كرنفال بيلماون بسوس بين الواقعي والرقمي.
د عزالدين الخراط
يتم الاحتفال بالفرجات الأمازيغية بسوس في سياق طقوسي وأدائي واجتماعي وعاطفي، يحرص منظموه بكل مناطق سوس على جعله تجربة فنية جديدة تضفي أفقا أدائيا وجماليا على مفاهيم المكان والجسد والسلطة والمعرفة، وتنتقل بسهولة من “الأشياء اليدوية والبصرية إلى الأشياء اللفظية والمفاهيمية، ومن الخاص إلى العام ومن الواقعي إلى الافتراضي، ومن الحاضر إلى الماضي”، تتعزز هذه المفاهيم بالمشاركة المكثفة للمتلقي بتعدد مشاربه السياسية والاجتماعية وفئاته العمرية، وبالانخراط النوعي للجمعيات المهتمة وصناع المحتوى والمؤثرين بتثمين وتجويد وتمجيد وتسويق التراث الأمازيغي في شقيه المادي واللامادي. وسأتناول فيما يلي أطوار انتقال فرجة كرنفال بيلماون من طقس اجتماعي تقليدي إلى فرجة رقمية، ومن مستوى تذوق الأثر الفني إلى مستوى استهلاك الإنتاج الثقافي، ومن مرحلة النوع الثقافي إلى مرحلة الكم الثقافي ومن الثقافة المعرفية (العالمة) إلى الثقافة الشعبية التي تستهدف أكثر ما يمكن من المستهلكين، ومن المعنى الثقافي إلى القيمة المادية لتكتسب بذلك طابعها الأدائي والاحتفالي والكرنفالي في ضيافة الوسائط الرقمية.
وقد يفضي بنا هذا التقديم إلى طرح جملة من الأسئلة قد تسعفنا في ثقفي أثر كرنفال بيلماون ضمن خريطة الجماليات الرقمية ومقاربة وسائل التفاعل معه أو قراءته على شاشة الحاسوب أو الوسائط الرقمية؟
ما الذي قدمته الوسائط الرقمية للفرجات الأمازيغية وما الذي فقدته من خلال هذا السفر الافتراضي؟
ما هي خصائص الوضعية الاعتبارية الجديدة للفرجات الرقمية؟
كيف يمكن بناء جماليات رقمية للفرجات الأمازيغية بسوس؟
كيف يمكن أن تتحول الفرجات بوصفها جنسًا أدائيا وخطابيا وتداوليا إلى واقع رقمي لا مكان له على الورق ولا يمكن التفاعل معه أو قراءته إلا على واجهة الحاسوب والهاتف أو الوسائط الرقمية؟
ما هي العلاقة بين صانع المحتوى أو مستخدم المنصات الرقمية والمتلقي إذا كان الوسيط هو الفضاء الافتراضي؟
وفي هذا السياق الرقمي سنعمل على دراسة الفرجات الأمازيغية بسوس باعتبارها وسيطا رقميا وأدائيا، “ويمكننا تعريف الأداء على أنه أي حدث يجد فيه جميع المشاركين أنفسهم في نفس المكان وفي نفس التوقيت، ويشاركون في مجموعة محددة من الأنشطة. يمكن أن يكون المشاركون ممثلين أو متفرجين، وقد تتبدل أدوار هؤلاء الممثلين والمتفرجين، بحيث يمكن للشخص نفسه أن يؤدي دور الممثل لفترة زمنية معينة، ثم يتحول إلى مراقب، ينشأ الأداء من تفاعلات المشاركين. وفقًا لهذا التعريف، يمكن لمصطلح الأداء أن يشير إلى مجموعة واسعة من الأحداث: عرض مسرحي تقليدي في مسرح بروسكنيوم حيث يتم الفصل بشكل صارم بين الممثلين والجمهور، حدث لا يتم فيه تحديد هذه الأدوار بوضوح، مباراة كرة قدم مع متفرجين وكذلك قداس كنسي، حفل زفاف، مؤتمر سياسي؛ موكب جنائزي، معرض عالمي، ويتسم الأداء بأربع خصائص مركزية وسطيته، وماديته، وسيميائيته، وجماليته”، وأن أية دراسة للظاهرة الافتراضية من وجهة نظر جمالية ينبغي أن تبقي على طابعها الوسيط. لذلك من المهم أن نولي أهمية قصوى لدور الوسيلة نفسها، بما في ذلك الدور الذي تلعبه في التوسط بين المتلقي والفرجات الحية، وهذه العلاقة هي التي تحدد “الرسالة” أو محتوى العمل. يشير ماكلوهان “إلى أن الوسيلة الإعلامية الجديدة تبدأ عادةً باحتواء الوسائل الأقدم منها، وجعلها جزءًا من محتواها. ويفصح هذا الطرح عن أن التغيير الحقيقي لا يكمن في المحتوى بحد ذاته، بل في الوسيلة، وهو ما يلخصه ماكلوهان في عبارته الشهيرة: «الوسيلة هي الرسالة»، إذ تؤثر الوسيلة في طريقة تفكير الإنسان وتنظيم المجتمع أكثر مما يفعل المحتوى الذي تنقله.”
