حوارات سيرة و فنان

حيدر عبدالله الشطري…سيرة من خشب الخشبة ودخان الكلمات

إعداد وحوار: مهدي منصور

 

ثمة أناسٌ يُولَدون وفي أصابعهم بذرةُ مسرح. حيدر عبدالله عبد الشطري كما يُعرَّفه المشهد واحدٌ من هؤلاء. وُلد في الثامن والعشرين من مايو عام 1968، في زمنٍ كانت فيه العراق تتنفس بثقلٍ ثقيل، وكانت ذي قار تحمل في ترابها ذاكرةً سومرية لا تنام.

لم يكن اختياره كلية الفنون الجميلة في جامعة بغداد عام 1990 مجرد قرار أكاديمي كان إعلاناً بأن هذا الرجل لن يعيش حياةً واحدة، بل سيعيش كل الحيوات التي كتبها لشخصياته. خرج من الكلية كاتباً ومخرجاً وناقداً في آنٍ واحد؛ ثلاثة أرواحٍ في جسد رجل واحد.

في عام 2003 وهو العام الذي تشقق فيه العراق على نفسه أسّس فرقة الرسالة المسرحية. كأنه أراد أن يقول للفوضى: ها هي الخشبة باقية، وها هو الضوء لم يُطفأ. وبعدها بعقد، حمل على عاتقه مؤسسةً بأكملها حين أدار معهد الفنون الجميلة في ذي قار من 2013 حتى 2018، وكأنه يبني مدرسةً للروح في أرضٍ تعلّمت كيف تنجو.

صدرت له أربعة كتب، من سوريا إلى بغداد إلى مصر، عناوينها وحدها قصائد: “لا وجه للشجر”، “الدخول إلى الخارج”، “هذه المرة… نعم”، “لا تقتل الرغبة… أجلها”. في هذه العناوين فلسفةٌ كاملة رجلٌ يحاور الوجود بلغة الخشبة.

أما الجوائز فقد تتبّعته كما يتبع الظل صاحبه: الجزائر، المغرب، القاهرة، بغداد، وأوسكار المبدعين العرب. سبع جوائز كبرى لا تُعدّ مصادفةً بل هي اعترافٌ عربيٌّ جماعي بأن في الناصرية رجلاً يكتب للمسرح كما يكتب الأنبياء وصاياهم.

ومع ذلك كله، بقي مدرّساً للفنون. لأن من يعرف قيمة الجمال لا يكتنزه يُعلّمه

 

لقد حصلتَ على سبع جوائز عربية كبرى، ومع ذلك ما زلتَ في ذي قار. ما الذي يُبقيك هنا وأبواب العواصم مفتوحة؟

إنَّ البقاء في الشطرة ليس انحباسًا في جغرافيا المكان، بل رسوخٌ في جغرافيا الروح. فالمبدع يستمدُّ ضوءه من العتمة الأليفة في أزقة منشئه، لا من أضواء العواصم الصاخبة، ومن طين ذي قار الذي تشكّلت منه أحاسيسه الأولى.

إنَّ السؤال عن البقاء في الشطرة، رغم بريق العواصم المفتوحة، ينطلق من قناعةٍ مفادها أن الإبداع يحتاج إلى مركزٍ كي يُعترف به، وأن الأطراف ليست سوى صدى بعيد. وأنا أرى العكس تمامًا؛ فالعواصم قد تمنحك المنصات، لكن المدن العميقة، كمدينتي، تمنحك الهوية والصدق.

ولا أعتقد أن النجاح مرهونٌ بالإقامة في عواصم المركز، فالمركز الحقيقي للمبدع هو حيث يوجد أثره ويقوى صوته. إنَّ “الهامش” الذي يصفون به مدننا، هو في الحقيقة منبع المتن، والمختبر الإنساني الذي يمدّنا بالصور والاستعارات التي لا تعرفها المدن الإسمنتية الكبرى.

لقد علّمتني الجوائز السبع أن النص الصادق لا يحتاج إلى تأشيرة دخول ليبلغ أقاصي الأرض. إنني، من قلب الشطرة، أستطيع أن أطلق صوتي فيرتد صداه في كل المحافل، فالتكنولوجيا والوعي الإنساني ألغيا المسافات، وبات المقياس هو جودة الأثر لا بُعد المقر.

وبقائي هنا هو ممارسة لفعل الوفاء للأرض التي منحتني مادتي الخام. فالعواصم قد تفتح لي ممراتها، لكن ذي قار تفتح لي مسامَّها وقصائدها وجراحها. البقاء هنا قرارٌ بأن أكون نخلةً عراقية تضرب بجذورها في مياه الغراف، بينما تعانق سعفاتها أفق السماء في كل عاصمة وبلد.

