جديد ( دار الفنون والآداب ) ــ العراق / البصرة
صدر حديثا للباحث (محمد قتيبة يونس) وتقديم : للاستاذ الدكتور (محمد صابر عبيد) كتاب “فضاء التحولات الجمالية : قراءة في محترف الفنان محمد اسماعيل” .
يقع الكتاب في 128 صفحة من القطع الكبير، ويضم مجموعة من الدراسات المسرحية النوعية، التي أضاءت بامتياز بعضا من التجارب والمواقف، والتنظيرات التي تسهم في بيان جوانب بارزة من مسيرة علمية وعملية ساطعة للاستاذ الدكتور (محمد اسماعيل الطائي).
محتويات الكتاب
تقــــــديم بقلم : أ.د محمد صابر عبيد…………………………..
مقدمة المؤلف: …………………………………………………
1- قــراءة في تحولات التمثيل……………………………….
استدعاء الذاكرة بين نرجسية الصمت والتباس البث …………..
ذاكرة الجسد في مونودراما (جــوف الحوت)…………………….
وجع الانتظار في عرض أمــــــادو ………………………………..
2 قراءة في تحولات الإخراج ــــ تقنية الإخراج في مسرحية………….
نديم شهريار (قراءة في شفرات الجســــد) …………………………………….
فاعلية التلقي في مسرحية (A.B.C.D.E.F) التعليمية لمحمد اسماعيل …….
لمحمـــــد إسماعيل ……………………………………………………………..
انتـماء المكـبوت إلـى قسـوة المعـلن:
(قراءة لمونودراما “مجـــرد نفايات) ………………………………………………
جمالية التلقي في مسرحية أيام الأسبوع الثمانيـــــــة ………………………………
دلالة الصور في عرض نشيط والعناصر الأربعـــة ………………………………….
مونودراما (حـلم) بين ذاكرة امرأة وواقع معاش ……………………………………
قراءة في التأليف ــــ الصورة في مسرح الأطفال :
(مسرحية المزرعة الآمنـــــة) نموذجاً……………………………………………….
البناء الدرامي في مسرحية المؤلــــــــف…………………………………………….
حوار مع الذات المبدعـــة……………………………………………………………..
الفنان محمد إسماعيل: (قراءة في الهويـة) …………………………………………
وجاء في مقدمة الكتاب ــ بقلم : أ.د. محمد صابر عبيد :
“ يشتغل هذا الكتاب على رصد فضاء التحولات الجمالية في تجربة الفنان محمد اسماعيل، وهي تجربة كثيفة ومتنوعة وواسعة تختزن خبرة عميقة في مجال الحراك الجمالي الدرامي على مستويات مختلفة، ولعل مقاربة تجربة من هذا النوع يمكن أن تصل الى نتائج جمالية ذات طبيعة مثمرة، حين يجد القارئ أن محمد إسماعيل الممثل يتماهى على نحو ما مع محمد إسماعيل المخرج ومحمد إسماعيل المؤلف، وهذه الفعالية الثلاثية تمثيلا وإخراجا وتأليفا تؤسس لفضاء خبروي عالي المستوى، وتعكس وعيا نظريا وأجرائيا تتجلى تطبيقاته في العرض والنص وقيادة العملية الدرامية معا.
إذ تشتغل فاعلية التمثيل على انتاج رؤية جسدية تمون الفكر بالكثير من مصادر الكتابة وتلهم قبادة العملية الدرامية بالعديد من العلامات والاشارات والارشادات التي لا يمكن أن يخظى بها المخرج غير الممثل، على النحو الذي تسهم فيه هذه السبيكة الذهبية داخل منطقة التمثيل والاخراج والتأليف في صقل الشخصية الدرامية وتهذيب ممكناتها الجمالية، وتحريضها على مضاعفة المعرفة من أجل إنتاج أجمل وأعمق وأكثر حرارة وتدفقا، على طريق التعبير المتعالي عن المقولة الدرامية التي يسعى إليها.
لا شك في ان هذا الكتاب الذي يقدمه الدكتور أحمد قتيبة توصيفا وأجراء وتحليلا لتجربة الفنان محمد إسماعيل انما يسهم أسهاما فاعلا في رصد التحولات الجمالية لهذه التجربة بين التمثيل والاخراج والتأليف، واذا ما عرفنا أن الفنان محمد اسماعيل هو أكاديمي متخصص في مجال الدراما ذلك يجعل هذا الكتاب درسا دراميا أصيلا، بوسع القارىْ التعلم منه والاسترشاد فضلا عن الاستمتاع بالكشوفات التي تمكن المؤلف من تحقيقها فيطبقات التجدربة وتمظهراتها وخفاياها.
