إعداد وحوار: مهدي منصور
في مدينة بابل، حيث تتنفس الحجارة القديمة ذاكرةَ آلاف السنين، وُلد عام 1994 فتىً لم يكن يعلم بعدُ أن جسده سيصبح لغةً، وأن صمته سيقول ما يعجز الكلام عن قوله.
لم يكن حسين كاظم حسين — الذي سيُعرف لاحقاً بـ”مالتوس” — يبحث عن خشبة مسرح تحتضنه، بل كان يبحث عن الفضاء الأرحب: الشارع الصاخب، الساحة العامة، الزاوية المنسية التي لا يلتفت إليها أحد. منذ عام 2011، وهو لم يبلغ السابعة عشرة بعد، بدأ يُجرّب — بيديه، بعينيه، بصمته — أن يُحوّل الجسد إلى كلام.
درس التمثيل في كلية الفنون الجميلة بجامعة بابل، لكن الدراسة الأكاديمية لم تكن سوى حوار بين ما يتعلمه في القاعة وما يكتشفه في الشارع. فحين خرج حاملاً بكالوريوسه في الفنون المسرحية، كان قد حمل معه شيئاً أثقل وأعمق: رؤيةً أدائيةً تقول إن المسرح الحقيقي ليس خلف الأضواء، بل في قلب الحياة ذاتها.
في عام 2015 أسّس فرقة مالتوس للفنون الأدائية، فمنح نفسه وآخرين فضاءً للتجريب الجماعي والفردي، حيث الجمهور ليس متفرجاً بل شريكاً في لحظة التخلّق. وجاءت عروضه تباعاً — *النزول إلى الأعلى، ساتر إيجار، مواطن VIP، مفوض عبد، أولاد التقاطع، السيد عامل النظافة* — وكل عمل منها يضع الإنسانَ الهامشيَّ المنسيَّ في مركز الضوء: عامل النظافة، رجل المرور، الطفل الذي يكبر على قارعة الطريق.
ثمة أرقام لا يحتملها العقل بسهولة: عرض *ساتر إيجار* قُدِّم لأكثر من مئة مرة خلال عشر سنوات دون أن يفقد وهجه، و*أولاد التقاطع* تجاوز التسعين عرضاً، و*مفوض عبد* السبعين. هذه ليست إحصاءات، بل هي دليل على أن الفعل الأدائي الحقيقي لا يُستهلك بل يتجدد.
لم تقف جائحة كورونا حاجزاً بينه وبين التعبير؛ حوّل الصمت إلى رقمي، وحصد جوائز دولية من وراء شاشة. وفي ساحات مختلفة تماماً — من سجون إلى مخيمات نازحين، ومن ملاعب بطولة خليجي 25 إلى مؤتمرات دولية — كان الجسد حاضراً يتكلم.
إلى جانب كل هذا، وضع كتابه *الأداء الإيمائي الصامت في مسرح الشارع*، الذي صدر عام 2020 وأُعيدت طباعته محققاً موسّعاً عام 2023، فأصبح مرجعاً بحثياً تتناوله المجلات العلمية المحكّمة، وأضاف إلى الممارسة ذاكرةً نظرية تبقى.
حسين مالتوس فنان متعدد — ممثل، مخرج، كاتب، مصمم حركي، مصمم صوت — غير أن جوهر ما يفعله واحد: يُعيد للإنسان اليومي كرامتَه البصرية، ويُثبت أن الصمت، حين يكون مسكوناً بالمعنى، أعلى صوتاً من كل كلام.
1. كيف حوّلتَ اسم مالتوس وهو اسم مفكر اقتصادي إشكالي بامتياز إلى هوية فنية؟ وما الذي يعنيه هذا الاختيار بالنسبة لك؟
اسم “مالتوس” لم يكن اختياراً فكرياً مرتبطاً بالمفكر الاقتصادي (توماس مالتوس)، بل جاء كلقب دراسي في مرحلة الإعدادية، حين كنت أقدّم حلولاً مختلفة عن المدرس لنفس المسائل، فصار يُطلق عليّ هذا الاسم من قبل زملاء الدراسة، بوصفه دلالة على الاختلاف. مع الوقت، لم يعد مجرد لقب، بل تحوّل إلى هوية فنية كاملة. لأنه اسم غير مألوف، ويختصر فكرة أن ما أقدّمه يقوم على مسار مختلف، لا في الشكل فقط بل في طريقة التفكير بالأداء نفسه.
2. في عام 2011، حين بدأتَ مسيرتك وأنت مراهق، ما الذي دفعك تحديداً نحو الصمت والإيماء بدلاً من الكلام المسرحي؟
البدايات لم تكن صامتة، بل انطلقت عام 2011 عبر أعمال مسرحية حوارية وأدائية ضمن تجارب تقليدية، كانت مرحلة تأسيس واكتشاف لأدواتي كممثل. ومع الوقت، بدأت أبحث عن مساحة أعبّر فيها بشكل أكثر تفرداً، بعيداً عن القوالب الجاهزة. هذا البحث قادني تدريجياً إلى الجسد بوصفه لغة قائمة بذاتها، حتى وصلت عام 2016 إلى أولى تجاربي الفردية الناضجة بأسلوب البانتومايم.
في تلك اللحظة تحديداً، لم يكن اختياري للصمت هروباً من الكلام، بل اكتشافاً لقوة أخرى في التعبير؛ قوة تختصر المعنى وتوصله مباشرة. الصمت هنا ليس غياباً، بل تكثيف، والجسد يصبح فيه النص الكامل. ومنذ ذلك التحول، بدأت تتشكل ملامح هويتي الأدائية التي تقوم على الفعل لا القول، وعلى الصورة لا الشرح.
