تأليف : نهاوند الكندي
الفصل الاول…
المشهد الافتتاحي
(إظلام كامل)
صوت نبض بعيد… ثم أقرب… ثم كأنه داخل صدور الجمهور ثم صوت من بين الكورال يمثل الزمن دون أن يُرى
الزمن : (بصوت عميق، إلقاء فوق موسيقى خافتة) أنا الذي لم يولد ولا يموت..أنا الذي رأى أول حجرٍ يُرفع للسماء..وأول قبرٍ يُحفر في الأرض..رأيتُ الإنسان حين خاف، فعبدَ النار..ثم خاف النار، فاعبدَ السماء..ثم سأل السؤال الأول الذي لا جواب له، لماذا أموت؟
(إضاءة خافتة جدًا تبدأ بالظهور )
المشهد الثاني: أوروك
تُضاء المدينة تدريجيًا..أسوار ضخمة..حجارة سومرية شاهقة
الكورال منتشر بين الناس كأنه الشعب نفسه
كورال : (غناء)
من الطين جئنا
ومن الطين نبن
لكن الطين لا يرحم من يعلو عليه
في أوروك ملكٌ لا ينام
يمشي كالعاصفة في الطرقات ،
نخافه،
ونبكي في صمت الليل
(يدخل شيخ من أوروك )
الشيخ :يا أبناء المدينة..ليس في الصمت نجاة..كلكامش الملك..لا يعرف حدودًا لقوته، حتى الأحلام لم تسلم منه
(امرأة من أوروك): أخذَ منا الفرح..وأبقى لنا الخوف، حتى الأطفالُ في المهد يحسبون خطواته زلزالًا
(طفل من أوروك، ببراءة وخوف): لماذا الملك كبيرٌ هكذا؟ ولماذا نحن صغارٌ إلى هذا الحد؟
(صمت ثقيل، ثم صوت طبول بطيئ )
المشهد الثالث : ظهور كلكامش
إضاءة ذهبية حادة
يظهر كلكامش فوق مرتفع من الأسوار..هالة قوة حوله..لكنها ليست مريحة… بل مخيفة
كلكامش : (غناء منفرد قوي)
أنا ابن الأسوار العالية
أنا صوت الحديد إذا نطق
أنا من يُسكت المدن إذا غضبت
لا شيء فوق إرادتي
ولا شيء خارج قبضتي
أليس هذا هو المجد؟
أليس هذا ما أردتموه من الملوك؟
كورال : (بحذر)
أردنا الحماية
لا الطغيان
أردنا النظام
لا الخوف
أردنا ملكًا
لا إلهًا على الأرض
كلكامش ينزل ببطء إلى أرض المدينة..كل خطوة له تُسمع كضربة طبول
المشهد الرابع : صرخة الأرض
تخفت الأضواء..الأرض تهتز.
( صوت نسائي عميق يمثل الأرض)
الأرض : (غناء)
أنا التي تحملكم جميعًا
لكنني لا أستطيع أن أتنفس
كلما ارتفع ملك
غاصت في صدري مدينة
كلما اشتعلت حرب
نزفتُ تحت أقدامكم
أريد السلام
أريد التوازن…
كورال : (همس غنائي)
الأرض تبكي
والسماء تصمت
والإنسان لا يسمع إلا صوته
المشهد الخامس : خلق انكيدو
الضوء يتحول إلى أخضر طبيعي..رياح، عشب، برية.
يظهر إنكيدو من الأرض كأنه وُلد منها.لا قصر. لا سلاح. لا تاج. يركض. يضحك. يلمس التراب
إنكيدو : (غناء حر)
أنا لست من المدينة
أنا من نبض الريح
من صوت الماء
من ظل الغابة
لا أعرف العرش
ولا أعرف الخوف
أنا حيّ… فقط حيّ
كورال : لا يملك شيئًا
لذلك يملك كل شيء
لا يخاف الموت
لأنه لم يُقيد بالحياة بعد
المشهد السادس : دعاء البشر
تعود أضواء المدينة..الناس بين خوف وأمل..يرفعون أيديهم.
كورال : يا آلهة السماء
إن كان هذا هو الإنسان
فكيف ننجو؟
إن كان هذا هو الملك
فمن يحكمه؟
أعطونا من يوقف النار
ولو كان من طين
صمت طويل..ثم صوت غامض من الأعلى.
