مقالات

جينالوجيا صناعة المشهد في السينما والمسرح؟! 

هايل علي المذابي 

 

ثمة خيط خفي، تُميط عنه اللثام القراءة النقية والواعية لتاريخ الفنون البصرية والفرجوية، هذا الخيط يربط بين الوظائف البيولوجية والنزعات الوجودية الكبرى للإنسان، ويتحكم بوعي – أو بدون وعي – في توجيه دفة الإخراج وصناعة المشهد الانتقالي (Transition Scene)؛ ليحوله من مجرد رابط زمني عابر إلى شفرة ثقافية وفلسفية بالغة العمق.

إن المخرجين، بوصفهم مفكري الصورة وسدنة الخشبة، يعتمدون على ما يمكن تسميته “الإيقاع الحيوي”؛ حيث يدركون تمام الإدراك أن المتلقي لا يمكنه استيعاب الجرعات المستمرة من الصدمات والعنف دون “وقفة” (Pause) سيكولوجية، تجعل من الانفجار القادم أكثر مضاءً وتأثيراً. ومن هنا، تتجلى الحفاوة الإخراجية بالثنائيات والمتناقضات الصارخة: (الحب/الحرب) أو (الطهارة والبراءة البيولوجية/الجريمة والقذارة)، كالمحركات الأساسية للسرد العالمي.

في الفضاء السينمائي، اشتهر نمط إخراجي كلاسيكي في الأفلام التاريخية العالمية بهوليوود، يعد مخرجاً ملائماً دائماً لإضفاء الإثارة؛ فقبل أن تطحن سنابك الخيل عظام المقاتلين في المعركة، ينتهج المخرجون تقنية تعد ثيمة واضحة في هذه السلسلة الطويلة، إذ يتعمد المخرج استباق المعركة بمشهد رومانسي حميمي، تليه مباشرة لقطة تؤذن ببدء القتال، كما تجسد بوضوح في أفلام مثل Troy وGladiator 1 & 2.

هذا الاستخدام ليس مجرد “مقبلات” درامية، بل ينم عن فهم عميق لتقلبات الزمن وتحولاته وطبيعته التي ليس لها ثبات، فالدهر “ساعة بساعة” ولا يثبت فيه سوى الصراع. المخرج هنا يضعنا أمام المفهوم الفلسفي القديم: إيروس (غريزة الحياة والحب) في مواجهة ثاناتوس (غريزة الموت والدمار). هذا التباين البصري والشعوري (Visual and Emotional Contrast) يمنح البطل دافعاً وجودياً للموت أو الانتصار، ويضع المشاهد في حالة صدمة عصبية تبرز وحشية الحرب.

ولأن هذه التقنيات تتطور، فقد امتدت لتشمل أفلام الأكشن المعاصرة، وكان لا بد لهذا الامتداد أن يطور تقنيات موازية، من ضمنها ما يمكن تسميته بتقنية “التبول”؛ حيث يتعمد المخرج قبل بدء الجريمة أو الاشتباك بين العصابات (كما في أفلام The Pack، وA Violent Man، و”حلبة السجن”) أن تكون المقبلة التي تسبق المشهد هي ذهاب شخص للتبول.

إنها نقلة من “الملحمي والتسامي” إلى “الواقعية الفجة والعبثية”، ويمكن تفكيك رمزية التبول سينمائياً إلى ثلاثة مستويات، الأول يتجلى في العجز والضعف البشري (Vulnerability) في لحظة التبول والتي هي أقصى حالات انخفاض الدفاعات الحيوية والذهنية، حيث ينفصل الإنسان عن محيطه منشغلاً بوظيفته الغريزية، فيستغل المخرج ذلك لإشعارنا بالخطر الوشيك وترقب الغدر.

والثاني يشير إلى تدنيس الجسد والمكان (The Abject) وفقاً لنظرية “المنبوذ” لجوليا كريستيفا، إذ أن الفضلات هي الحد الفاصل بين النقاء والقذارة؛ والتبول كفعل بيولوجي يمثل إفراز القذارة والفضلات، فيوظفه المخرج ليوحي بأن “القذارة الأخلاقية” (الجريمة وسفك الدماء) هي العقوبة الموازية أو الامتداد الطبيعي لهذه القذارة البيولوجية.

والثالث يعني نزع القداسة (Demystification) بالاغتيال في المراحيض والحانات، حيث تنزع السينما أي بطولة عن الموت؛ فالموت هنا ليس فوق حصان في معركة تاريخية، بل هو موت “قذر” ومبتذل يعزز سوداوية العمل المعاصر.