أسستَ فرقة الرسالة المسرحية عام 2003، في العام ذاته الذي سقطت فيه بغداد. هل كان المسرح في تلك اللحظة فعل مقاومة، أم فعل نجاة، أم شيئًا آخر لا اسم له بعد؟

إنَّ تأسيس فرقة الرسالة المسرحية عام 2003 كان إعلانًا عن ولادة الروح من تحت الركام. لم يكن مجرد استجابة لواقع متغيّر، بل استحقاقًا فنيًا، ولم يكن خيارًا ترفيًّا؛ فالمسرح، بطبيعته وتكوينه، فعل مقاومة أزلي، فكيف به وهو يواجه لحظةً انشطر فيها التاريخ والوجدان؟

كانت مقاومة لليأس، لا بالمعنى المباشر للكلمة، بل مقاومة للفوضى ومحاولات محو الهوية. فحين سقطت الجدران، شيّدنا خشبتنا لتكون الحصن الأخير للوعي. لقد كان المسرح ممرّنا الآمن للمقاومة بالجمال ضد القبح، وبالنظام ضد الانفلات.

كان المسرح ذلك العالم السحري الذي انتشلنا من ذهول الفاجعة نحو إمكانية الحياة. كنّا نمثل لنستوعب التحوّل، لا لننسى. منحنا المسرح القدرة على إعادة ترتيب أشلائنا النفسية، محوّلًا الصراخ المكتوم إلى حوار، والانكسار إلى مشهد تراجيدي نبيل.

لقد كان المسرح، في تلك اللحظة، الرئة التي تتنفس بها الحقيقة حين ضاق بها الهواء، وكان إصرارًا على الحياة بمعناها الأسمى، لا مجرد نجاة من الموت. فالمسرح يعيد خلق الواقع ليكون جديرًا بالإنسان.

ثلاثة أدوار في آن واحد: كاتب، مخرج، ناقد. أيُّهم يسيطر عليك حين تجلس وحدك في الظلام بعد انتهاء العرض؟

حين يُسدل الستار ويغرق المسرح في صمته المهيب، لا أجد في داخلي صراعًا بين هويات ثلاث، بل أجد الفنان المسرحي بكل تجلياته وقد توحّد في ذاتٍ واحدة. فأنا لا أتجزأ أمام قدسية الخشبة، والمسرح بالنسبة لي هو الهاجس الكلي الذي يسكن تفاصيل روحي.

إنني أعمل في كل أجناس هذا الفن العظيم، فلا فرق عندي بين قلم الكاتب، ورؤية المخرج، ومشرط الناقد. فالمسرحي الحقيقي هو الذي يسلّم نفسه للظرف الفني؛ فهو وحده من يملي عليه أي الأدوات يُشهر، وأي لغة يعتنق في تلك اللحظة.

أما في لحظة العزلة تلك، في الظلام الجميل الذي يلي العرض، فإن صخب الأدوار يهدأ لتستيقظ حواسي المسرحية الشاملة. لا أجلس هناك لأحاكم أو لأخطط، بل لأستمتع بذلك العالم الذي شيّدناه من الأحلام والضوء، تاركًا لروحي أن تتشرّب أثر العرض ككتلة واحدة، تتداخل فيها الكلمة بالصورة، والقراءة النقدية بالشغف، ليبقى المسرح في النهاية حياتي الكبرى.

“لا تقتل الرغبة… أجّلها”. هذا العنوان يشبه وصية. ما الرغبة التي أجّلتها أنت شخصيًا ولم تكتبها بعد؟

إنَّ هذا العنوان هو دستورُ إرجاءٍ في مواجهة اللحظة التي يرتعد فيها القلم هيبةً من الموضوع. والرغبة التي أجلتها، ولم تجد طريقها إلى الورق بعد، هي رغبة كتابة النص الأخير؛ ذلك النص الذي يختزل كل الوجع الذي رأيته في وجوه الناس في الشطرة، وكل الأحلام التي وُئدت في مهدها، وكل التحولات الزلزالية التي مررنا بها.

أؤجلها لأنني أؤمن بأن بعض النصوص تحتاج إلى اختمار طويل في أقبية الروح. فكتابتها في وقت مبكر قد تقتلها بالتعجل، بينما يمنحها التأجيل فرصة أن تولد كشهادة وجودية كبرى، لا كنص مسرحي عابر.