المشهد السابع : قرار السماء
صوت مجلس الآلهة هامس ثم يتصاعد
الالهة: إذا اشتد الظلم
نخلق له ظلّه
وإذا تعاظمت القوة
نخلق من يكسرها
ليكن من الطين
لكن يحمل قلب السماء
ليكن اسمه
إنكيدو
( ضوء غاضب ينفجر من السماء)
إنكيدو يرفع رأسه لأول مرة نحو المدينة
الختام : بداية المواجهة
يظهر كلكامش في الأعلى.
وإنكيدو في الأسفل.
والمدينة بينهما.
والكورال يملأ الفراغ.
كورال : (تصاعد غنائي)
بدأ السؤال
ولا نهاية له
من الأقوى؟
من الأحق؟
من الإنسان؟
ومن الإله؟
إظلام تدريجي
(صوت نبض يعود)
الفصل الثاني
المشهد الأول : (صدمة اللقاء)
إظلام.. طبول متقطعة كنبض سريع
إضاءة نصفية.
(يدخل كلكامش من جهة. وانكيدو يدخل من الجهة المقابلة)
المسافة بينهما قصيرة… لكنها
مشحونة كحرب
كورال : (همس غناء)
شيئان يلتقيان
ولا أحد يعرف
أ اعداء هم … أم مرآتان لبعضهم ؟
كلكامش : (غناء حاد)
من أنتَ حتى تقف في وجهي؟
أنا أوروك تمشي على الأرض
أنا السيف حين يقرر المصير
(بصوت غاضب)
ابتعد
فأنا لا أُواجه .. بل أُخضع
إنكيدو : (غناء هادئ لكنه ثابت)
وأنا لست مدينةً لتخضع
أنا الريح حين ترفض الجدران
لا أعرف عرشًا
ولا أركع لظلّ رجل
إن كنتَ قويًا ؟
جرب أن تفهمني أولًا
(صمت)
ثم فجأة.. يشتد التدافع بينهما
المشهد الثاني : القتال الأول
موسيقى إيقاعية سريعة..الطبول تتحول إلى عاصفة
الاثنان يتقاتلان كقوتين بدائيتين..القفز، الدفع، السقوط، النهوض..لكن القتال ليس مجرد عنف..بل بحث عن هوية
كورال : (غناء متصاعد)
نارٌ تقابل نار
وجبلٌ يصطدم بجبل
من ينجو؟
من ينكسر؟
أم يولد شيء ثالث؟
كلكامش يسقط إنكيدو أرضًا..يرفع سيفه عاليا..فجأة يتوقف..ينظر اليه بتعجب
كلكامش : (بهمس) لماذا لا تخاف؟
إنكيدو : (بابتسامة خفيف)لأنني لم أتعلم أن أعبد الخوف
لحظة صمت طويلة..يتحول التوتر إلى دهشة.
المشهد الثالث : التحول
الموسيقى تهدأ..الإضاءة تصبح دافئة
كلكامش : (ببطء) أول مرة..لا أرى خصمًا..بل شيئًا يشبهني..من أنت؟
إنكيدو : أنا ما لم تصبحه بعد..حين تنسى أنك ملك
الكورال : العدو حين يُفهم
يصبح أخًا محتملًا
والقوة حين تُرى
تصبح سؤالًا
المشهد الرابع : ولادة الأخوة
الطبول تتحول إلى إيقاع منتظم كقلب واحد
كلكامش : (بتردد يمد يده..ثم يمدها أكثر)
إنكيدو : (ينظر ثم يمسك اليد)
لحظة صمت..ثم موسيقى صاعدة
كلكامش وإنكيدو: (دويتو)
أنا لست وحدي الآن
ولا أنت وحدك
إن كان العالم قاسيًا
فلنكن نحن السيف والدرع
لكن… لمن؟
ولماذا؟
كورال : (احتفال غنائي)
وُلدت صداقة
من رحم الصدام
لا حرب بعد الآن
بل طريق طويل
لا يعرفه أحد
المشهد الخامس : فكرة التحدي
تتغير الإضاءة..تصبح داكنة مائلة إلى الأخضر والذهبي.
كلكامش : (بحماس متصاعد) إن كان هناك وحش في الغابة فلنذهب إليه..إن كان هناك معنى للقوة فلنختبره..أريد أن أكتب اسمي على حدود المستحيل
إنكيدو : (بتردد فلسفي) القوة ليست في الصيد، بل في معرفة ما لا يجب قتله..الغابة ليست عدوًا. بل كائن حي لكن… إن كان هذا طريقك
فسأمشي معك.
