مقالات

المسرحيّات الأفيونية …. حين تتحوّل مرايا الوعي إلى مخدّر بصريّ للضياع

د. محمد حماد

 

(يضيعك ويگول لك تعال ندور سويّة!) مثل شعبي عراقي بسيط في لفظه، عميق في مغزاه، يصلح اليوم ليكون شعار مرحلة فنية مسرحية يختلط فيها الفن بالوهم، والوعي بالضباب، والمسرح بهذيان الزينة الممنهج المبهر؛ فبدل أن تكون خشبة فن المسرح منبرا للرؤية والتهذيب والفهم، صار بعضها اليوم منصة لتضليل البصر والبصيرة معا؛ دليل فقد خارطته، وربّان أضاع بوصلته، يقود جمهوره نحو التيه المزخرف وهو يبتسم بثقة من يظن أنه يعرف الطريق …. إلى (غيبوبة المسرح الساحرة!).

لقد غدت بعض عروض فن المسرح اليوم لا تقدّم شكلا يعبّر عن جوهر فن الدراما المسرحية، ذلك الفن المثير جمالا والملهم فكرا، بل صارت تقدّم (أفيون الصورة المسرحية)، ليعمل هذا المسرح على (تخدير عقول المتلقيين بدل أن يُنيرها)، ويغمرهم (بنشوة مُخاتلة) من الرموز والأضواء والأصوات، لا تترك لهم من الفهم أو الإدراك سوى ظلاله الباهتة، وتدفعهم مباشرة إلى (تيه المسرح المزخرف بالزيف) في بحر من الغموض …. المشهد لم يعد مجرّد تجربة حيّة، بل تحوّل إلى (مسرح الضياع …. مشهد بلا مشهد)، حيث يُفقد المتلقي نفسه، ويُنادى عليه من فوق الخشبة بكل ثقة (تعال ندور سويّة!)، ليخرج من صالة العرض وهو يظنّ أنه خاض رحلة فكرية عظيمة، بينما هو في الحقيقة محاصر داخل (المتاهة على الخشبة)، ككائن مسحور، مبهور، سكران بالأوهام، لا بالغنى الروحي ولا بالفهم الحقيقي لجماليات فن المسرح، علما إن المشكلة ليست في التجريب، ولا في كسر المألوف؛ فالفن لا يزدهر إلا بالمغامرة، لكن الكارثة تبدأ حين تتحول المغامرة إلى غفلة، والبحث عن الجمال إلى عبادة للغموض، لقد وصلنا إلى زمن يُرى فيه جمهور نخبويّ – متخصص – لا يستمتع بجماليات العروض المسرحية إلا إذا أغرقته عروضها في (محيط متلاطم من اللافهم)، ولا يصفّق إلا لعرض مسرحي يغمره بمحفّزات تدفعه نحو (متاهة فكرية لا تُفضي إلى معنى) …. يدخل المتفرّج صالة العرض إنسانا، ويخرج كائنا مسحورا، مبهورا بالضوء والصوت والرمز الذي لا يرمز إلا إلى الفراغ، محلّقا في فضاء بلا نهاية، غارقا في نشوة خادعة، أو لنقل باختصار (نشوة الأفيون المسرحي).

تتعدد أسباب هذه الظاهرة؛ منها رغبة بعض الفنانين في إثبات التفرّد ولو على حساب خصائص المسرح الجمالية، ومنها هوس الجمهور النخبوي بالتميّز عن العامة، فيرى في الغموض (تاجا للذكاء)، وفي الفهم البسيط (عارا يُنقص من مقامه الثقافي)، وهناك أيضا إغراء الشكل على حساب المضمون، حيث أصبحت الصورة المسرحية هدفا بحد ذاتها، لا وسيلة للتعبير عن فكرة أو موقف؛ فالصورة تلمع، تبهر، تُسكر، لكنها غالبا (بلا روح)، زائفة بريقها تخفي خلف وهجها (قبحا متنكّرا بالجمال)، وحين يصبح المخرج دليلا ضائعا، والجمهور تابعا سكرانا بالرمز، يتحوّل المسرح مجددا إلى (أفيون الصورة المسرحية)، يضيعنا ويغمرنا بأوهام الضياع بصياغات الجمال المخادع، ليحلّق بنا في (فضاء سحري مزخرف بلا خرائط)، ويجرّنا إلى (أرض السراب المسرحي)، حيث يختلط التيه بالعجب، والعقل يسافر بلا بوصلة والقلب يصفق لسراب عنوانه الفن، والنتيجة الطبيعية لهذا الانحراف في فن المسرح أن بعض العروض لم تعد مرآة للوعي، بل صارت (أداة لتخدير العقل) تحت لافتة الفن الحديث والمغايرة، وجمهور هذه العروض المسرحية لا يعود إليها بحثا عن المعنى، ولا عن المتعة الجمالية، ولا عن لذة الفن، بل طلبا للجرعة التالية من الغموض، كما يفعل المدمن الذي لا يبتغي سوى لحظة نشوة، ولو كانت وهما …. لقد فقدت مثل هذه العروض المسرحية جوهر الفنّ الذي وجد ليعبّر عن الإنسان، ويهذّبه، ويُغيّر واقعه، وتحوّلت إلى مجرد (متاهة على الخشبة)، حيث يهمس العرض المسرحي لنا بصوت صامت وساخر (تعال ندور سويّة!)، ليخرج المتلقي من الصالة محلّقا في (هذيان ساحر بلا معنى، مبهورا بالرمز الفارغ والضوء الزائف)، كمن غرق في نشوة الأفيون المسرحي، غير مدرك أن ما عاشه كان مجرد (سحر خدّاع يغشي الأبصار ولا يغشي العقول)، ولكن لا يزال هناك أمل، فالمسرح ليس كهفا للضياع، بل (مرآة للوعي)، وجد ليجعل الإنسان يرى ذاته ومجتمعه بوضوح، ليتأمل قيمه، ويعيد ترتيب الفوضى المدروسة؛ هو تجربة حيّة ومباشرة (تُنير العقول ولا تُخدّرها، توقظ النفوس، ولا تُغريها بالنوم في أحضان الرموز المضللة)، فالغاية الحقيقية للفن ليست أن يُربكنا حتى الهذيان، بل أن يزرع فينا (نشوة الفهم الحقيقي للجمال)، ويُحرّك شوقنا إلى الإدراك، ويشعل فينا رغبة التغيير، دون أن يبيعنا (سرابا مزخرفا باسم الجمال المقنّع بالوهم).

فلنقلها بصراحة، وعلى غرار صياغة الأمثال الشعبية العراقية (أردنا من المسرح دليلا، فخرج علينا تضليلا!) …. (أردناه منارة، فإذا به حانة للأشكال المسرحية المخمورة!) ومع ذلك، كلما زاد الضباب، اشتدّ توقنا إلى الضوء، وكلّما غرقنا في التيه، ازدادت حاجتنا إلى من يدلّنا، لا إلى من يُضيعنا ويقول بكل ثقة (تعال ندور سويّة).

 

* الدكتور محمد حماد – العراق

Alfurja

Alfurja

About Author

موقع مجلة الفرجة صادر عن: مركز الفنون العربية الفرجة.
الملف الصحافي: 37/ 2014ص.
الايداع القانوني: ردمد 9452/2421

اشترك في نشرتنا الإخبارية

    خلف الكواليس وفي قلب الحدث.. اشترك لتعرف كل جديد وتصلك كواليس المسرح وأخباره إلى بريدك

    جميع الحقوق محفوظة © 2026

    error: نعتذر، نسخ المحتوى غير مسموح به لحماية حقوق الملكية