3. ساتر إيجار قُدِّم أكثر من مئة مرة خلال عشر سنوات كيف يتغير العرض الواحد بتغيّر الجمهور والمكان؟ وهل أنت اليوم تؤدي نفس العرض الذي قدّمته عام 2016؟
“ساتر إيجار” هو نموذج واضح لفكرة الاستمرارية في العرض الإيمائي. قُدِّم لأكثر من (100) مرة على مدى عشر سنوات (2016–2026)، وفي تقديري يمتلك مقومات الدخول كسابقة زمنية في تاريخ المسرح الإيمائي العربي والعالمي، من حيث طول مدة تقديم العرض الواحد واستمراره بهذا الزخم.
العرض من حيث البنية لم يتغير، لكن ما يتغير هو الأثر. قُدِّم في ضريح مقدّس، وفي بطولة رياضية آسيوية، وعلى خشبات المسارح، وفي الشوارع، وفي احتفالات التخرج، وفي لحظات الوفاء لذكرى شهيد، وفي التجمعات العشائرية والجامعات، وشارك في مهرجانات تحكيمية حصد فيها جوائز. هذه البيئات المتناقضة لم تغيّر هوية العرض، لكنها وسّعت معناه.
المفارقة أن “ساتر إيجار” هو نفسه عرض 2016 من حيث الفكرة، لكنه ليس نفسه من حيث العمق. مع كل تقديم، يمرّ بتجربة جديدة: يتفاعل معه الطفل، ويتوقف عنده كبار السن، يحلله الأكاديمي، ويستجيب له الإنسان البسيط. كأن الزمن لا يعيد العرض، بل يختبره ويعمّق أثره.
هذا العمل تحديداً كان من أوائل تجاربي الإيمائية المتكاملة التي بلغت مرحلة النضج، وشكّل نقطة تحوّل في مساري. واستمراره بهذا الشكل، موثقاً بعروض وصور وسجلات، يؤكد أن العرض الإيمائي يمكن أن يعيش طويلاً إذا كان قائماً على فكرة صادقة وقابلة للتجدد.
ولا يتوقف الأمر عند “ساتر إيجار”، إذ تجاوزت عروض مثل “أولاد التقاطع” و“مفوض عبد” حاجز الـ(90) عرضاً لكل منهما، وهو ما يعكس اشتغالاً قائماً على الاستمرارية والتكرار الواعي، لا على اللحظة العابرة.
4. عملتَ في فضاءات بالغة التناقض: سجون، مخيمات نازحين، ملاعب رياضية، مؤتمرات دولية أيها ترك الأثر الأعمق فيك شخصياً، وكيف تتعامل مع هذا التباين الحاد في السياقات؟
العمل في السجون ومخيمات النازحين كان الأكثر تأثيراً إنسانياً، لأنك هناك لا تقدم عرضاً فقط، بل تواجه واقعاً حقيقياً وثقيلاً. هذا النوع من الفضاءات يختبر صدقك كمؤدٍ. أما التباين بين الأماكن، فأتعامل معه عبر قراءة السياق أولاً، ثم تكييف الأداء دون أن أفقد هوية العرض. الفكرة واحدة، لكن طريقة تقديمها تتشكل وفق المكان والناس.
5. تُصنّفك الدراسات الأكاديمية نموذجاً معاصراً في المسرح الإيمائي كيف تقرأ أنت هذا التوصيف؟ وهل تشعر بثقل مسؤولية أن تكون “نموذجاً”؟
أتعامل مع هذا التوصيف بوصفه نتيجة وليس هدفاً. أن تُقرأ التجربة أكاديمياً يعني أنها تجاوزت حدود العرض إلى مساحة التحليل. هذا يمنحني دافعاً للاستمرار، لكنه في الوقت نفسه مسؤولية، لأن أي تجربة تُقدَّم كنموذج يجب أن تبقى قابلة للتطوير، لا أن تتحول إلى قالب ثابت.
6. في مشهد فني عراقي يعاني من صعوبات مؤسسية وتمويلية، كيف استطعتَ أن تبني مشروعاً مستقلاً بهذه الاستمرارية بعيداً عن الأطر الرسمية؟
الاستقلال بدأ كضرورة ثم تحوّل إلى خيار واعٍ. العروض التي أقدّمها بسيطة من حيث الأدوات والإنتاج، لكنها غنية بالمحتوى الفكري والإنساني، وهذا ما منحها القدرة على الاستمرار بعيداً عن الاعتماد على الإمكانيات المادية. اعتمدت على الجسد كوسيلة أساسية، وعلى الفكرة كقوة دافعة، لا على الدعم المؤسسي.
كما أن العمل خارج الأطر الرسمية منحني حرية طرح الموضوعات والاشتغال على قضايا إنسانية دون قيود إنتاجية أو رقابية، وهو ما أسهم في بناء هوية فنية مستقلة.
ومع الاستمرارية، تحوّلت العروض نفسها إلى عنصر إنتاجي، إذ أصبحت تُطلب بشكل مباشر للمشاركة في المهرجانات والفعاليات والمناسبات المختلفة على مدار العام. كما بات تقديمها يتم وفق اتفاقات مهنية وبمقابل مادي أحدده أنا، وهو ما يعكس تحوّل التجربة من جهد فردي إلى حضور فني مستقر يمتلك قيمته السوقية والفنية في آنٍ واحد.
بالتالي، ما حافظ على هذه التجربة ليس التمويل، بل الاستمرارية، ومرونة الاشتغال، والقدرة على تحويل البساطة إلى قوة، والفكرة إلى فعل قابل للحياة والتكرار.