المشهد السادس : حمبابا
إظلام شديد..صوت ريح ثقيل..أعمدة ضوء خضراء تتحول إلى أشجار عملاقة
الغابة تظهر، ثم صوت عميق مرعب
حمبابا : (صوت فقط في البداية) من أي أرض جئتم حتى تزعجوا نوم الجذور؟
ظهور تدريجي لكائن هائل ليس إنسانًا ولا حيوانًا، بل طبيعة متوحشة
كورال : (مرعوب)
لا تدخلوا الغابة
الغابة ترى كل شيء
الغابة تتذكر كل شيء
المشهد السابع : قرار المواجهة
كلكامش: نحن لا نأتي لسرقة الحياة بل لاختبارها (بقوة) يا حمبابا أخرج إلى النور
حمبابا : (غاضب) أنتم النور الذي يحرق..والخطو الذي يدمر..كل من دخل هنا..صار جزءًا مني
إنكيدو : (بهمس لكلكامش) هذا ليس وحشًا..هذا خوف العالم القديم
الختام : نحو الغابة..
موسيقى تصاعدية ضخمة.. الاثنان يقفان جنبًا إلى جنب..أول مرة يظهران ككيان واحد
كورال :
الآن يبدأ الطريق
من الأخوة… إلى المصير
من الإنسان… إلى السؤال الكبير
إظلام تدريجي..صوت تنفس الغابة فقط..ثم صمت
الفصل الثالث
المشهد الأول : عتبة الغابة
إظلام ثقيل..صوت ريح عميق كأن الأرض تتنفس..تبدأ إضاءة خضراء خافتة تتسلل من الأرض إلى الأعلى..كأن المسرح يتحول تدريجيًا إلى كائن حي.
كورال : (غناء منخفض)
هنا لا يدخل الإنسان خفيفًا
هنا تُوزن الخطى بالروح
كل ورقة شجرة
عين
كل جذع
ذاكرة
كل ظل
تحذير
إنكيدو : (بهمس) هذه ليست غابة..هذه مملكة لا تنام
كلكامش : (بثبات) وأن كانت مملكة..فنحن جئنا نطرق بابها..لا شيء يمنع الإرادة..حتى إن كانت جذورًا تمتد إلى السماء
المشهد الثاني : دخول حمبابا
صوت انفجار خشبي عميق..الأشجار تهتز..الضوء يتحول إلى أخضر داكن مائل للأسود..يظهر حمبابا تدريجيًا من بين الجذوع..ليس جسدًا واحدًا… بل جسد من الغابة نفسها.
حمبابا : (صوت عميق متداخل) من أي زمن جئتم؟ حتى توقظوا الغضب النائم؟ أنا الذي يحرس الصمت..أنا الذي يتذكر خطايا البشر
كورال : (بفزع غنائي)
لا تقتربوا
الغابة تتكلم الآن
والكلمات… سيوف
المشهد الثالث : القتال العظيم
موسيقى إيقاعية بدائية هائلة..طبول كأنها ضربات قلب الأرض.
(كلكامش وإنكيدو يتقدمان معا)
(حمبابا يحيطهم بالجذوع والرياح)
الخشبة تتحول إلى فوضى طبيعية
كلكامش : (غناء قتالي)
إن كنتَ ظلَّ الغابة
فنحن ضوء القرار
لن نبقى أسرى الخوف
لن نركع للجذور
إنكيدو : (بقلق داخلي)
يا صديقي
ليس كل ما يُقاتَل عدوًا
أحيانًا
نقاتل ما لا نفهمه
حمبابا : (يصرخ) أنتم من لا يفهم..أنتم من يأتي ليقتل ما لا يُرى..أنا لست وحشًا..أنا توازن العالم قبل أن يختل
المشهد الرابع. : لحظة الانكسار
تشتد المعركة، ثم فجأة..يتوقف الزمن
إنكيدو : (يرفع سلاحه..يتردد)
إنكيدو : (بصوت منخفض لكلكامش)إذا قتلناه..فما الذي سنكونه بعد ذلك؟
كلكامش : (بحسم) أسطورة..ضربة حاسمة..
