بمناسبة فاتح ماي – اليوم الأممي للشغل.
على خشبةٍ مفتوحةٍ على اتساع الأسئلة، حيث الضوء لا يكتمل إلا بظلّه، وحيث الصمت أحيانًا أبلغ من الكلام، يقف فرع النقابة المغربية لمهنيي الفنون الدرامية بمدينة تطوان عند لحظة عيد الشغل، لا باعتبارها طقسًا احتفاليًا عابرًا، بل بوصفها مشهدًا تاريخيًا متجدّدًا، تُعاد فيه صياغة العلاقة بين الإنسان والعمل، بين الفعل والاعتراف، بين ما يُنجز في العمق وما يُعرض على السطح.
في هذا المشهد، لا يظهر الفنان كشخصية ثانوية عابرة، بل كجسدٍ حيٍّ يحمل ذاكرة التعب، ويصوغ من هشاشته لغةً، ومن صمته صرخةً مؤجلة. إنه ذاك الذي يعتلي الخشبة ليُضيء عتمة الآخرين، بينما يظل هو، في كثير من الأحيان، واقفًا على حافة الضوء، خارج دوائر الإنصاف، محاطًا بأسئلة لا تجد طريقها إلى الإجابة.
إن فاتح ماي، في دلالته العميقة، ليس مجرد احتفاء بمنجزٍ تحقق، بل هو استدعاءٌ لكل ما لم يُنجز بعد. هو لحظة يُرفع فيها الستار، لا عن عرضٍ مكتمل، بل عن واقعٍ ما يزال قيد التشكل، تتقاطع فيه الإرادات، وتتباين فيه المواقع، ويُعاد فيه توزيع الأدوار، أحيانًا خارج منطق الاستحقاق. وفي قلب هذا التوتر، يبرز سؤال لا يمكن تأجيله: هل يُنظر إلى الفنان كفاعلٍ منتجٍ للقيمة، أم كعنصرٍ تزييني يُستدعى عند الحاجة ويُغيب عند التقاسم؟
لقد أبانت التجارب المتراكمة أن الحقل الثقافي، رغم ما يُحاط به من خطابات التثمين، ما يزال يُدار في كثير من مفاصله بمنطقٍ يُشبه الكواليس المعتمة، حيث تُصنع القرارات بعيدًا عن الضوء، وحيث يُطلب من الفنان أن يؤدي دوره بإتقان، دون أن يُمنح حق مساءلة النص الذي كُتب له. إنها مفارقة مسرحية بامتياز: حضورٌ مكثف على الركح، يقابله غيابٌ شبه تام في هندسة المشهد.
ومن هذا المنطلق، فإن فرع النقابة لا يقرأ هذه المناسبة من موقع المتفرج، بل من موقع الفاعل الذي اختار أن يكون داخل العرض، لا على هامشه. فبادر، كما هو معلوم، إلى تقديم رؤى ومقترحات، ساعيًا إلى تحويل الفعل الثقافي من مجرد برمجة مناسباتية إلى مشروعٍ متكامل، تتكافأ فيه الفرص، وتُحترم فيه الكفاءات، ويُعاد فيه الاعتبار للفنان كحجر زاوية، لا كعنصرٍ قابلٍ للتعويض.
غير أن استمرار نفس الاختلالات، في صيغٍ متجددة، يطرح بإلحاح سؤال الإرادة: هل نحن أمام كتابة جماعية لمشهدٍ ثقافي منصف، أم أمام إخراجٍ أحادي يحتكر الرؤية ويوزّع الأدوار وفق منطقٍ مغلق؟ وهل يمكن لعرضٍ أن ينجح، إذا كان بعض ممثليه خارج الخشبة، أو خلف الستار، أو في قاعة الانتظار؟
إننا نؤكد، في هذا السياق، أن الفنان ليس صوتًا يُستعار، ولا صورةً تُستهلك، بل هو عاملٌ بكل ما تحمله الكلمة من معنى: يُنتج، ويجتهد، ويخضع لشروط العمل، ويستحق، تبعًا لذلك، حمايةً اجتماعية، واعترافًا قانونيًا، ومكانةً واضحة داخل منظومة الحقوق. وإن أي تصورٍ للثقافة يتجاوز هذا المعطى، يظل تصورًا منقوصًا، مهما بدا متماسكًا في شكله.
كما نعتبر أن الإقصاء، حين لا يُعلن عن نفسه صراحة، يتسلل عبر التفاصيل: عبر صمتٍ غير مبرر، عبر تأجيلٍ متكرر، عبر دعواتٍ انتقائية، وعبر آلياتٍ لا تتيح تكافؤ الفرص. وهي كلها مظاهر، وإن بدت تقنية في ظاهرها، إلا أنها في جوهرها تعبير عن خللٍ في توزيع الضوء داخل المشهد.
إن فاتح ماي، بهذا المعنى، ليس نهاية العرض، بل لحظة وقوفٍ في منتصفه، لإعادة ترتيب الإيقاع، وتصحيح المسار، وإعادة الاعتبار للنص الأصلي: نص العدالة الاجتماعية. ومن هنا، فإن فرع النقابة يدعو إلى فتح فضاءات حوار حقيقية، لا تُدار بمنطق المجاملة، بل بمنطق المسؤولية، تُسائل الاختيارات، وتُعيد صياغتها على أساس تشاركي، يضمن حضور كل الفاعلين، دون استثناء أو تمييز.
إن الرهان اليوم لم يعد تقنيًا أو تنظيميًا فحسب، بل أصبح رهانًا على المعنى ذاته: معنى أن يكون الفن عملًا، وأن يكون الفنان عاملًا، وأن تُبنى الثقافة كحق مشترك، لا كامتياز محدود. فإما أن ننتصر لهذا المعنى، ونمنحه شروط تحققه، أو نتركه معلقًا، كديكور جميل في عرضٍ يفتقد روحه.
وفي الختام، يجدد فرع النقابة المغربية لمهنيي الفنون الدرامية بتطوان التزامه الراسخ بالدفاع عن كرامة الفنان، واستعداده الدائم للانخراط المسؤول في كل مبادرة جادة، تُعيد للفعل الثقافي توازنه، وللمشهد برمته صدقيته. كما يؤكد، بكل وضوح، أن الصمت لم يعد خيارًا، وأن الدفاع عن الحقوق المشروعة سيظل مستمرًا، بكل الأشكال التي يضمنها القانون.
فالخشبة، مهما اتسعت، لا تتسع للإنصاف إن غاب أهله.
والضوء، مهما اشتد، لا يكشف الحقيقة إن وُزّع بغير عدل.
عن : المكتب فرع النقابة المغربية لمهنيي الفنون الدرامية – تطوان (بتاريخ فاتح ماي 2026)

