسرح الإيطالي هذه الإشكالية بحرفية خفية تداعب وجدان المتفرج دون توجيه أو ما شابه، فقد جعل الفعل المسرحي يتحرك بنشاط واندفاع من مشهد إلى مشهد، ومن مونولوج إلى مونولوج، ومن حيلة إلى حيلة، وهكذا، حتى نهاية العرض، بعدها يودع الممثلون الجمهور يمرح ويقفز من على الخشبة إلى الصالة ولا توجد ستارة على الإطلاق.. وفي هذا يقول سالف الذكر: “إن هؤلاء أعادوا المسرحية بهذه الطريقة إلى الحياة والإبداع في الكوميديا ديلارتي”.

وبالتالي نجد أن فن الارتجال قد ساعد في جذب الجماهير وإمتاعهم؛ لكن فن الارتجال أمر ليس باليسير بل يحتاج إلى مهارة فائقة من الممثل كي يستنطق المتلقي ويحفزه على المشاركة والفعل، وذلك لأن الممثلين الميلانين قد شعروا في أنفسهم بجرأة المهارة الشعبية للممثلين القدامى الذين نالوا إعجاب جمهورهم في الماضي من خلال المرح والحيوية والظرف، كان لزاما عليهم إحداث مزاج ما بإشاعة الروح المرحة.

نحن نريد مسرحا حيويا مرحا يعتمل في مزاج الجمهور ويحيله من الكدر إلى اللذة، مسرحا يعتمل بداخله ذلك اللعب والضجيج الذي نراه في الحفلات الغنائية، وهنا تعود للمسرح حيويته وبهجته وجذبه لجمهور يبحث عن المتعة قبل الرسالة برغم أهميتها فهي الركيزة الخفية لكل ذلك الجذب الجماهيري وهو ما أسميناه (الحقن تحت الجلد)، فهذه وظيفة المسرح دون غيره من الفنون.

 

عن: “الرياض” عدد: الجمعة والسبت 21 / 22 ذو القعدة 1447هـ – 8 / 9 مايو 2026م

 

 

Alfurja

Alfurja

About Author

موقع مجلة الفرجة صادر عن: مركز الفنون العربية الفرجة.
الملف الصحافي: 37/ 2014ص.
الايداع القانوني: ردمد 9452/2421

اشترك في نشرتنا الإخبارية

    خلف الكواليس وفي قلب الحدث.. اشترك لتعرف كل جديد وتصلك كواليس المسرح وأخباره إلى بريدك

    جميع الحقوق محفوظة © 2026

    error: نعتذر، نسخ المحتوى غير مسموح به لحماية حقوق الملكية