حمبابا يسقط، الغابة تصرخ، تضج باصوات الطيور وفرار الحيوانات..الضوء يخفت فجأة كأن الحياة تُسحب من المكان
كورال : (حداد غنائي)
سقط الحارس
وسقط معه جزء من العالم
الآن ستعرف الأرض
كيف يكون الصمت بعد الألم
المشهد الخامس : غضب الآلهة
إظلام ثم ضوء سماوي حاد..تظهر أصوات متعددة من الأعلى..ليست شخصية واحدة… بل نظام كوني
مجلس الآلهة : (هارموني ثقيل)
من سمح لكم؟
أن تلمسوا ما ليس لكم
كل فعل… له ثمن
وكل قوة… لها حساب
كلكامش : (يرفع رأسه للسماء) نحن لم نسرق السماء..نحن فقط سألنا الأرض..إذا كان السؤال جريمة..فأنتم أول المذنبين
الآلهة: السؤال لا يُمنع..لكن الجهل بهلاك التوازن..أنتم لا تعرفون ما فتحتموه
المشهد السادس : بداية اللعنة
تتغير الإضاءة إلى رمادية ثقيلة
إنكيدو : (يقف فجأة.. يتجمد، يشعر بشيء داخلي)
إنكيدو : (بألم خفيف) شيء في جسدي… لا يسمعني
كلكامش : (بقلق) ماذا بك؟
إنكيدو : الغابة… لم تنتهِ بعد..هي تعيش فينا الآن
كورال : (همس)
كل فعل… يترك أثره
حتى في من لا يرى
المشهد السابع : التحول إلى المأساة
الموسيقى تصبح حزينة ببطء
إنكيدو يبدأ بالضعف..خطواته تتباطأ..يتكئ على كلكامش
إنكيدو : (بهدوء) كنت أظن أن القوة حياة..لكنني الآن… أرى شيئًا آخر
كلكامش : لا تتحدث هكذا, نحن انتصرنا
إنكيدو : (بابتسامة خفيفة) ربما..لكن على من؟ على من يشبهني؟
المشهد الثامن : بداية المرض
تتغير الإضاءة إلى باردة
إنكيدو يسقط على ركبتي
كورال : (بكاء غنائي)
الغابة لا تنسى
والأرض لا تغفر
ما يُكسر في التوازن
يعود في الجسد
إنكيدو : (يهمس) أشعر أن الأرض… تستعيد ما أعطتني
كلكامش : (ينهار لأول مرة) لا… لا… لا…نحن فقط انتصرنا
إنكيدو : أحيانًا النصر ليس نجاة
المشهد التاسع : موت إنكيدو
إظلام كامل إلا شعاع واحد على..سرير حجري بسيط..إنكيدو مستلقٍ عليه
كلكامش : (بجانبه)
صمت طويل…ثم موسيقى وترية حزينة جدًا
إنكيدو : (بصوت يحتضر) يا كلكامش..لا تخف من الموت..هو ليس عدوًا.. هو راحة.. بعد كل ما فعلناه. أفهم الآن لماذا وُضع.
كلكامش : (يبكي) لا تذهب..أنت البداية..وأنا دونك… لا شيء
إنكيدو : آخر جملة..أخبر أوروك, أن القوة بلا حكمة..تجعل الأرض تبكي
يموت إنكيدو..صمت مطبق..لا موسيقى..لا حركة، ثم صوت قلب كلكامش وحد
المشهد العاشر : الانهيار
كلكامش يصرخ..يمشي بلا اتجاه..يمسك الأرض..يسقط..ينهض..يسقط
كورال : (ببطأ)
مات الذي كان يضحك
ومات معه جزء من الملك
الآن يبدأ السؤال الحقيقي
ليس عن القوة
بل عن الخسارة
كلكامش : (بجنون هادئ) إذا كان الموت يأخذ الأفضل، فماذا يبقى؟ إذا كان الموت لا يُهزم..فلن أقبل قوانينه، سأبحث عنه..حتى عند نهاية العالم
الختام:
إضاءة باردة جدًا..كلكامش يقف وحده أمام جسد إنكيدو..المسرح فارغ تقريبًا إلا من صوت الريح.
