قراءات نقدية

كتاب الخميس (الحلقة السادسة والثمانون)

إعداد وتقديم: أرسلان درويش

 

اسم الكتاب: “مجاورات فكرية وفنية: شواهد وتطبيقات لقراءة المخبوء

                        في الفن المسرحي”

اسم الكاتب: أ.د. حسن عبود النخيلة

اسم الناشر : دار الفنون والآداب للطباعة والنشر والتوزيع، العراق ـ بصرة.

******************

بوح الركح وفلسفة العرض

 

يُشكل عنوان كتاب الأكاديمي والناقد العراقي أ.د. حسن عبود النخيلة، الصادر بعنوان “مُجَاوَرَاتٌ فكرية وفنية: شواهد وتطبيقات لقراءة المخبوء في الفن المسرحي”، مدخلاً إبستمولوجياً عالي الكثافة والإيحاء. فمفردة – المجاورات – بحد ذاتها تفارق المفهوم التقليدي المتمثل في – الدراسات المقارنة – أو المقاربات السطحية، لتؤسس لفضاء أرحب وأكثر ديناميكية، حيث يتقاطع النص المسرحي مع الفلسفة، وعلم الجمال، والتداولية اللسانية، والسوسيولوجيا، في خطوط متوازية ومتداخلة تتجاور ولا تذوب، وتتحاور دون أن يفقد أي حقل هويته الصارمة. إنها مجاورات لا تبحث عن التطابق، بل تنقب عن – المخبوء – ؛ ذلك المنسي والمقصي والمسكوت عنه في البنى الدرامية الكلاسيكية والمعاصرة.

وانطلاقا من المقدمة التي وضعها المؤلف، فأنها تشتغل بمثابة المانيفستو النقدي الذي يحدد بوصلة الكتاب؛ إذ ينطلق الكاتب من فرضية أساسية مفادها أن الفن المسرحي الحقيقي ليس مجرد مرآة عاكسة وباردة للواقع، ولا هو ترف شكلي أو حكائي استهلاكي، بل هو – أداة مجابهة – كبرى. يقرر النخيلة في عتبات كتابه أن الخطاب المسرحي يمتلك قدرة فريدة على استنطاق التناقضات التاريخية والاجتماعية الكبرى، وتفكيك السلطة بأنساقها المختلفة (السياسية، الدينية، والثقافية)، مستنداً إلى رؤية تحليلية لاكتشاف ما وراء السطح الحكائي للنص. وبهذا الفهم يقدم دعوة صريحة للتحرر من النقد الانطباعي والاستهلاكي، نحو نقد علمي جاد يمسك بجوهر التجربة الفنية ويضعها في سياقها الإنساني والجمالي الشامل.

ويفتتح المؤلف فصول كتابه بمعالجة إشكالية غاية في التعقيد الفلسفي والجمالي، وهي إشكالية – الثابت والمتغير-، متخذة من العلاقة التوترية بين النص التاريخي (بصفته وثيقة ومرجعاً ثابتاً) والنص الفني (بصفته إبداعاً متغيراً ومتحولاً) ميداناً للاشتغال.

يتناول النخيلة الجذور الفلسفية؛ بدأ من الجذع الأول للفلسفة الغربية حيث نظر أفلاطون إلى الفن باعتباره انعكاساً مشوهاً لعالم المُثل،عادّاً إياه مجرد محاكاة للمحاكاة (مرتبتين بعيداً عن الحقيقة)، ومفضلاً الثابت المطلق على المتغير الظاهري.

و في المقابل، يحلل المؤلف ببراعة النقلة النوعية التي أحدثها أرسطو حين منح الشعر والمتغير مرتبة أقدم وأكثر فلسفة وفكريّة من التاريخ؛ فالتاريخ يسجل الجزئي الفردي الواقعي (ما حدث بالفعل)، بينما يعنى الشعر بالشامل والاحتمالي والكلي (ما يمكن أن يحدث)، مما يجعل الفن فضاءً أرحب وأعمق لإدراك كنه الوجود البشري.

ويتتبع النص قراءات هيغل الفلسفية لتطور الوعي الإنساني عبر مراحل الروح الثلاث (المرجع الأصيل، المرجع المكثف، المرجع المتحول)، مؤكداً أن الفن الحديث يحرر المدونة الفنية من أسر المحدود التاريخي إلى فضاء اللامحدود، لتصبح الوثيقة التاريخية مادة خاما يعيد صياغتها الخيال الإبداعي.

