حسام الدين مسعد
حين ظهر الميكروتياترو في إسبانيا عام 2009 ارتبط ظهوره بظرف مكاني خاص أكثر من ارتباطه بقصر زمن العرض، فقد انطلقت التجربة من داخل بيت دعارة سابق في مدريد، حيث جرى تحويل غرفه إلى فضاءات مسرحية صغيرة تستقبل أعداداً محدودة من المتفرجين لمشاهدة عروض لا تتجاوز مدتها خمس عشرة دقيقة، ومنذ ذلك التاريخ أصبح الميكروتياترو يُعرَّف بوصفه شكلاً مسرحياً يقوم على ثلاثة مرتكزات رئيسة: قصر زمن العرض، محدودية عدد الجمهور، ومسرحة الفضاء المادي الطارئ.
أما النانوتياترو فهو استنبات عربي لقالب مسرحي مختلف في جوهره، اطلقت تسميته من قراءتي لمجموعة (م.ق.ج) للكاتب العراقي حيدر عبدالله الشطري عام 2021، بوصفها محاولة لاستعارة تقنيات القصة القصيرة جداً وتطويعها للكتابة المسرحية، وهذا المسمى «النانو» هي كلمة يونانية تعني “قزم” ويقصد بها كل شئ صغير او الشرائح الصغيرة، والنانو هو جزء من مليار جزء من الوحدة، ويستخدم مصطلح نانو حالياً من أجل الدلالة على اختصاصات التقنية التي تعمل ضمن هذا المجال وقد أدي تطور تقنية النانو الي ثورة تقنية في جميع المجالات التي انتجت إختراعات مذهلة يعود الفضل فيها الي الشرائح الصغيرة، وبرز مصطلح جديد ألقي بثقله علي العالم، وأصبح محط إهتمام كبير هذا المصطلح هو «تقنية النانو »، من هنا جاء الإقتران بالمسرح لأعبر عن النص المسرحي القصير جدًا الذي لا يتجاوز عرضه دقيقتين فقط، ولقد شاهدت تجربة الشطري الإخراجية لهذا القالب،
غير أن البحث في جذور هذا الشكل كشف عن تجربة عربية أسبق وأكثر رسوخاً تمثلت في مشروع الكاتب المصري السيد حافظ الموسوم (صراع الألوان) في مسرحياته القصيرة جداً التي بدأ الاشتغال عليها منذ عام 1968، واستمر في تطويرها لعقود طويلة.
لكن هل يكفي القصر الزمني للعرض كي نضع الميكروتياترو والنانوتياترو في خانة واحدة؟
للإجابة عن هذا السؤال علينا أن نطرح سؤالاً آخر أكثر أهمية:
ما الذي يجعل الميكروتياتر وميكروتياترو؟
هل هو قصر زمن العرض؟
لو كان الأمر كذلك لأصبحت كل مسرحية قصيرة ميكروتياترو.
لكن الحقيقة أن التجربة الإسبانية المؤسسة تخبرنا بعكس ذلك. فالعرض القصير كان مجرد نتيجة، بينما كانت نقطة الانطلاق الحقيقية هي المكان. لقد ولدت التجربة من محاولة مسرحة غرف بيت الدعارة وتحويلها إلى فضاءات فرجوية حية. ولذلك فإن الفضاء الطارئ ليس عنصراً مساعداً في الميكروتياترو، بل هو جوهر وجوده.
وهنا يبرز سؤال جديد:
ما جوهر النانوتياترو؟
الجوهر هنا ليس المكان بل النص،
فالنانوتياترو لا يبدأ من الغرفة ولا من المقهى ولا من المستودع المهجور، بل يبدأ من سؤال آخر:
ما الحد الأدنى من الكلمات والأحداث الذي يسمح باستمرار وجود الدراما؟
إنه بحث في اقتصاد الكتابة أكثر من كونه بحثاً في اقتصاد المكان، ولهذا يمكن أن يقدم النص النانوني في أي فضاء كان، بينما يفقد الميكروتياترو جزءاً كبيراً من هويته إذا انتزع من فضائه الطارئ.
لكن إذا كان الاختلاف يبدأ من نقطة الانطلاق، فهل ينعكس ذلك على البناء الدرامي؟وبصيغة أخرى هل يتشابه البناء الدرامي في القالبين؟
ظاهرياً نعم، لكن عملياً لا.