كتاب (فضاء التحولات الجمالية في محترف الفنان محمد إسماعيل ) للدكتور أحمد قتيبة هو كتاب إجرائي لتجربة ثرية، وهو والتجربة يستحقان الاشادة والقراءة في رصد قيمة التحولات الجمالية وانعكاسها على مجمل العملية الدرامية الواقعة تحت سلطة الدرس، أنه كتاب جدير بالمتابعة والاطلاع فهو يجمع بين المعرفة والمتعة أسلوب أكاديمي حر ومفتوح على الفكرة واللقطة والطريقة بكل حيوية“ .
وفي تقديم ـــ المؤلف ــ أحمد قتيبة :
ورد الآتي :
“ تظهر تقانات الإخراج عند محمد إسماعيل الطائي عند مدخل يشير إلى عالم لا يقف عند حدود التقـنع، ويتعداها إلى العناصر التي أسهمت في خلق الآفاق المحفزة لهذه العملية، ففي تلك البيئة تتشكل الصورة المعرفية شفاهياً، ثم تخلق من عمقها الاجتماعي عالماً متجانساً في ألفتها حين يتحول الواقع إلى هيئة تكتسب في الذهن (هويةً)، تساعد على مواجهة العالم، ومن ثم السيطرة على ما يحدث في انعكاسها ما بعد الخشبة.
إن عرض الأشياء المسرحية ومنحها نمطاً من (التسمية) يعني بالضرورة اغتيال الخوف في داخل نفسه بوصفه إنساناً أولاً ومخرجاً ثانيا، وتأذن ببداية عالم جديد يتعامل مع الآخر، يدجنه لحساب العرض، بعد أن كان يهرب منه ويسعى إلى الانفصام عنه بطرق مختلفة؛ لأن إدراك الآخر في تلك اللحظة كان يشكل وعياً بطاقة سحرية، يحاول أن يحقق من خلالها ترويض العالم ليجعل منه كائناً موجوداً.
ليس من الغريب أن يتخذ محمد إسماعيل الطائي من وعيه بالأشياء دريئة تـقيه من إخفاء المجهول، وتحول قدراته لتتجه إلى إشباع حاجاته البيولوجية، والسيكولوجية، فبارقة الوعي التي سطعت في ذهنه، قدمت له (أداة) حاول بوساطتها أن يشكل نسقاً فكرياً يعبر عن حاجاته الاجتماعية والطبيعية، فلجأ إلى الوسائل التي تخلق له تناغماً بين حاجاته المادية والروحية، ليُكون من هذه (الثنائية) علاقةً متبادلةً تصل إلى حد الموازنة بينهما ليحدث التأثير في […….] وعمل على خلق عالماً لم يكن (وهما) بل كان (هدفاً) بأدواته وخبرته العلمية. فكان مجال الفن والمحاكاة المجردة في نظره ميداناً خاصاً قائماً بذاته مختلفاً عن الواقع التجريبي ومنفصلاً عنه. وهذا التصور هو سمة أساسية لعقليته بوصفه مخرجاً وملمحاً ينعكس في نمط تفكيره، وبخاصة فيما يتعلق بالفهم العام لحقيقة الأشياء. فحاول أن يشق طريقه في مواجهة (الفعل) مشكلاً كينونته تشكيلاً ينسجم مع ما يحدث في خواطره وتأملاته من رؤى وأفكار لتتحقق الذات عن طريق أولي للخلق والإبداع والتشكيل، غير أن هذا كان شعوراً مبكراً بفرصة (الصنع) والقدرة على التحويل، إلا أن هذا الشعور الخلاق لم يتجسد في أعمال فنية مستقلة. بل تحول إلى شكل ثقافي يحقق متعة جمالية وروحية تنفذ من مفهوم التأمل الخالص للعمل، فحاول أن يعبر عن فلسفة (الموت/الحياة) بأن يعادلها موضوعياً باتحاد جسد الممثل بالأشياء المسرحية والممسرحة، ثم تبنى مبدأ التحديد التالي: كيف بدأت الحياة وكيف تعمل أي أن ذلك الاتحاد هو في الحقيقة بداية الحياة، ونشأتها ومبدأ عملها ووظيفتها، وهذا المبدأ يقرر أن اتحاد الجسد بالأشياء، هو أصل حياة صاحب هذا الجسد بينما انفصالها هو الموت.
ولا يمكن أن يوجد أحدهما بدون الآخر؛ لأن حياة الإنسان ليست حياةً بيولوجيةً خالصة، كما انه لا يمكن أن يوجد (كائن) حي دون اتصاله أو احتكاكه بالأشياء.