الفرجات الأمازيغية تعمل على إدراج المشاهد في العمل الفني، بل أيضاً على توزيع وجوده في كل من العالم الحقيقي وعالم المعلومات المحاكي أو كما تشير إلى ذلك الباحثة الألمانية إريكا فيشر ليشته “بأن الفرجة يساهم في صناعتها المؤدي والمتفرج” في المجالين العمومي والافتراضي، وتعد شخصيات الكرنفال الرقمي شخصيات أساسية تسجل حضورها باستمرار في فضاء العرض.
وضمن هذا السياق تحتل الفرجات الأمازيغية بسوس حيزا مهما من تشكلات الأداء الاجتماعي والثقافي والتداولي والخطابي حيث يساهم صانع الفرجة والمتلقي في تأسيس الهوية الثقافية للجماعة التي تتجلى بعض معالمها في استحضار الممارسات الثقافية المشتركة والقيم والاستعارات واستعمال الروايات لتوثيق الحاضر وتثمينه وكذا توظيف الماضي في صناعة الهوية السردية الأمازيغية والحفاظ على تسلسلها الزمني في ترميزها لعوالم الممثلين والمشاهدين، وبالتالي فهي موارد تفاعلية مهمة يمكن استخدامها لتسليط الضوء على إنجازات الجماعة، وخلق أدوار اجتماعية جديدة، وتغيير السبل التي يتم من خلالها الاعتراف بأنواع معينة من المعرفة والخبرة وتقديرها.
وجدير بالإشارة أن كرنفال بيلماون أضحى يشغل حيزا مهما من النقاش في المجالين العمومي والافتراضي، حتى صار يتخذ أبعادا سياسية وثقافية وأخلاقية ودينية وجمالية، تعكس طبيعة الحساسيات الاجتماعية والثقافية التي تحتدم داخل المجال الثقافي العام. ومن شأن هذه التفاعلات التي يفجرها المجال الافتراضي توطيد العلاقة الحية والمباشرة مع فرجة بيلماون، وتأسيس علاقات جديدة على مستوى الإنتاج والتلقي. ولا أدل على ذلك من توافد المتفرجين بكثافة للمشاركة في تأثيث هذا الحدث الفرجوي البارز.
ويحرص منظمو كرنفال بيلماون على توظيف الفضاء الافتراضي في تمثيل الواقع ومحاكاته، وفي خلق آفاق حافزة للتفاعل والتواصل، وفي رصد مسار الخطاب العام بشأن هذه الفرجة وتوجيه النقاشات الدائرة حولها بمختلف اتجاهاتها. كما تنبهوا إلى أهمية هذا الفضاء باعتباره فضاء بديلا قادرا على التأثير الواسع على الفضاء العام الواقعي.