فالميكروتياترو يضغط البناء التقليدي للمسرحية دون أن يلغي مراحله الأساسية، فما زالت هناك شخصيات تتطور، وأحداث تتصاعد، وصراع يبلغ الذروة ثم يتجه نحو الحل.
أما النانوتياترو فيتخلى عن معظم هذه المراحل.
إنه لا يبدأ من البداية بل من الذروة، ولا يقدم تمهيداً بل يفترضه، ولا يشرح الأزمة بل يقذف المتلقي في قلبها، وكأن الكاتب يقتطع شريحة متوهجة من الحدث ويقدمها منفصلة عن جسد الحكاية.
لكن لماذا يلجأ النانوتياترو إلى هذا القدر من التكثيف؟
هل التكثيف خيار جمالي أم ضرورة بنائية؟
في الميكروتياترو يعد التكثيف وسيلة.
أما في النانوتياترو فهو غاية.
فالعرض الذي لا يتجاوز مدة عرضه دقيقتين لا يسمح بتراكم الأحداث ولا بتنامي الشخصيات وفق المنطق التقليدي، ولذلك تتحول كل كلمة إلى حدث، وكل جملة إلى صراع، وكل إشارة مسرحية إلى شبكة من الدلالات المختزلة.
إن الكاتب هنا لا يروي العالم، بل يلمح إليه.
ولا يقدم الإجابة، بل يصنع السؤال.
وهنا نصل إلى سؤال آخر:
إذا اختلفت الكتابة فهل يختلف التلقي؟
بالتأكيد.
فالمتلقي في الميكروتياترو يشارك في تجربة مكانية حية. إنه يرى الجدران الحقيقية والأبواب الحقيقية والممرات الحقيقية، ويتفاعل مع فضاء أصبح جزءاً من العرض.
أما متلقي النانوتياترو فيشارك في تجربة تأويلية،إذ إنه مطالب باستكمال ما حُذف من النص.
وملء ما تُرك من فراغات، وفك الشفرات الكامنة خلف الجمل المكثفة، فإذا كان الميكروتياترو يراهن على حميمية المكان، فإن النانوتياترو يراهن على ذكاء المتلقي.
لكن هل يعني ذلك أن النانوتياترو مجرد امتداد للميكروتياترو؟
هنا تكمن الإشكالية.
فالخلط بين القالبين جاء من التشابه في القصر الزمني، لا من التشابه في الرؤية الجمالية.
الميكروتياترو ثورة على الفضاء المسرحي التقليدي.
أما النانوتياترو فهو ثورة على الزمن الدرامي نفسه.
الميكروتياترو يسأل:
كيف يمكن تحويل مكان غير مسرحي إلى مسرح؟
أما النانوتياترو فيسأل:
ما أقل قدر ممكن من الزمن والكلمات يمكن أن تظل معه الدراما دراما؟
ومن هنا فإن العلاقة بينهما ليست علاقة أصل وفرع، بل علاقة مشروعين مختلفين التقيا عند نقطة واحدة هي الاختزال، ثم افترقا في كل شيء تقريباً.
وأخيراً… لماذا نحتاج إلى النانوتياترو؟
لأن العالم يتغير.
ولأن إيقاع الحياة يتسارع.
ولأن المتلقي المعاصر لم يعد يستقبل الرسائل بالطريقة ذاتها التي كان يستقبلها بها قبل عقود.
لكن الأهم من ذلك أن النانوتياترو ليس مجرد استجابة للسرعة، بل محاولة لإعادة تعريف الفعل الدرامي ذاته.
فإذا كان المسرح قد عرف الملحمة الطويلة، ثم المسرحية القصيرة، ثم الميكروتياترو، فربما يكون النانوتياترو هو السؤال الجديد الذي يطرحه المسرح العربي على نفسه:
هل تستطيع الدراما أن تكتمل في دقيقتين؟
إن التجارب التي قدمها حيدر عبدالله الشطري، وقبلها الإرهاصات المبكرة للسيد حافظ، تدعونا إلى التعامل مع هذا السؤال بوصفه مشروعاً نقدياً وجمالياً مفتوحاً، لا مجرد تقليص زمني لشكل مسرحي قائم.
فالنانوتياترو ليس مسرحاً أصغر حجماً فحسب، بل ربما يكون طريقة مختلفة للتفكير في المسرح نفسه.