كورال : (ختام الفصل)
هنا لا يولد البطل
هنا يولد السؤال
ومن فقد من يحب
بدأ رحلته نحو السماء
إظلام كامل..صوت نبض بعيد يعود
الفصل الرابع :
المشهد الأول : الرحيل
إظلام كامل..صوت الريح..صوت خطى وحيدة..لا كورال، لا مدينة، لا صديق
لا عرش، كلكامش فقط يرتدي رداءً ممزقً..التاج مفقود..السيف يجره خلفه
الزمن: هكذا يرحل الملوك، ليس حين يفقدون عروشهم، بل حين يفقدون من أحبوا، من كان يظن نفسه سيد الأرض، أصبح يطارد جوابًا واحدًا، كيف لا أموت؟
كلكامش: (يصيح) يا موت أين تختبئ؟ في الرمال؟ في البحر؟ في النجوم؟ في قلوبنا؟ قتلتَ صديقي..ولن أرتاح حتى أهزمك، أقسم بذلك
المشهد الثاني : صحراء الأعمار
تمتلئ الخشبة بالرمال والضباب، أشباح بشرية تمر ببطء، وجوه من كل العصور، ملوك، فقراء، أطفال، محاربون، كلهم يسيرون في اتجاه واحد
كورال :
كلنا مررنا من هنا
كلنا حملنا أحلامًا
كلنا ظننا أننا مختلفون
ثم اكتشفنا أننا بشر
كلكامش: (بغضب) من أنتم؟
الأرواح : نحن الذين سبقوك
كلكامش : وهل وجد أحدكم الخلود؟
الأرواح : وجدنا الحقيقة، أما الخلود..فما زال يبحث عن نفسه
المشهد الثالث : محكمة الملوك
تتحول الصحراء إلى قاعة هائلة..عروش مكسورة..تيجان ملقاة..سيوف صدئة
الزمن: هنا تُحاكم السلطة..لا بما قالت..بل بما فعلت..هنا لا يكفي أن تكون عظيمًا..بل يجب أن تكون عادلاً. يدخل ملوك وأباطرة من مختلف العصور
وجوههم شاحبة..أثوابهم ممزقة
كورال :
أين جيوشكم؟
أين قصوركم؟
أين حراسكم؟
أين الذين كانوا يهتفون بأسمائكم؟
الملوك : ذهبوا..كما ذهبنا
كورال : وماذا بقي؟
الملوك : ما فعلناه بالناس..فقط ما فعلناه بالناس
كلكامش : (يصمت)
المشهد الرابع : ظهور الأرض الجريحة
تهتز الخشبة..تتشقق ضوء أحمر يخرج من الأعماق..تنهض الأرض..أكبر وأقوى من السابق لكنها مجروحة
الأرض : (متسائلة) هل تعرفني يا كلكامش؟ أنا التي كنت تمشي فوقها
ولا تسمع أنينها.. أنا الأرض..أمُّ الجميع وجرحُ الجميع
كلكامش : (متسائلا) أيتها الأرض، هل أنتِ أيضًا تموتين؟
الأرض: لا أموت..لكنني أتألم..وفي كل عصر..يعيد البشر اختراع الألم
المشهد الخامس : رؤيا الأزمنة
ترتفع مرآة هائلة في السماء.. تبدأ صور العصور بالمرور، حروب، مجاعات، مدن مدمرة..أبراج تحترق لاجئون..أطفال يبكون..أمهات ينتظرن
كورال :
هذا قُتل باسمي
وهذا سُجن باسمي
وهذا جاع لأن غيره شبع
وهذا ضاع لأن غيره طمع
وهكذا تستمر الحكاية
كلكامش : (بذهول) أكل هذا من أجل السلطة ؟
الأرض: ومن اجل البقاء.. ومن أجل الجشع..ومن أجل وهم الخلود
المشهد السادس : العالم بلا موت
أقوى مشهد بصري في الأوبريت..تبدأ الخشبة بالامتلاء بالبشر، عشرات، ثم مئات..ثم أكثر..كل دقيقة يدخل مزيد منهم..لا أحد يخرج
كلكامش : (لا يصدق ما يرى) ما هذا؟
الآلهة: هذه الأرض..لو استجبنا لطلبك
كورال :
لا نرحل
لا نفنى
لا نموت
في البداية يبدو المشهد احتفاليًا..ثم يبدأ الاختناق..الأطفال لا يجدون مكانًا
الأشجار تختفي..الأنهار تضيق..المدن تنهار من الزحام
الأرض: (تصرخ) لم أعد أستطيع..لم يعد في صدري متسع..أنتم لا ترحلون.. ولا تتركون مكانًا لغيركم
المشهد السابع : الظالم الخالد
يظهر طاغية فوق عرش..سلاسل بيده..خلفه سجناء
الطاغية : (متباهي) أنا خالد..لن يسقط عرشي..لن يرثني أحد..لن يأخذ الزمن سلطتي..يمر ألف عام..ثم ألف أخرى. وانا ما ازال فوق عرشي