وبالانتقال إلى المسرح، كون الخشبة هي “أب الفنون”، نجد أن المخرج المسرحي لا يمتلك ترف “اللقطة” أو “القطع” (Cut) السينمائي المفاجئ عبر المونتاج، بل يرتكز بالأساس على “الاستمرارية المكانية” و”حضور الجسد” الحي والمباشر. ومع ذلك، نجح المسرح في خلق الموازي البنيوي والفلسفي لنفس تلك التقنيات من خلال خلق الموازي لتقنية “الحب قبل الحرب” حيث يستعيض المسرح عن المونتاج بتقنية “التضاد المكاني أو الإضاءة”؛ كأن يعمد المخرج إلى “تقسيم المسرح” (Split Stage) – كما يصنع المخرج الإماراتي محمد العامري في مسرحه – فيظهر مشهد حميمي أو شاعري في جانب مثلا، بينما يظهر الاستعداد للحرب في الجانب الآخر، مما يولد صدمة بصرية متزامنة. أو يتم استخدام الإظلام التام (Blackout) المفاجئ بعد مشهد رومانسي طويل لنستفيق على طبول الحرب، بالإضافة إلى المونولوج الداخلي الذي يلقيه البطل عن الحب والبيت قبل المعركة، فيبدو العنف قاطعاً لطريق الحياة.

كذلك خلق الموازي لتقنية “التبول” (التطهير والضعف البيولوجي) على الخشبة، ولأسباب تتعلق بقدسية المنصة وقيود العرض الحي، لا يمكن تقديم فعل التبول واقعياً، لذا يُستعاض عنه بـ “الأفعال التبادلية للتوتر” و”إعاقة الجسد” (Physiological Disability)؛ فنرى الممثل يرتجف، أو يتقيأ، أو يصاب بضيق تنفس حاد قبل اقتراف الجريمة، وهي أفعال تجسد خروج الضعف البشري قبل خوض غمار العنف. أو نراه يمارس “طقس التطهير” كغسل الوجه بعنف أو خلع ثيابه، تخلصاً من إنسانيته ليتحول إلى آلة قتل.

وبينما تقوم السينما بـ “المباغتة”، يقوم المسرح بـ “التراكم”؛ فالفعل البيولوجي أو العاطفي على الخشبة يتحول إلى “حالة مستمرة” (State of Being) يحمل الممثل رائحتها وتوترها طوال العرض، متقاطعاً مع نظريات “المسرح الملحمي” عند بريشت، الذي بحث دائماً عن الحدث الجسدي الذي يكسر أوهام البطل ويظهره كإنسان عادٍ قبل مواجهة مصيره.

إن ارتباط مشهد الحب بالحرب له جذور موغلة في الأنثروبولوجيا الثقافية للشعوب، فلا يذكر اسم الحرب إلا ومعه لفظ الحب، لكن المفهوم يتمايز بين الشرق والغرب:

ففي الثقافة الغربية، يختزل الرابط غالباً في بعده الفيزيائي والجنسي كذروة للحياة قبل الفناء. أما في الموروث الشرقي والعربي، فالحب يتسامى ليصبح التزاماً وبناءً (الزواج والارتباط)؛ فالإسلام يوجه الطاقات نحو الإعمار والسكينة بعد صخب المعارك حين قال النبي الكريم لأصحابه بعد القتال: “الكيس الكيس” (أي الزواج والطلب). وفي الثقافة الهندية يقول طاغور: “في الحب والحرب نتقدم خطوتين ونتراجع خطوة”. وفي الثقافة العربية قبل الإسلام، كان السلام مرتبطاً بالمصاهرة والدمج القبلي، كما جسدت معلقة زهير بن أبي سلمى إنهاء الحرب بمفهوم الارتباط، وصولاً إلى الثقافة الروسية حيث أقرن تولستوي الحرب بالسلام، وجعل السلام مرادفاً للحب.

نختم بالقول إن تطور التقنيات الإخراجية من “مقبلات الحب” في الملاحم التاريخية إلى “مقبلات التبول” في أفلام وعروض الأكشن المعاصرة، ليس مجرد خيار ترفيهي، بل هو مرآة لتحول الوعي الفني؛ من فضاء يبحث عن التسامي والبطولة حتى في الموت، إلى فضاء معاصر يغوص في الواقعية الفجة والعبثية، معرياً انحطاط الفعل الإنساني، ومحفزاً سيميائية الجسد لتعيد صياغة شفرات العنف في الفن العالمي.

Alfurja

Alfurja

About Author

موقع مجلة الفرجة صادر عن: مركز الفنون العربية الفرجة.
الملف الصحافي: 37/ 2014ص.
الايداع القانوني: ردمد 9452/2421

اشترك في نشرتنا الإخبارية

    خلف الكواليس وفي قلب الحدث.. اشترك لتعرف كل جديد وتصلك كواليس المسرح وأخباره إلى بريدك

    جميع الحقوق محفوظة © 2026

    error: نعتذر، نسخ المحتوى غير مسموح به لحماية حقوق الملكية