حبيب ظاهر
توفر عروض منتدى المسرحي مستوى علاقة بين العرض ومتلقيه أكثر حميمية من قاعات المسرح التقليدي، لأن المؤدي والمتلقي يجلسون في مستوى واحد، وأن المسافة بينهما متقلصة إلى أبعد حد، وأجواء العرض تغمر الاثنين معا.
تقع عين المشاهد في لحظة دخوله واستقراره في كرسيه على مفردات المنظر (تصميم وتنفيذ: ضياء حمزة وفكرت حسين) : القصب ، الجاون مع المدق ، الزيز ، القارب (أو ما يسمى محليا بـ (القفه) وهي وسيلة نقل في الأنهار والاهوار، دائرية الشكل، استمر وجودها لغاية نهاية الستينيات وربما مطلع السبعينيات في العراق) ألواح الكتابة المسمارية. إنها مفردات منحت الفضاء العرض المسرحي هويته بفعل ترجيعاتها في وجدان وذاكرة المتلقي، لأنها جزء من الإرث الحضاري/الثقافي لبلاد ما بين النهرين. ويتولد الانطباع الاول عن بيئة الأحداث، ومن خلالها تحددت الهوية/الروح المحلية العراقية ، بمعنى آخر لا مفردات مستوردة ولا هجينة مدمجة في هذا العرض، حتى أن ارضية باحة بناية المنتدى فرشت بالتراب ذي اللون المائل للسواد. حبات تمر (الزهدي) نثرت على التراب ودفنت فيه، وهو من أقدم أنواع التمر ويتحمل الخزن لفترات طويلة دلالة التهيؤ لمواجهة الطوفان، وحلول وضع غير طبيعي.
أفصحت مصممة الأزياء (نور عبد علي) ومحددة وخامتها وملامسها عن أبعاد وهوية الشخصيات القادمة من عمق تاريخ العراق، وجعل التصميم يتوافق مع طبيعة وحركة الشخصية، وقد كسرت الجوارب التي ارتدتها شخصية الجد نسق الازياء -دون اية دلالة واضحة- إذ لم يظهر حافيا مثلما ظهرت الشخصيات الأخرى. وجاءت موسيقى (مرتضى باوه) محملة بشجن تاريخي موغل في القدم.
تظهر الشخصيات واحدة بعد الاخرى، الجد يطرق بحمل عصا يتكئ عليها ويطرق على القارب بها، الأم تتجه إلى الجاون (المهراس) الضخم، لطحن الحبوب بإيقاع متناغم مع طرقات الجد، ويكمل ظهور (سيدرا) مع الة طبل بدائية الصورة السمعية بضبط الايقاع المنسجم، ويهيئ الأجواء الطقسية لسؤال الإنسان الأول: ما الذي فعله الإنسان حتى يتحمل كل هذا؟
يشارك في الإجابة الأجيال الثلاثة الحاضرة في العرض (الجد – الام – الأخوين الشباب:آزر وسيدرا) ويضعونها في وعي المتلقي عبر سلسلة من الأفعال والحوارات المتصاعدة، وصولا إلى احتضان الأخ لأخيه، ليدلل على أن الإخوة بين الناس من مختلف الأجناس والطوائف والثقافات باقية، والمحافظة عليها واجبة، وبها تتم مواجهة الطوفان.
لكل شخصية توجهاتها وأسلوب تعاطيها مع أزمة الطوفان القادمة، وتصارع الشخصيات الأخرى من أجلها، فالشخصيات تعارض بعضها، ويشتعل الصراع فيما بينها من جهة، وتتصارع مع تهديد الطوفان من جهة ثانية، مما يجعل مهمة الإخراج على شيء من التعقيد، وقد فك المخرج شفرات العقد واوصل رؤيته حين حرك الممثلين وجعلهم يتفاعلون مع والمفردات المحيطة بهم، فكانت كل شخصية تفصح عن بنيتها المركبة:

الجد صاحب المسبحة والطاقية، يسرد ذكرياته محدثا (سيدرا): (كانت الأرض تغني إذا ما خطونا عليها، الطين له رائحة الطفولة، كنا نستيقظ مع صوت الديكة، تسبقنا رائحة الخبر، وتلحقنا دعوات الأمهات وهي تلوح لنا عند الماء … أتعلم يا سيدرا أحيانا أظن أن الطوفان لا يريد هدمنا ، بل يريد أن يعيد لنا تلك الايام) فالجد يعيش على الماضي أكثر مما يعيش الحاضر، يذهب لمواجهة الطوفان قائلا: (أنا لا اهرب من مصيري، بل امشي اليه بقدمي) يقرر الذهاب بعيدا معتمدا على عصاه، تاركا للأحفاد مسبحته وطاقيته على الأرض.