المظلومون: من ينقذنا؟ إذا كان الظالم لا يموت؟ من يحرر أبناءنا؟ إذا كان السجان خالدًا؟
كلكامش : (بصدمة) يكفي
الآلهة: لم ننتهِ بعد
المشهد الثامن : اعتراف الأرض
الأرض : (تسقط على ركبتيها) كنت تظن أن الموت لعنة لكنه باب
يخرج منه الظالم..ويدخل منه المولود، يرحل منه المتعب ويُفتح منه الطريق للمستقبل، لو توقف الموت لتوقفت الحياة نفسها
كورال :
الموت ليس ضد الحياة
بل حارسها الأخير
المشهد التاسع : مواجهة الذات
تسود الظلمة..ثم يظهر مشهد أوروك القديمة. كلكامش يرى نفسه
نسخته القديمة بالتاج وبالغرور
كلكامش : (القديم) أنا الملك، أنا القانون، أنا المجد
شيخ من أوروك : لا..أنت خوفنا
امرأة من أوروك : أنت ليالينا الباكية
الطفل :كنت أخاف ظلّك أكثر من الليل
يصمت كلكامش مَتفاجئا: أهذ أنا؟
شيخ من أوروك : نعم.. قبل أن يكسر الحب غرورك، وقبل أن يعلمك الموت الرحمة
المشهد العاشر : نهاية الفصل
يجلس كلكامش وحده..في منتصف المسرح, محاطًا بالأرواح وبالأرض وبالآلهة
كلكامش: إن كان هذا هو العالم..فأنا لا أفهم شيئًا بعد..أريد جوابًا..أريد أن أعرف لماذا خُلق الإنسان فانيًا ؟ ولماذا خُلقت الآلهة خالدة ؟
الآلهة : (من السماء) اقترب يا كلكامش، فقد حان وقت المحاكمة
كورال :
اقترب
اقترب
فالجواب ينتظرك
خلف آخر أبواب السماء
إظلام كامل..صوت باب كوني عظيم يُفتح
الفصل الخامس
المشهد الأول : أبواب السماء
ظلام..ثم يظهر باب هائل من الضوء يمتد من الأرض إلى أعلى المسرح..لا زخارف..لا عروش..لا ذهب..نور فقط..يقف كلكامش أمام النور وحيدًا
الزمن: ها أنت هنا يا كلكامش..بعد أن عبرت الصحراء..وعبرت الحزن.. وعبرت غرورك..بقي أن تعبر الحقيقة
كلكامش: جئت أطلب جوابًا، لا تاجًا، لا قوة، لا مدينة، بل جوابًا واحدًا، لماذا نموت؟
يفتح الباب.. تظهر الآلهة..ليست فوق عروش، بل في دوائر من الضوء
الآلهة: وأنت..لماذا تريد الخلود ؟
كلكامش: لأن الموت سرق صديقي.. لأن الموت يهدم ما نبنيه..لأن الموت يطفئ الأغاني..لأن الموت يأخذ الأحبة
الآلهة: وهل هذا كل ما يفعله الموت؟
المشهد الثاني : شهادة إنكيدو
ضوء فضي..يظهر إنكيدو. ليس شبحًا حزينًا، بل روحًا هادئة
كلكامش : (متفاجئا) إنكيدو
إنكيدو: يا أخي..ما زلت تبكي الباب..ولا ترى ما خلفه
كلكامش: (بحزن) كيف لا أبكيك؟
إنكيدو: لأنك ترى موتي..ولا ترى حياتي..ولا ترى الرحيل..ولا ترى ما تعلمته
الآلهة: فليشهد إنكيدو
إنكيدو : نعم..كنت صديقًا مخلصًا، لكنني لم أكن بريئًا..لقد دخلت غابة الأرز وحملت الفأس، وضربت ما لم أفهمه.. وقتلت معك حمبابا وظننت أن القوة بطولة، ثم عرفت أن القوة دون حكمة..قد تصبح جرحًا
كلكامش: لكن حمبابا كان خصمًا
إنكيدو: وربما..لكننا لم نسأل أنفسنا هل جئنا لنحمي الحياة؟ أم لنثبت قوتنا فقط ؟
يصمت كلكامش
المشهد الثالث : شهادة أوروك
تظهر مدينة أوروك..الناس الذين ظهروا في الفصل الأول..لكنهم لا يبدون خائفين الآن
شيخ أوروك : أيها الملك..هل تعرفنا؟
كلكامش: (بهدوء حزين) أعرفكم وأتمنى لو أنني عرفتكم أبكر
المرأة: كنتَ تظن أنك تبني المجد..لكننا كنا نحمل ثمنه
الطفل: كنتُ أخاف ظلّك أكثر من الليل
كلكامش : (منكسر) أعرف..أعرف الآن
كورال: من لا يرى الناس..لا يرى نفسه..ومن لا يسمع أنين الضعفاء يبقى أسير عرشه.
