سيرة و فنان

رثاء لرجل أعطى الشيء الكثير للمسرح المغربي والعربي عامة

انه المرحوم نبيل لحلو
بقلم: محمد محبوب
نبيل لحلو رجل عصيّ على التصنيف، مبدع شقّ لنفسه دربا وعرا لا يشبه الطرق المعبدة التي آثر كثيرون السير فيها طلبا للانتشار السهل أو التصفيق العابر. وبرحيله هذا الصباح، لا يترجل مجرد فنان عن صهوة الحياة، بل ينطفئ صوت جمالي وفكري ظل، لعقود، يزعج السكون ويوقظ الأسئلة النائمة في الوعي الجمعي. لقد كان من أولئك القلائل الذين لا يهادنون الواقع، بل يقتحمونه بعنف الرؤية، ويعيدون تشكيله عبر لغة مسرحية وسينمائية متمردة، تتغذى من القلق المعرفي ومن شهوة التجريب الدائم.
في زمن انحدرت فيه الممارسة المسرحية لدى كثيرين إلى مجرد وسيلة للإضحاك المجاني، أو إلى فرجة استهلاكية عابرة، اختار الرجل أن يجعل من المسرح مختبرا فكريا وجماليا، وأن يحوّل الخشبة إلى فضاء للأسئلة الكبرى،و ليس مهرجانا للضحك السريع.كما دأب بعض الفنانين ممن يسمون محترفين . ولذلك بدا مشروعه الفني أشبه بمغامرة وجودية شاقة، لا مكان فيها للحلول الجاهزة أو اليقين المطمئن. كان يؤمن أن الفن الحقيقي ليس ترفا جماليا، بل فعل مقاومة، ومواجهة، وخلخلة للبداهات الراسخة.
لقد ظل نبيل لحلو وفيا لذلك الاختيار الصعب؛ اختيار التجريب بوصفه رؤية للحياة قبل أن يكون مجرد تقنية فنية. ولذلك جاءت أعماله متمردة على القوالب، نافرة من التكرار، ومشدودة إلى أفق حداثي يرفض الاستنساخ والاجترار. كان يحلّق بعيدا، كطائر جريح يرفض الهبوط في المرافئ الآمنة، ويصر على اقتحام مناطق العتمة والأسئلة المحرجة. لم يكن يبحث عن متلقّ مستكين، بل عن متلقّ قلق، يقظ، قادر على مساءلة العرض بدل الارتماء السلبي في أحضانه.
ومن هنا استمدت أعماله تلك الغرائبية الآسرة، وذلك الطابع الصدامي والعجائبي الذي ميّز نصوصه وعروضه. لقد كان مسرحه مشدودا، في العمق، إلى روح مسرح القسوة عند أنطونان آرتو، لكنه ظل متجذرا في تربته المحلية، نابضا بأسئلة المجتمع المغربي، ومعبّرا عن اختناقاته وتناقضاته بلغة فنية حادة، تستفز المتلقي وتدفعه إلى إعادة النظر في علاقته بالعالم.
ولعل عناوين أعماله نفسها كانت تعلن منذ البدء عن هذا التمرد الجمالي، وعن هذا الإصرار على خرق أفق انتظار الجمهور. فمن “الميليارديرات” إلى “أوفيليا لم تمت”، ومن “الإمبراطور تريشماتوري” إلى “يوميات أحمق” و“محاكمة سقراط”، كان الرجل يفتح كوى جديدة في جدار الرؤية التقليدية، ويصر على أن يجعل من الفن مساحة للدهشة والقلق والتفكير. لم تكن نصوصه تبحث عن الطمأنينة، بل عن تلك المسافة الجمالية التي تجعل المتلقي يعيد اكتشاف ذاته والعالم من حوله.
لقد عاش هذا المبدع الكبير خارج منطقة الأمان، وظل منحازا إلى المغامرة في حدودها القصوى. ولذلك لم يكن فنانا عاديا يمكن احتواؤه داخل تعريف جاهز أو خانة نقدية ضيقة. كان حالة فنية وفكرية خاصة، صوتا نشازا وسط جوقة التكرار، وحلما حداثيا ظل يقاوم الرداءة والاستسهال حتى الرمق الأخير.
اليوم، يرحل نبيل لحلو، لكن الأسئلة التي زرعها في وعينا لن ترحل. يرحل الجسد، وتبقى تلك الروح المتمردة معلقة في فضاءات المسرح والسينما، شاهدة على أن الفن الحقيقي لا يموت، لأنه يتحول إلى أثر عميق في الذاكرة والوجدان. سيظل اسمه محفورا في ذاكرة المسرح المغربي بوصفه واحدا من أكثر المبدعين جرأة واختلافا، وأحد أولئك الذين آمنوا بأن وظيفة الفن ليست تزيين الواقع، بل تعريته وكشف هشاشته وفضح تناقضاته.
سلام على روحك أيها المبدع المشاكس …الباحث عن تفجير الأسئلة  وخلخلة السكون …
سلام على قلقك الجميل، وعلى أسئلتك التي لم تكف عن إرباكنا.
لقد غادرت الخشبة، لكن ظلك سيظل هناك، يتجول بين الأضواء المعتمة، وبين المقاعد الصامتة، كأنك تهمس لنا للمرة الأخيرة:
“إن المسرح ليس مكانا للراحة، بل فضاء للحقيقة المؤلمة”.
Alfurja

Alfurja

About Author

موقع مجلة الفرجة صادر عن: مركز الفنون العربية الفرجة.
الملف الصحافي: 37/ 2014ص.
الايداع القانوني: ردمد 9452/2421

اشترك في نشرتنا الإخبارية

    خلف الكواليس وفي قلب الحدث.. اشترك لتعرف كل جديد وتصلك كواليس المسرح وأخباره إلى بريدك

    جميع الحقوق محفوظة © 2026

    error: نعتذر، نسخ المحتوى غير مسموح به لحماية حقوق الملكية