أنا أؤجل كتابة الذات في مرآة المسرح بكل صدقها وعريها، وأنتظر تلك اللحظة التي يبلغ فيها النضج ذروته، لأكتب نصًا يُعاش ولا يُقرأ فقط؛ نصًا يكون الوصية والعمل الذي لا يأتي بعده عمل.

إنني لا أقتل رغبتي في بلوغ الكمال الفني، بل أصونها بالتأجيل، كي تبقى شعلةً تضيء لي درب البحث المستمر في هذا العالم السحري.

أدرتَ معهد الفنون الجميلة خمس سنوات ثم غادرته. ما الذي تركته هناك، وما الذي أخذه المعهد منك دون أن يعيده؟

كانت تلك السنوات الخمس في أروقة معهد الفنون الجميلة أكثر من مجرد تكليف إداري؛ لقد كانت تجربة إنسانية وجمالية صاغت ملامح رؤيتي، وعمّدت شغفي بماء المسؤولية.

أما ما تركته هناك، فقد تركت روحي معلّقة بين الممرات، وفي عيون الطلبة الذين آمنوا بالفن بوصفه مخرجًا ونجاة. تركت جزءًا من عمري، عمرًا لم يكن يُقاس بالساعات، بل بنبض الإبداع الذي كنا نبعثه في كل زاوية.

وفي المقابل، أخذ المعهد مني الكثير، لكنه منحني خبرةً عميقة لا تُدرَّس في الكتب. أخذ مني الوقت الساكن، ومنحني القلق الخلّاق. أخذ مني الهدوء، ومنحني حكمة التعامل مع الأرواح المتمرّدة الحالمة.

لقد خرجتُ من المعهد بجسدي، لكنني تركت فيه أثرًا لا يمحوه الغياب، وأخذت منه نضجًا سيظل يرافقني في كل نص أكتبه، أو عرض أُخرجه.

المونودراما تحضر بقوة في مسيرتك؛ ورش، جوائز، نصوص. لماذا يستحق صوتٌ واحد على الخشبة كل هذا الاهتمام؟ وما الذي يقوله الواحد ولا يقوله الجمع؟

إنَّ انحيازي للمونودراما ليس انحيازًا لقلة الشخوص، بل لعمق المكاشفة. فالصوت الواحد على الخشبة لا يعني العزلة فقط، بل يعني تجسيد الكون بأكمله في ذات واحدة، وتحويل المسرح من فضاء للعرض إلى فضاء للاستبطان الوجداني الغائر.

لقد رافقتني المونودراما في النصوص والورش والجوائز، لأنني وجدت فيها المختبر الحقيقي لقدرة الفنان على تطويع الفراغ. إنَّ صوتًا واحدًا يستحق كل هذا الاهتمام، لأنه يقف عاريًا أمام الحقيقة، بلا مساند من حوارات جانبية أو حشود تشتّت التركيز.

الممثل الواحد على الخشبة يقول ما لا تجرؤ الجماعة على البوح به؛ يقول الاعتراف. ففي المونودراما نغوص في المسكوت عنه، في التراجيديا الشخصية التي هي، في حقيقتها، مرآة لتراجيديا إنسانية عامة. الواحد يهمس للروح، بينما يخاطب الجمع الأيديولوجيا أو المجتمع.

إنَّ ما يقوله الواحد ولا يقوله الجمع هو وحدة المصير. فحين يتحدث ممثل واحد، فإنه يستحضر الغائبين جميعًا عبر ذاكرته وانفعالاته، فيصبح هو الضحية والجلاد، الحبيب والعدو. وهذا التكثيف العالي يمنح العرض طاقةً سحرية تجعل المتفرج يواجه ذاته وجهًا لوجه.

أهتم بالمونودراما لأنها فنُّ التقطير؛ حيث تذوب ضوضاء العالم كلها لتصفو في حنجرة واحدة، وحركة واحدة، قادرة على أن تهز أركان الصمت، وتوصل صوت الإنسان في أقصى حالات صدقه وهشاشته.

 

Alfurja

Alfurja

About Author

موقع مجلة الفرجة صادر عن: مركز الفنون العربية الفرجة.
الملف الصحافي: 37/ 2014ص.
الايداع القانوني: ردمد 9452/2421

اشترك في نشرتنا الإخبارية

    خلف الكواليس وفي قلب الحدث.. اشترك لتعرف كل جديد وتصلك كواليس المسرح وأخباره إلى بريدك

    جميع الحقوق محفوظة © 2026

    error: نعتذر، نسخ المحتوى غير مسموح به لحماية حقوق الملكية