حوارات سيرة و فنان

في حضرة د. عواطف نعيم: سيدة تكتب وجهها على خشبة العالم

إعداد وحوار: مهدي منصور

 

من فضوة عرب في باب الشيخ، حيث تنام الأزقة على أحلام أكبر منها، خرجت طفلة لم تكن تعرف بعد أن الخشبة ستكون وطنها الوحيد الذي لا يُحتل. لم تختر المسرح كما يختار الناس مهنة — بل وجدت نفسها فيه كما يجد الغريق نهرًا يعرفه منذ الأزل. درست التمثيل أولًا، ثم الإخراج، ثم عادت إليه ماجستيرًا ثم دكتوراه، كأنها كانت في كل مرة تحفر أعمق في جوهر شيء لا يريد أن ينتهي.

سبعة عقود من الزمن العراقي — وهو زمن لا يشبه أي زمن آخر في العالم. زمن فيه الحرب جارة والحصار صديق والديكتاتورية سقف والاحتلال جدار. في كل هذا، كانت عواطف نعيم تكتب. تُخرج. تمثّل. تؤسّس. أسّست مسرح الطفل في دائرة السينما والمسرح حين لم يكن له أثر، وأسّست محترف بغداد المسرحي حين كانت بغداد تحترق ببطء، وأسّست رابطة نقاد المسرح حين كان النقد فعلًا يشبه المقاومة.

قرطاج كرّمتها مرتين. مرة عام 1993 كأول فنانة عراقية تنال هذا التكريم، ومرة عام 2005 كفنانة عربية متميزة. ثم جاء وسام الثقافة والآداب الفرنسي بدرجة فارس، يُقلّده إياها السفير الفرنسي في يوم المسرح العالمي — كأن العالم كان ينتظر اللحظة المناسبة ليقول ما تأخّر قوله.

لكن ما لا تقوله الجوائز هو ما يستحق القول. لا تقول كيف وقفت على ضفاف دجلة عام 2003 مع ثلاثين ممثلًا ومثّلت ضد الحرب القادمة كأن الفن وحده بقي واقفًا بوجه الريح. لا تقول كيف في اليوم الأول لسقوط الموصل بيد داعش، كانت هي على الخشبة في “خرابيط” — أول عرض يواجه مشروع تقسيم العراق. لا تقول كيف كتبت عن سبايا الإيزيديات حين صمت كثيرون، وكيف جاء “برلمان النساء” ليُمنع في اليوم الثاني من عرضه في زمن يُسمّى ديمقراطية.

هي لم تكتفِ بأن تكون فنانة. اختارت أن تكون شاهدة على زمنها، ومحرّضة على جمال لا يستسلم، وأمًّا للخشبة العراقية في أعتى لحظات يتمها. كتبت للكبار وللصغار، للمسرح والإذاعة والتلفزيون والسينما. أخرجت أرسطوفان وكامو وبيكيت وجينيه — ثم أعادت كتابتهم بروح عراقية لا تستأذن أحدًا. ونساء لوركا اللواتي وُلدن على يديها طُفن العالم من مولهايم إلى عمّان إلى الجزائر، يحملن معهن رائحة دجلة في كل خطوة.

اليوم، وهي تقف على خشبة “جنون الحمائم” في الأردن وتنال جائزة أفضل عرض متكامل، أو تمثّل العراق في سلطنة عمان بـ”نساء لوركا” عام 2025 — لا يبدو أنها تفكّر في التوقف. ربما لأن الخشبة بالنسبة إليها ليست مكانًا للوقوف، بل الطريقة الوحيدة التي تعرف بها أن تتنفّس.

 

امرأةٌ تحمل دكتوراه في الإخراج وتكتب للأطفال في الوقت ذاته، أيّ عواطف هي الأكثر حقيقةً، وأيّهن لم تنلْ بعد ما تستحق؟

ليس ثمة إثنتين، بل هي عواطف واحدة تكتب للكبار والصغار، وتدرك أن الكتابة أثرٌ يبقى بعد أن نغادر، وتعلم علم اليقين أن عالم الطفولة هو بوابة الحلم لعالم الكبار، وهو ثقافة للتنوير قبل الولوج لعالم الأسئلة ومحاولات الفهم.

كل القدرات والمواهب هي محاولة للتعلم والمعرفة، لخلق عالم من الجمال والرقي، والفنون والثقافة صمامات أمان وسلام في مجتمع فيه من الاضطراب والعنف ما يجعل تلك الفنون والثقافة ضرورة في الوجود والحضور…

حين منعوا برلمان النساء في اليوم الثاني بحجة أنه يُسيء للبرلمان، ماذا فعل قلبكِ في صباح اليوم الثالث؟

هل تصدق أني لم أتأثر ولم أنكص؟

كتبت مقالة نُشرت في جريدة الصباح نلتُ فيها من العقول المتبلدة التي تحاول أن تُلجم الألسن وتكتم الأصوات المعارضة والمحتجة.

وعملت على إرسال فيديو العرض، الذي نجحت في تصويره في يوم عرضه الأول، إلى منظمة (في كل مكان) في جامعة نيويورك، والتي دعتني لتقديم محاضرة عن المسرح في زمن الأزمات، وكان عرض برلمان النساء نموذجًا.

سافرت إلى الولايات المتحدة الأمريكية بدعوة من تلك المنظمة، ودخلت جامعة نيويورك، وتم تقديم المحاضرة وعرض الفيديو، والذي أثار إعجاب الحضور. وحتى الذين لم يفهموا اللغة تفاعلوا مع تنوع الفرجة في العرض وجمال الأداء.