وبهذا فالكرنفال الرقمي يمنح إمكانات جمة للشعور بالحرية والتحرر من كل هيمنة، حيث يؤكد مجموع العناصر المسرحية المتوفرة في كرنفال بيلماون على أنه حدث فرجوي يتميز بالخصائص الطقوسية والجمالية، وقد يتضمن لغة شعرية أو حركات تعبيرية أو خصائص فنية أخرى، يقتضي توفر شحنة قوية من دهشة الابداع، حيث أصبح مفهوم النص أكثر انسيابية وكثافة وتعددًا، ليتضمن الصورة والصوت والرمز ولغة الأرقام والخوارزميات.
كما أنه يعرض أمام جمهور يتكون من أغلبية لها ذاكرة مشتركة مع صانعي الفرجة، وبهذا المعنى “نفهم كيف يمكن للذاكرة، عندما تصبح سندا للتخييل المسرحي، أن تتحول وتتبلور وتنصهر في عناصر التخييل الأخرى بما فيها الشخوص والفضاءات واللغة”، والتي تضع الأفراد والجماعات أمام أفكار عفوية عن حياتهم اليومية وتجاربهم الإنسانية المكثفة ويناء على ما سبق فالفرجات الأمازيغية في حاجة ماسة لمواكبة مستجدات الثورة الرقمية واستثمار كشوفات الوسائط التواصلية. وبما تتميز به من خاصيات الاتساع والذوبان والحرية والتنوع والتفاعل … ألغى بمقتضاها حدود المكان والزمان وأصبح هو الفضاء بامتياز لكل التفاعلات فتعددت بذلك المواقع والمنتديات والمدونات التي تهتم بمختلف الفرجات الأمازيغية من رقصات بتعدد روافدها المجالية وفرجة إمعشار وبيلماون وكناوة. كما ساهم هذا المعطى الرقمي في تحقيق الاستقلالية للمبدعين عن الرقابة التي كانت في وقت ما تحد من وصول ابتكاراتهم إلى جمهور واسع. فظهرت إبداعات جديدة من خلال مهارة استعمال الصورة والصوت وتقنية ثلاثية الأبعاد.
إن إحياء وتطوير كرنفال بيلماون عبر الوسائط الرقمية وتنظيم تظاهرات ومسابقات وندوات فكرية يساهم بنصيب هام في تنشيط الحركة السياحية وإحياء التراث الثقافي ومسرحة الذاكرة البصرية، بما له من أهمية تقاس بمقدار ما تجذبه من الزوار والسياح. أي أن أغلب ما يقدم في هذا الإطار يقدم للاستهلاك الترفيهي ويتوجه إلى كل سكان المعمور. وبذلك تدخل عملية الإحياء هذه بما فيها من تنظيم وعرض وتسويق في مجال التدافع أو التسابق نحو جلب الاستهلاك المتواصل.
وحقا ستشكل كل هذه الأسس والعوامل، بتضافرها وتداخلها، حافزا قويا في التغييرات والتحولات التي ستطرأ على الفرجات الأمازيغية بمنطقة سوس، وستسهم لا محالة في تحريك هذا الفن وإنقاذه من الانقراض والاندثار من جهة، ومن تشويش صورته وشكله ووظيفته من جهة ثانية، مما سيسهم لا محالة في فتح نقاش عمومي حول طبيعة هذه التغييرات وآفاقها والدعوة إلى التفكير في تسطير استراتيجية وطنية شاملة للحفاظ على أصالة مختلف الفنون الاستعراضية، والفرجات الحية من خلال التركيز على الآليات الداخلية للفرجات الأمازيغية وربطها بسياقها السوسيو ثقافي والسيموطيقي والأنتروبولوجي والتداولي عبر اكتشاف البنى الخطابية والتعبيرات الأدائية للتقاليد الفرجوية الأمازيغية واستكناه عمقها السردي والأدائي وإعادة الاعتبار لمكونات الثقافة الأمازيغية عامة وهواجسها الحداثية وأشكالها الفرجوية المختلفة من خلال التعريف بالهوية الفنية والتلفظية والخطابية للفرجات المحلية، وتوثيق الذاكرة الفرجوية الأمازيغية عبر حفظ ذاكرة الرواد الذين ساهموا في تثمين وتوثيق الموروث الأمازيغي بسوس وتوثيق وجمع تجاربه وأعماله المختلفة، وتحصين ما تعرض للنسيان والاندثار في أفق وصل الماضي بالحاضر وتأسيس تاريخ نقدي رصين ومتناسق للفرجات الأمازيغية والعمل على توثيقها ورقمنتها وتطوير أشكال صناعتها وتفضيتها وتلقيها وإنتاجها وتوسيعها بالاستعانة بالتقنيات الوسائطية والتفاعل مع ثورة الثقافة الرقمية وتقنياتها الجديدة عبر استشراف مشروع تناسج الثقافات الفرجوية باعتباره سيرورة مستمرة ومتجددة لبنية الاختلاف ومحو الحدود بين الهويات الهاربة والثقافات والأداءات المختلفة.