الأم تعمل دائماً ، قضت وقتها بطحن الحبوب بالهاون (المهراس) تمتعت بهيبة ووقار عال، حتى حين تحاور أبناءها لا يفارق (المدق) الثقيل يدها وتستمر بعملية الطحن القاسية، ظلت طوال العرض محافظة على رباطة جأشها، تكتسي ملامحها بمسحة من الحزن والغضب، في النهاية تخرج للبحث عن الأب الغائب منذ عشرين عاما لتخبره بما يجري.
الأخ (آزر) الاسم مستعار. يُذَكِر بما ورد في القرآن الكريم في سورة الأنعام آية ٧٤ (وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة) يذهب آزر إلى التل ليعصمه من الغرق. قائلا: (إن كان للطوفان أن يصنع مني شيئا، فليصنعه وانا اقف فوق الأرض لا راكعا فوق خشب مهزوز، أريد أن ارى النهاية واقفا، كما يقف آخر جذع في الهور) عندما يتكلم آزر يتلكأ/ يتلعثم في نطق الكلمات، لا لأنه لا يستطيع النطق، يفسر ذلك عندما يقول جملة بليغة (أتلعثم .. ليس لأني لا أعرف الطريق، بل لأني أرى الحقيقة دفعة واحدة، والحقيقة لا تسعها مخارج الحروف الضيقة)
صوت (الطنطل) وهو كائن اسطوري، ما زال حيا في الخيال الشعبي، يظهر في ظلام الطرقات ويسكن الخرائب، يظهر للذين يسكنهم الخوف، يُبلغ (سيدرا) بأن الطوفان لا يغرق الجميع. مما يجعل أمل النجاة يشع في نفسه، ويقوي عزيمته على مواجهة الطوفان.
سيدرا بطل العرض، تاريخيا ارتبط اسمه بالطوفان، وبالإله (إنكي) الذي أمره بصناعة القارب. انه الوحيد الذي لم يكن سلبيا، حين قرر فعل شيء يواجه به وحشية الطوفان خوفا على الحمامة البيضاء. يتحدث كثيرا عن الماء بصفته رمز التطهر، والطوفان القادم (يريد محو الخطايا) هذه الجملة قالها (سيدرا) لأخيه (آزر)

الحوار والغناء باللغة السومرية أضفى على العرض بعدا تاريخيا/جماليا، حقق تجاوبا وحرك وجدان -بعض- الحضور. وقد تواصلت مع مخرج العرض (حيدر نجم) مستفسرا عن اللغة الأخرى في العرض فأجابني: (في النص استخدمنا اللغة العربية الفصحى مع مقاطع حوارية قصيرة من اللغة السومرية تُرجمت عن طريق بعض الأصدقاء، والاغنية كذلك باللغة السومرية واستخدمنا لحن بسيط يشبه لحد ما التراتيل البدائية مع مراعاة الإيقاع وفق ما اشتغل عليه الموسيقار الكندي بيتر برينغل بانشاده للنصوص القديمة باللغات الميتة .. الايقاع وفق ما اشتغل عليه الموسيقار الكندي بيتر برينغل بانشاده للنصوص القديمة)
تكررت وبرزت مفردات في لغة الحوار مثيرة للانتباه، منها عربية متداولة وعراقية محلية وأخرى تاريخية: (الماء – الهور – الطوفان – سيدرا – آزر – الجد – امي – الطنطل – السعلوه – المطر – أخي – أبي الغائب) البحث في جذور اللغة وتوظيفها قاد المؤلف/المخرج إلى هذا المزيج، إلى جانب أنها متأتية من بيئة العرض الجغرافية ومتجذرة في وعي الناس.
أسهمت الكتابات في فولدر العرض بإضاءة شيء من فكرة العرض وحفزت على استجلاء مكنوناته، حين وضع كادر العرض بعض كلمات (صلاة سومرية): (يا من تهب الحكمة مثل نور يقطر من الأعماق.. أعيد اسمك إلى الماء والريح كي يعود النور إلى الضفاف التي فقدته)
لم يكتف مصمم الاضاءة (عقيل عبد علي) بتوفير بإحاطة الممثلين والمتلقين بألوان الضوء وحصر مساحة تركيز المشاهدة، بل تعداه إلى استخدام مشاعل النار في محاورة الجد مع سيدرا، زادت من جماليات الاضاءة، إذ توزع الضوء والظل على ملامحهم وأزيائهم مما منحهم بعدا تعبيريا وعمّق تركيز الجمهور عليهم.
جل ما يبتغيه الفنان والمتلقي على حد سواء هو عمل فني يمتلك توازنا بين الصورة البصرية والصورة السمعية وان يشهد الالتحام بينهما ، ولن يحدث ذلك ما لم ينبثق السمعي من البصري/ الفكري من الشكلي والعكس صحيح، ينطبق هذا الأمر على الفنون كلها، حتى الموسيقى ، فمن خلال الصوت تتولد الصور في مخيلة المستمع. وهذا نفسه ما حرص عليه المخرج (حيدر نجم) في ضبط الاشتباك بين فكرة العرض وشكلانيته، وأظهره بالصورة الخالية من الترهلات المملة والتكرار الرتيب.
