إعداد و حوار : مهدي منصور
رجلٌ تحمل يداه أثر ستّين عاماً من العناد الجميل. لم يكن ثمة ما يميّزه في البداية — وجهٌ هادئ، نظرةٌ تعرف كيف تنتظر — لكن حين بدأ يتكلّم، شعرتُ أن الكلمات لا تخرج من فمه بل من مكانٍ أعمق، من تلك الفجوة الرهيبة بين الكواليس والضوء.
وُلد إكرام عزوز في السادس من فيفري/فبراير 1963 بمدينة قبلي، تلك الواحة التي تعرف كيف تخبئ الماء تحت الرمل وتُطلعه حياةً في غير ميعاد. ولعلّ فيه شيئاً من هذا السرّ — رجلٌ ظلّ يحمل ينبوعه الداخلي عبر عقود من الصحراء والصخب والخسارات والانتصارات الصغيرة التي لا يراها إلا من يعرف معنى أن تقف على خشبة مسرح وتكون وحدك، حتى وأنت بين جمهور.
تعلّم في المعهد الصادقي العريق، حيث تتعلّم الجدران قبل الكتب أن للكرامة معنى. وهناك، في رواقات ذلك المعهد، التقت روحه لأول مرة بما سيكون هويّته الحقيقية — المسرح. لم يكن خياراً بقدر ما كان اعترافاً، كما يعترف الماء بمجراه.
درس الحقوق، وعلّم في الفصول، وتنقّل بين المؤسسات الثقافية مديراً ومتصرّفاً ومنظِّماً — من دار الثقافة بن رشيق إلى دار الثقافة البشير خريف إلى فرقة مدينة تونس للمسرح وصولاً إلى المركز الثقافي بئر الأحجار — لكنّ كلّ هذه المحطات لم تكن في نظره إلا طرقاً مختلفة تؤدّي إلى البيت نفسه.
في عام 1991، حمل جائزة أفضل ممثّل في أسبوع المسرح عن عرض “عتبة السبق”، وكأن المسرح أراد أن يُرسّم ما كان يعرفه الجميع. وعبر مسيرة ممتدة، تقلّب بين التمثيل والإخراج والإنتاج، عمل مع كبار المخرجين التونسيين — البشير الدريسي، عبد العزيز المحرزي، محمد كوكة، عز الدين سحنون — وشارك في افتتاح مهرجان قرطاج الدولي وختامه أكثر من مرة، كأنّ القرطاجيين القدامى لم يتركوا له خياراً آخر.
في بيته، منية التي آثرت أن تبقى في الظلّ الدافئ بعيداً عن الأضواء، وإيهاب وفرات اللذان ورثا ربما — دون أن يعرفا — شيئاً من ذلك الاضطراب الهادئ الذي يسكن رجلاً يعيش بين عالمين
1/ قبلي.. مدينة الرمل والنخل والصمت. ماذا أخذتَ منها ولم تستطع أن تتركه على خشبة المسرح؟
جبالي مكانٌ جميل بين واحات الجنوب. جبالي هي الملهِمة، هي الشعر، هي الطبيعة بعينها. جبالي شموخ
2/ المعهد الصادقي علّمك أن الكلمة لها ثقل. ماذا أعطاك هذا المعهد العريق؟
أخذ نفساً عميقاً، كمن يفتح باباً قديماً:
— المعهد الصادقي درّة المعاهد الثانوية في الجمهورية التونسية. له تاريخٌ كبير، وله أغنيةٌ اسمها “على الهضاب” كانت شعاراً رسمياً، تحمل في كلماتها روح المكان كلّه.
تخرّج منه الكبار — ساسةٌ وشخصياتٌ فنية وفكرية، وفي مقدّمتهم الحبيب بورقيبة. أسّسه خير الدين باشا منارةً للتعليم الحديث، يجمع بين قامات خريجي جامعة الزيتونة وقامات في العلوم الصحيحة واللغات في آنٍ واحد.