المشهد الرابع : أبواب العدالة
ترتفع بوابتان، إحداهما من نور والأخرى من نار
كلكامش: (ينظر لهما بتعحب) ما هذان البابان؟
الآلهة: العدالة..الانتقام..فما يُزرع في الأرض يُحصد هنا..يظهر الطغاة، والملوك، والقادة، والجبابرة من عصور مختلفة
الطغاة: (بصوت واحد) نحن بنات الإمبراطوريات، نحن صناع التاريخ، نحن أصحاب المجد الكاذب
الآلهة: وماذا عن الأطفال؟ وماذا عن اليتامى؟ وماذا عن القبور التي تركتموها وراءكم؟
يصمت الطغاة منكسين رؤوسهم
كورال :
كنا أسماءً نسيها العالم
لكن العدل لم ينسانا
تنفتح بوابة النار
يُقاد الطغاة إليها
لا بالسلاسل
بل بأوزان أفعالهم
صوت من بين الكَورال
لا يحملهم أحد
إنما تحملهم أعمالهم
المشهد الخامس : الفردوس
تنفتح بوابة النور.. مياه..أشجار من ضوء..سلام عميق..يدخل المظلومون والصابرون والمنسيون
كورال :
ما ضاع ألم
ولا ضاعت دمعة
ولا ضاع حق
فالكون أوسع من ظلم ساعة
وأعدل من عمر قصير
المشهد السادس : السؤال الأخير
يبقى كلكامش وحيد
كلكامش: الآن أفهم العدالة..لكنني لا أفهم الخلود..لماذا أنتم خالدون؟ ونحن راحلون؟
يصمت الكون
الآلهة: أننا لسنا بشرًا..ولأنك لا ترى الوجه الآخر للأبدية..نحن لا نولد..ولا نكبر..ولا نفقد..ولا ننتظر..ولا نخاف..أما أنتم..فتملكون ما لا نملك
كلكامش: وما الذي نملكه؟
الآلهة: اللحظة..ولهذا هي ثمينة..الحب..ولهذا هو مؤلم..العمر القصير.. ولهذا هو عظيم
كورال: لو كان كل شيء أبديًا.. لفقد كل شيء قيمته..ولو لم يكن للوردة خريف..لما احتفل أحد بربيعها
المشهد السابع : التحول
كلكامش يركع..ليس خضوعًا..بل فهمًا
كلكامش: كنت أبحث عن حياة لا تنتهي..ونسيت أن أبحث عن حياة تستحق أن تُعاش..كنت أهرب من الموت..ولم أسأل نفسي..كيف أكون إنسانًا قبل أن أموت ؟
إنكيدو : (مبتسما) الآن فقط أصبحت أقرب إلى الخلود مما كنت يوم طلبته
كلكامش: كيف؟
إنكيدو: لأن الخلود ليس أن تبقى، بل أن تترك نورًا بعد رحيلك
المشهد الختامي للفصل
ترتفع الأرض، وتظهر خلفها أوروك، وأمامها الأجيال القادمة
كورال:
يموت الظالم
ويبقى العدل
تموت الأجساد
ويبقى الأثر
يمضي الإنسان
لكن الخير الذي زرعه
يبقى يمشي بين الناس
الآلهة: عد إلى أوروك يا كلكامش..فجوابك ليس في السماء..بل بين البشر
إظلام
يبقى كلكامش وحده في شعاع ضوء
ثم يبداً طريق العودة
الفصل السادس : العودة
المشهد الأول : طريق العودة
ظلام هادئ.. لا عواصف.. لا معارك..لا أصوات آلهة، فقط صوت خطوات.. كلكامش، لكنها لم تعد خطوات الملك الذي خرج من أوروك..بل خطوات إنسان عرف شيئًا من نفسه.
الزمن: عاد..لكن العائد ليس هو الراحل..خرج يبحث عن الخلود، فعاد يحمل الحكمة..خرج يطارد الموت ..فعاد يبحث عن الحياة
كلكامش: يا طرق الأرض، كم كنت طويلة، وكم كنت قصير النظر، كنت أظن أن الحكمة تسكن السماء..فاكتشفت أنها تنتظرني بين البشر..تظهر أسوار أوروك في الأفق..لكنها ليست كما كانت..باهتة..متعبة.. كأن المدينة نفسها شاخت
المشهد الثاني : العودة إلى أوروك
تُفتح أبواب المدينة..يدخل الناس، ينظرون إلى كلكامش..صمت..لا هتاف
لا خوف..لا ترحيب..فقط انتظار
شيخ من أوروك: عاد الملك..لكن أي ملك عاد؟
امرأة من أوروك: عاد الذي أخفنا؟ أم عاد الذي بكى صديقه؟
الطفل: (وقد أصبح شابًا) هل عاد العرش؟ أم عاد الإنسان؟
يصمت كلكامش، ثم يخلع ما بقي من ردائه الملكي، ويضعه على الأرض
كلكامش: لم أعد أطلب منكم الخوف.. ولا الطاعة..ولا المجد.. أطلب شيئًا واحدًا، أن تسمحوا لي أن أتعلم كيف أخدم المدينة التي ظننت يومًا أنها خُلقت لخدمتي.