لقد تضافرت عناصر متعددة ومختلفة في نقل الفرجة من المجال العمومي الواقعي إلى المجال العمومي الافتراضي، وذلك من خلال استثمار الإمكانات التواصلية الهائلة التي تتيحها الوسائل التقنية الحديثة في مجال التواصل والاتصال، والتي تعكسها وفرة المواقع الشخصية والجماعية والشبكات الاجتماعية التي تجعل الفرد يعبر عن رأيه بدون رقابة محتملة، وتمنحه قدرات متعددة للتعبير بالصوت والصورة والكلمة وسوى ذلك من أشكال التعبير، وتسهل عليه تداول المعلومات والمعارف والاهتمامات. فتحول هذا المجال الافتراضي إلى فضاء رحب لتبادل الأفكار والمشاعر، ونقاش المواقف ذات البعد السجالي والسياسي والاجتماعي والثقافي.
واعتبرت الفرجة وباقي الفنون من الموضوعات التي أثارت قدرا واسعا من النقاش العمومي في هذا المجال الافتراضي العام من حيث مساءلة أشكاله وغاياته. فتم تبادل الآراء بنبرة تتراوح بين الحدة والسلاسة حول العديد من الأعمال المسرحية التي تناولت بعض الطابوهات في المجتمع المغربي بجرأة، وتمت وفق مقاربات متضاربة الجذور والمقاصد، إلى حد أن وصلت بعض المماحكات في هذا الصدد في أوج سوء التفاهم إلى النفق المسدود، مشوبة في بعض الأحيان بعنف لفظي قاس يخل بالفعل التواصلي برمته.
وفي خضم هذا الاهتمام، اشتد الخلاف بين المؤيدين والمعارضين لكرنفال بيلماون الذي أضحى في الآونة الأخيرة يعرض بأسلوب فني مغاير، يعتمد على لغة الجسد والرقص والغناء والسرد والصور الساخرة المحملة بدلالات سياسية واضحة ذات نبرة احتجاجية، تكسر قواعد الاستهلاك التقليدية لدى المتلقي، وتناولت دفوعات المدافعين عن هذه الفرجة كونها تنتسب إلى الثقافة المحلية التي تعد مكونا من مكونات الهوية الأمازيغية، وإبداعا فنيا جديرا بالاهتمام، ويحثون على الإبقاء عليها وتطوير أشكال الاحتفال بها. بينما يدفع المعارضون في اتجاه منعها والتوقف عن الاحتفال بها بدعوى أنها تخل بالأخلاق وتثير مظاهر الشغب والفزع وحالات من الإنفلات الأمني.
وقد خلف هذا الجدل عبر المجال الافتراضي آثارا متباينة لدى المجتمع السوسي يمكن تركيزها في المحورين التاليين: الرفض والانحراف، واللذين يتكشفان جليا في الكثير من الدراسات والمقالات النقدية وفي العديد من التغطيات والتعليقات بالمواقع الإلكترونية المختلفة التي دأبت على مواكبة ملتقيات الفنون الأمازيغية وإنتاجاتها.