وهنا تظهر لعبة الإخراج عند محمد إسماعيل، حينما استخدم التقانات التجريبية في تعاملها مع الأشياء المسرحية، ووظفها في الاتصال بالجسد، وألبسه قناعاً يتشخصن في ذهن المتلقي؛ لأن الأقنعة تعني مصدراً من مصادر القوة التي تحقق للإنسان استقراره وبهجته لاسيما حين يتخلص من مصادر رعبه، وكذلك وتساعده على إنجاز مشروعه الإيصالي:
مرسل ـــــــــــ رسالة ـــــــــــــ متلقي
ويبدو أن هذه الأقنعة تستخدم لإقامة شكل من أشكال التوازن في المجتمع، فعند الأخذ بعين النظر الجذور الميثولوجية (للقناع)، يمكن بيان ما تحققه تقنية استخدامها، بوصفها وسيلة اتصال عالية التأثير بين النظامين المادي والروحي، على الرغم من الإحساس بوحدة هذين العالمين، فالقناع استعادة للروح وبثها في العالم من جديد وبشخص جديـد، وهي تعكس علاقة أسطـورة سحرية لها القدرة على السـيطرة في عالم الطبيعة.
فكيف يكون تأثير تلك (الأقنعة) التي ألبسها محمد إسماعيل لشخصياته المسرحية؟
إن العرض المسرحي بما فيه من قدرة على الإبهار والإدهاش يعمل على إلغاء الزمن بأن يضع المتلقي في تماس مع الأحداث والمفاهيم المراد طرحها، ومن ثم يحدث (التسامي) ممزوجاً بالحس الجمعي عنده ليعمل على تفريغ الشحنات الثـقيلة الذي ينوء بحملها ذهنه، وهذا ما يدعى بالتطهير.
ولهذا النوع من (التفكير) أثره المباشر في الوصول إلى العلاقة بين الكلمة والفعل، تلك العلاقة المتمثلة في الحركات المعبرة عن شفرات الجسد، التي توشك أن تكون خطوة أولى في طريق الإنسان نحو العمل المسرحي، ويمكن أن نعدّ هذا الأمر شكلاً من أشكال التعبير الإنساني الذي يسعى إلى المصالحة مع الكون وأحداثه المتشابكة؛ لأن الخطاب في العرض المسرحي يتم انتزاعه ذهنياً عن طريق تلقي الصور والإيحاءات التي يبثها العرض المتشكل من مجموع العناصر التي تعمل وفق النظام المنتج للدوال، فالإضاءة مثلاً في عروض محمد إسماعيل ليست إنارة، إنما هي قيمة لونية تحمل المعنى وتساهم بدفعه إلى ذهن المتلقي، كذلك الحال لطبيعة فضاء العرض فهو الوسط الذي يتم فيه الاتصال بين العرض والمتلقي، كما يؤثر بشكل مباشر على طبيعة الإخراج، وبالشكل الذي يؤثر فيه على طبيعة المتلقي أيضاً، فضلاً عن هيمنته على النحت الحركي للجسد، كما أن طبيعة الحركة والنحت الحركي التي يؤديها جسد الممثل يساهم في صنع تلك الموجات البصرية التي تتجه إلى المتلقي.
فعروض محمد إسماعيل لابد وأن تنتظم في النهائية لمنهج جمالي ومعرفي يشكلان خطاباً معيناً ويقود المتلقي نحو جوهر المنجز الإبداعي دون أن يتركه يتخبط في مساحات التأويل، إن الخطاب الذي يبتغيه هو كل ما يمت للأفكار والحركة الذهنية بصلة، إذ يتم انتزاعه عقلياً عن طريق استقبال الصور المسرحية التي تصطدم بحواس المتفرج وتشتبك بمكوناته الذهنية (خبرات/ معلومات/ تطلعات/ إرث عقلي وروحي…الخ) لتخلق عالماً معادلاً لعالمه الداخلي من جهة، وتعويضاً لعالمه الخارجي المأزوم من جهة أخرى.
فخطاب محمد إسماعيل المسرحي، جمالي محكوم بخطابه المعرفي؛ لأن الجمالي لا يستنتج إلا وفق نظام الدلالات المعرفية الدقيقة، وتلك هي ميزة الفنون المرئية بشكل عام وميزة الفن المسرحي بشكل خاص، فالخطاب المعرفي هو الذي يحدد العمل التقني للإخراج الذي ينبع أصلاً من رؤية المخرج، الذي يشكل بدوره المتلقي الأول قبل متلقي الصالة، ومن ثم فإن الخطاب المعرفي هو سابق ومتأخر في آن واحد داخل الصنعة المسرحية.