صمت طويل، ثم تبدأ وجوه الناس بالتغير
المشهد الثالث : المصالحة
يتقدم شيخ أوروك ليس العظماء من لا يخطئون، بل من يعترفون بأخطائهم
قم يا كلكامش، فالمدينة تحتاج قلبًا، أكثر مما تحتاج سيفًا
المرأة: إذا تغير الملك..تغيرت المدينة
الكورال: وإذا تعلم القوي الرحمة..صار أقوى
يحيط الناس بكلكامش ليس كحاكم بل كواحد منهم
المشهد الرابع : بناء المدينة الجديدة
تبدأ الموسيقى بالنمو إيقاع الحياة، إيقاع العمل، إيقاع الأمل، يعمل الجميع معًا..أطفال، شيوخ، نساء، رجال
كورال:
حجر فوق حجر
وحلم فوق حلم
هكذا تُبنى المدن
لا بالخوف
بل بالأيدي المتعاونة
كلكامش: (يحمل حجرًا مع الناس) هذا الحجر أخف من تاجي القديم
لأنه لا يفصلني عنكم..بل يجمعني بكم
المشهد الخامس : ظهور إنكيدو الأخير
مع غروب الضوء..يظهر إنكيدو بعيدًا..لا يراه إلا كلكامش
إنكيدو: أترى؟ لم تكن تبحث عن الخلود، بل كنت تبحث عن هذا عن معنى أن تكون إنسانًا
كلكامش: اشتقت إليك يا أخي
إنكيدو: وأنا لم أغب، أنا في كل حكمة تعلمتها..وفي كل رحمة اخترتها.. وفي كل ظلم رفضته
كلكامش: هل هذا هو الخلود ؟
إنكيدو: هذا أحد وجوهه يبتسم، ثم يختفي مع الضوء
المشهد السادس : نشيد الإنسان
كل الشخصيات تعود إلى المسرح، الأرض، الآلهة، الأرواح، الشعب، الأطفال
الإضاءة تتحول إلى ذهبية عظيمة كأن الفجر يولد
الأرض: يا أبنائي، كم تألمت منكم..لكنني ما زلت أفتح لكم ذراعيّ كل صباح
الآلهة: يا أبناء التراب..لسنا أعداءكم..بل شهود رحلتكم
الأرواح: عشنا..وأخطأنا..وأحببنا..ثم رحلنا..لكن الحكاية استمرت
كلكامش: لم أعد أطلب الخلود.. بل أطلب أن يكون مروري جديرًا بالذكر
أن أزرع شجرة..أن أبني بيتًا..أن أمسح دمعة..أن أترك أثرًا طيبًا..ثم أمضي بسلام
المشهد السابع :
جميع الأصوات تتحد..الموسيقى تبلغ ذروتها
الكورال :
نموت
فتولد أجيال
نرحل
فتشرق شموس
نسقط
فتنهض أحلام
وهكذا تمضي الحياة
وهكذا يبقى الإنسان.
ليس الخلود أن تبقى جسدًا
بل أن تبقى معنى
ليس الخلود أن تهزم الموت
بل أن تهزم الظلم
ليس الخلود أن تعيش إلى الأبد
بل أن تجعل للحياة قيمة
المشهد الثامن : الصورة الأخيرة
تختفي الآلهة تدريجيًا..تختفي الأرواح..يبقى البشر فقط..الأطفال يركضون.. الأشجار تنمو..الماء يجري.. أوروك تتلألأ في الأفق، يقف كلكامش في مقدمة المسرح.. لا تاج..لا سيف..لا عرش..فقط إنسان..يرفع حفنة من تراب الأرض، وينظر إليها. ثم يفتح يده فتتطاير في الهواء.
كلكامش : آخر كلمات الأوبريت
من التراب جئنا..
وإلى التراب نعود
لكن بين البداية والنهاية
نملك فرصة واحدة
لنكون بشرًا
الكورال : (همس يتحول إلى نشيد)
كن بشرًا
كن عادلًا
كن رحيمًا
وسيذكرك الزمن
تنطفئ الأنوار كلها..ويبقى خيط ضوء ذهبي واحد، يمتد من الأرض إلى الأفق.
صمت
ثم آخر جملة للزمن من خلف الظلام
الزمن: انتهت حكاية كلكامش
وبدأت حكايتك …
(انتهت)