لذا، لم يستطع مَن منع العرض إلا أن يمنحه حياةً ضاجةً لم يكن يتوقعها. ضحكتُ على من يحاول أن يعيق عملًا، لكنه يكسبه حضورًا على عكس توقعه، لذا يقال: رب ضارة نافعة…

خرابيط في أول يوم لسقوط الموصل، وسبايا بغداد حين صمت الجميع… هل الفنان الحقيقي لا يستطيع الصمت، أم أنه ببساطة لا يُجيد الخوف؟

الفنان الحقيقي، والذي يدرك أن المسرح رسالة فكرية وجمالية للتنوير والمعرفة، لا يعرف الخوف؛ لأنه ببساطة رسول الجمال والفكر، وضمير الناس، والمعبّر عما يدور في ضمائرهم.

والفنان هو النموذج الذي ينظر إليه الناس بكل الاحترام، لذا لابد أن يكون ذلك النموذج مقنعًا وثابتًا وموضعًا للمصداقية…كل التقدير.

محترف بغداد المسرحي منذ 1998… ما الذي يبنيه اثنان معًا في أشد أوقات بغداد ظلامًا، ولا يستطيع أيٌّ منهما أن يبنيه وحده؟

محترف بغداد المسرحي منظمة مجتمع مدني، وهي رئة نتنفس منها المسرح في كل تجلياته.

نتعاون أنا والفنان الكبير عزيز خيون في تقديم عروض مسرحية للكبار والصغار، ونقدم ورشًا مسرحية في فنون المسرح: فن السينوغرافيا، فن الصوت والإلقاء، فن الأداء، فن النقد، فن الكتابة، ومفاهيم التمثيل، ساعين لجعل المسرح ضرورة اجتماعية.

ونعمل على تدويل العروض المسرحية التي ننجزها إلى مهرجانات وملتقيات عربية وأوروبية. نمثل معًا، أو نجمع بين الإخراج والتمثيل، ونجمع حولنا فريقًا من العاملين في المسرح، ولاسيما من الشباب الذي ينتمي إلى المسرح ثقافةً وفكرًا.

لذا، فالتجربة في المحترف تتطلب وجودنا سويًا؛ لأن أحدنا يكمل الآخر ويعينه لتقديم ما يليق بنا وبتأريخ المسرح العراقي، ولأجل خلق جيل سيكون في مقبل الأيام امتدادًا وتواصلًا لنا ولطريقتنا في الإنجاز…

وقفتِ على ضفاف دجلة مع ثلاثين ممثلًا تقاومين حربًا قادمة بالكلمة… في تلك اللحظة، هل آمنتِ فعلًا بأن الفن يستطيع أن يوقف شيئًا، أم كان ذلك هو الشكل الوحيد الكريم للعجز؟

(مهرٌ لبغداد مهرٌ لعينيها) هو عمل مسرحي ملحمي كتبته حين تعرضت بغداد إلى هجمة عدوانية شرسة، وتكالب عليها الأعداء دون خجل أو خوف، وأنتجته نقابة الفنانين في العراق.

تسلحتُ بالمسرح، كتبت العمل، ووقف معي نخبة كبيرة من نجوم المسرح العراقي، روادًا وشبابًا، ومن على ضفاف نهر دجلة قدمنا العرض، وفي ختام العرض دفعنا شموعًا أضاءت نهر دجلة.

نعرف أننا لم نكن نستطيع إيقاف العدوان، لكننا نجحنا في تعرية العدوان وعرّابيه، وفضح عدوانيته، وانتخينا للعراق المبتلى بالمحن.

مهمة الفنان أن يكون أمينًا لرسالته وصادقًا في مواقفه. نجحنا في تقديم العرض رغم ظروف العدوان، وكانت كل القنوات العربية والأجنبية حاضرة لتنقل موقفنا إلى العالم أجمع؛ لأن العراق بلد حضارة علّم الإنسان أولى حروف الأبجدية، ولم يكن يستحق كل تلك القسوة والعنف في التعامل معه دون شرعية دولية ودون وجه حق.

أنا مع الوطن حين يحيق به الخطر، ومعه وهو مغمور بالنعة والأمان…

من قرطاج إلى برلين إلى باريس إلى مسقط… حين يُكرّمكِ العالم الخارجي بما لم يُكرّمكِ به أحيانًا وطنكِ، ما الذي تشعرين به تجاه بغداد: الامتنان، أم شيء يشبه الجرح المحبوب؟

هو الامتنان، سواء كرمتني بغداد أم لم تفعل.

هو العراق، وفخرٌ لي أن أكون نقطة ماء في بحره العظيم. لقد كرمني المولى حين جعلني عراقية، وكرمني العراق حين كنت جزءًا من تأريخه، لذا أنا مكرمة في الأرض العراقية وبين أهلي وناسي، أعيش معززة مكرمة.

ومع ذلك، كرمني المسرح العراقي لأكثر من مرة، واحتفى بي.

 

Alfurja

Alfurja

About Author

موقع مجلة الفرجة صادر عن: مركز الفنون العربية الفرجة.
الملف الصحافي: 37/ 2014ص.
الايداع القانوني: ردمد 9452/2421

اشترك في نشرتنا الإخبارية

    خلف الكواليس وفي قلب الحدث.. اشترك لتعرف كل جديد وتصلك كواليس المسرح وأخباره إلى بريدك

    جميع الحقوق محفوظة © 2026

    error: نعتذر، نسخ المحتوى غير مسموح به لحماية حقوق الملكية