الصادقية كانت تجربةً رائعة جداً. عشتُ فيها مغامراتٍ حقيقية وأنا صغير — كنتُ كاتباً عاماً للشبيبة المدرسية، وعشتُ فيها الإضرابات التلمذية بكلّ زخمها المعارض في تلك الحقبة.
الصادقية مدرسةٌ في معنى الانتماء. أن تكون ابنها فخرٌ لكلّ من درس بين جدرانها. وعلّمتني قبل كلّ شيء أن أكوّن شخصيةً وازنة — شخصيةً تقف
3/ حين تقف بصفة ممثل وتقف بصفة مخرج، أيّ الوقفتين تشعر فيها أنك أكثر وحدة؟
أجاب بهدوء من يعرف جوابه منذ زمن بعيد:
— أنا أتعامل مع الإخراج من موقع الممثل أولاً. فالمخرج الحقيقي في نظري هو من يسعى إلى إيصال الممثل إلى أفضل حالاته الفنية والإنسانية. لذلك يظلّ حضور الممثل وأداؤه العنصرَ الأهم والأكثر تأثيراً في العمل المسرحي.
وحين أشتغل على الإخراج، يتركّز اهتمامي أكثر على إدارة الممثل وبناء أدائه، أكثر من انشغالي بالمكمّلات الركحية أو الصورة البصرية وحدها. أنا ممثلٌ بالأساس، ويهمّني كثيراً أن أكون ممثلاً ناجحاً. ولهذا أحرص دائماً، حين أخرج أي عمل، على أن يظهر الممثلون بأفضل صورة ممكنة، وأن نصل معاً إلى أداءٍ صادق ومقنع وجميل.
4/ جائزة 1991 جاءتك مبكّرة. هل منحتك يقيناً أم زرعت فيك شكاً من نوع آخر؟
تكمن أهمية تلك الجائزة في أنها جاءت ضمن “أسبوع المسرح التونسي”، الذي كان يُنظَّم كلّ عام في السابع من نوفمبر، تزامناً مع خطاب بورقيبة حول المسرح. هناك نلتُ جائزة أفضل ممثل، في تجربة عشتها مع المخرج الشاب حينها، خريج المعهد العالي للفن المسرحي، الذي أصبح اليوم أحد القامات الإخراجية المهمة في بلدي — (صابر الحامي). وكانت إلى جانبي أيضاً زوجته، الممثلة الرائعة (منيرة الكسراوي).
ضمّت لجنة التحكيم أسماء كبيرة، من بينهم (الحبيب شبيل) رحمه الله. وقد أسعدتني تلك الجائزة كثيراً، لأنها جاءت تأكيداً على نجاحي بعد مرحلة الهواية، وبداية دخولي إلى عالم الاحتراف. يومها شعرتُ بأنني أسير في الطريق الصحيح، وأن بإمكاني أن أصبح ممثلاً مقنعاً بحق.
لكن تلك اللحظة لم تصنع داخلي غروراً أو إحساساً بالوصول، بل على العكس تماماً — منحتني رغبةً أكبر في التطوّر والتحسّن. ولذلك، حين قدّمتُ عروضاً سنة 1994 مع الرائع (زين الجنيون) في بنين وساحل العاج، أمام جمهور أفريقي لا يفهم سوى الفرنسية، وكانت لي مقاطع بالفرنسية وأخرى باللهجة التونسية، ورأيتُ تفاعل الجمهور وتصفيقه الطويل — التفتُّ يومها إلى زميلي وقلت له: “الآن فقط بدأتُ أصدّق أنني ربما أستطيع أن أكون ممثلاً حقيقياً”.