حضر عنصر المفاجاة المحمل بما يدفع الصراع للأعلى ويستفز وعي المتلقي، تجلى ذلك في العلامات البارزة التالية وللمتلقي منحها الدلالات المقترنة بها عادة، أو أن يقرأها بحسب مرجعاياته العقلية والنفسية:
التفاحة الهابطة من الأعلى والتفاح المنثور على الارض.
نزول المطر.
الحمامة البيضاء الميتة.
لابد من الإشادة بهذا الجهد الحثيث والتعاون المثمر من قبل المؤلف/المخرج الذي يفصح عن مدى الاعتزاز وقوة توظيف لغة أخرى كجزء من تجذير روح العرض وحيويته. ويمكن إطلاق تسمية المخرج المفكر على (حيدر نجم) الذي قاد فريق تمثيل من غير المحترفين وأوصلهم إلى تجسيد شخصيات على درجة من التعقيد والتركيب لانها تاريخيّة، وبالوقت ذاته تقدم أداءها بقراءة معاصرة تماهيا مع فكرة العرض، التي لخصها فريق العرض في الفولدر بقولهم: (نفتح نافذة على الذاكرة الاولى للأرض، هذا العرض محاولة لاستنطاق صمت القصب، والبحث عن الملامح المفقودة لوجوهنا في مرايا الماء التي لا تجامل أحدا)
ثمة أفعال يستمرئها الممثل ويبالغ فيها، لكنها تمر ثقيلة على المتلقي بسبب من استغراقها زمن طويل نسبيا، حتى إن كانت أقل من دقيقة، وهذا ما حدث في لحظات البكاء والنحيب واللطم ونثر التراب على وجه (سيدرا)، بدأ مبالغا من حيث الزمن وفي الآن نفسه ولّد تعاطفا وتفاعلا لفقده العظيم، ولم يسكته إلا احتضان اخوه الذي عاد من اعلى التل ليقول: حتى بعد موت السلام (الحمامة البيضاء) يبقى التئام الأخوة هو الحل.
في أول دروس التمثيل نقول: ايها الممثل تواصل مع الممثل الآخر، وتفاعل بملامح الوجه المعبرة ولغة العيون، لان التسليم والاستلام لا يقتصر على إلقاء الحوار وحسب، بل يشمل الانفعالات والمشاعر. وكثيرا ما يشار إلى النظر إلى براعة الممثل الكامنة في لحظات الصمت أكثر من لحظات الحوار، فقد حدث أن انقطع اثنين من الممثلين عن التواصل مع زملائهم، أحدهما كان يستطلع – في بداية العرض- وجوه الجمهور الحاضر، والآخر ينسى نفسه بسبب طول فترة صمته رغم أن لديه شغل صامت. وهذا لا يقلل من الجهود الإبداعية التي بذلها جميع الممثلون ( خالد ناصر – رحيم خالد – مرتضى باوه – شيرين سوراني) الذين قدموا إيقاعا محكما إلى حد بعيد.
عضد المخرج مفهوم التجريب لا على صعيد الإتيان بمفردات جديدة بل بتوظيف مفردات تصنع عرضا مسرحيا متماسك موضوعيا مدمج المفردات تلقائيا دون زوائد وترهلات واستطرادات لا معنى ولا طائل منها.

أن يكون المخرج مؤلفاً فهذا يعني أن المخرج لم يجد ضالته في أي من النصوص التي قرأها، فهو يمتلك الفكرة والقدرة على إظهارها وإشهارها بالصورة المستقرة في مخيلته، مع بقاء ألمحك الذي يصطدم به الخيال وهو قدرات الممثلين الإبداعية، وتوفر الإمكانات المادية التي تصنع الفضاء والجو العام، إلى جانب الموسيقى والإضاءة … وغيرها من المتطلبات واللوازم. قدم المخرج (حيدر نجم) رؤية واضحة بملامح أسلوبية مبتكرة.
عرض مسرحية (أورا – مائيا) – رغم الإمكانات الفقيرة ماديا – بدا عميق فكريا، واضح الرؤية، والمخرج (حيدر نجم) ممسك بخيوط المعالجة الفنية منذ البداية وحتى اللحظة الأخيرة، التي تكللت بالتصفيق والتهنئة.
عرض مسرحية (أورا – مائيا) انتاج دائرة السينما والمسرح بناية منتدى المسرح 16-17-18/ 07/ 2026 الساعة السابعة مساء، زمن العرض خمسون دقيقة.