5/ ما الذي يختلف في قلب رجل بين لحظة افتتاح قرطاج ولحظة اختتامه؟
أعتبر نفسي محظوظاً لأنني اشتغلتُ مع قامات مسرحية كبيرة — سي (عبد العزيز المحرزي)، ومدام (منى نور الدين)، وسي (البشير الدريسي)، وسي (عز الدين قنون)، وسي (محمد كوكة). ويبقى للبشير الدريسي فضلٌ خاص عليّ، لأنه منحني فرصة عيش التظاهرات الكبرى، والعروض المرتبطة بتاريخنا الثقافي والفني.
كنتُ سعيداً جداً بمشاركتي معه في عرض “غنّ يا بلبل” الذي افتتح مهرجان قرطاج الدولي، واستعاد سيرة الفنان الراحل (علي الرياحي) — عملٌ رائع بكل المقاييس. كما شاركتُ أيضاً في عرض (الصالح الخميسي) ضمن أحد عروض الاختتام.
ومن حسن حظي أنني شاركتُ في أعمال مهمة أخرى، منها “ظلموني حبايبي” في افتتاح قرطاج مع الرائع (عبد العزيز المحرزي)، وكذلك عرض “قرطاج” لنص (عز الدين المدني) وإخراج المبدع (محمد كوكة).
صعدتُ ركح قرطاج مرات عديدة وفي مناسبات مختلفة، وكل مرة كانت تحمل رهبةً خاصة لا تشبه أي تجربة أخرى. فجمهور مهرجان قرطاج الدولي جمهورٌ استثنائي وصعب المراس — لا يأتي صيفاً إلى ذلك الفضاء العريق ليشاهد عملاً عادياً، بل ينتظر عرضاً متكاملاً في الصورة والأداء والمعنى.
والحمد لله، كانت تلك التجارب ناجحة. ومع كل افتتاح أو اختتام، كنتُ أشعر بالشغف نفسه — وأبقى دائماً عاشقاً للصعود على ركح قرطاج
6/ منية وإيهاب وفرات. ماذا تعني لك الإقامة، أنتَ الذي جعل من التنقّل بين الأدوار والفرق والمدن طريقةً للوجود؟
أضاء وجهه بشيء لم يظهر طوال حديثنا — دفءٌ هادئ، كمن يفتح نافذة على مكانٍ آمن:
— الأسرة الصغيرة هي الزاد. هي التي تمنحني القوة لأعيش في ميدانٍ متحرّك لا يكتفي بالجهد البسيط، بل يطلب منك كلّ ما تملك.
أنا من الناس الذين ينزلون إلى ميدانهم ويشتغلون، ثم يعودون إلى البيت ليجدوا أنفسهم في لحظات صافية مع زوجتهم وأبنائهم، قبل أن يعودوا مجدّداً للعمل. لا أحبّ أن يبتلعني الشغل كلياً، ولا أحبّ الصخب الذي لا ينتهي — همّي الأول أن أعود إلى ذلك الحضن الدافئ، إلى منية وإيهاب وفرات. هذا هو الذي مكّنني من بناء مسيرة ثرية، مليئة بالتجارب والنجاحات. هم الوقود.
ثم توقّف لحظة، كأنّه يُوفّي حقّاً لم يُقله بعد:
— ربّي يحفظهم ويعطيهم الصحة. لأنهم قبلوا أيضاً — وهذا ليس أمراً هيّناً — قبلوا غيابي أحياناً للمشاركة في مهرجانات دولية، وتنقّلي بين أنحاء الجمهورية لتقديم عروضي لجمهور تونسي في كل مكان. في تركيبة مهنتي، الغياب ليس استثناءً — هو جزءٌ من النسيج اليومي.
لكن بصراحة، تفهّم زوجتي وأبنائي، وذلك الحبّ المتبادل بيننا، وقدرتنا على التعويض في أوقات الحرية خارج الالتزامات — كلّ هذا هو الذي وهبني توازني. وجعلني أبقى عاشقاً للعمل، عاشقاً للإبداع، دون أن أفقد نفسي في الطريق.