و لا يتوقف الكاتب عند التنظير الفلسفي المجرد، بل ينزل به إلى أرض التطبيق المسرحي؛ حيث يستعرض كيف استثمر المسرح العالمي والعربي عبر تجارب ( أونيل، واستريندبرج، وتوفيق الحكيم، وسعد الله ونوس، ومحمود دياب) ويسخلص في إن المسرح لا يكتفي بنقل الوثيقة أرشيفياً، بل يمسك بالمتغير ليواجه به ثبات السلطة وجمودها، محولاً الحدث التاريخي إلى مسرحة نقدية تنويرية تقلق السكون الفكري وتدفع المتلقي إلى إعادة قراءة الماضي بعيون الحاضر وإشكالاته.

ويغوص الفصل الثاني من الكتاب في واحدة من أهم وأقدم التقنيات الجمالية والفكرية في تاريخ المسرح الإنساني، وهي – تجربة القناع في النص المسرحي -، بوصفه استراتيجية مراوغة تتيح للمبدع التمرد على القمع وتمرير الخطابات النقدية الخطيرة والساخرة.

حيث يتتبع (النخيلة) نشأة القناع في المسرح الإغريقي القديم، لا سيما عند التراجيديين الكلاسيكيين (أسخيلوس، سوفوكليس، يوريبيديس)، حيث كان القناع أداة لتضخيم الصوت وإبراز الملامح الكونية للشخصية التراجيدية. ولكنه يتوقف مطولاً عند الأبعاد السياسية والاجتماعية للقناع في الكوميديا اليونانية، متمثلة بمسرحيات أريستوفانيس مثل (الفرسان والضفادع)، حيث تحول القناع إلى أداة سخرية لاذعة وفضح سياسي مباشر للطبقات الحاكمة والديماغوجيين، مستغلاً حماية الطقس المسرحي لتمرير أجرأ الآراء السياسية.

ومن ثم ينتقل الفصل عبر التاريخ المسرحي ليشمل حقب التطور الكبرى:

كحضور القناع عند لوب دفيجا في الإسباني، ومولير في الفرنسي، حيث وظف هجومه العنيف والساخر على النفاق الديني والاجتماعي في مسرحيات خالدة مثل – طرتوف –

بيرانديلو وتفكيك الهوية: يخصص الكاتب وقفة تحليلية عميقة للتحولات الفلسفية العميقة للقناع عند لويجي بيرانديلو، حيث يغدو القناع هنا تعبيراً عن أزمة الهوية الإنسانية، والصراع المرير بين -الوجه الحقيقي- و- القناع الاجتماعي – ومسرح المرآة الذي يكشف زيف الواقع ويجرد الشخصيات من أقنعتها الزائفة.

برتولت بريخت والتغريب: يستعرض الكاتب كيف أعطى بريخت للقناع أبعاداً تاريخية وسياسية عبر تقنيات (التغريب)، حيث لا يعود القناع أداة إخفاء، بل أداة كشف وتعري للأنساق الطبقية والرأسمالية.

الحضور العربي: توفيق الحكيم والبحث عن الجوهر

في السياق العربي، يضيء الكتاب ببراعة توظيف القناع، خصوصاً عند توفيق الحكيم في مسرحيته الشهيرة – يا طالع الشجرة – حيث يمتزج التراث بالعبث والرمزية الصوفية والفلسفية لإدانة السلطة وتجاوز المحظورات الرقابية، ليثبت النخيلة أن القناع في المسرح العربي كان دائماً درعاً واقياً وسيفاً نقدياً بوجه الاستبداد والجمود الفكري.

في الفصل الثالث، يدرس المؤلف أ.د .جسن عبود النخيلة؛ (جماليات الرمز في المسرح) متكئاً على مرجعيات فلسفية كبرى ومذاهب جمالية متعددة. الرمز هنا ليس مجرد إشارة لغوية دلالية بسيطة، بل هو بؤرة لتكثيف الوعي الكوني والفلسفي.

المرجعيات الفلسفية للرمز

يربط النخيلة بين نظرية الرمز وتجلياتها الكبرى في الفلسفة الغربية:

النظرية الأفلاطونية: الرمز بوصفه تجسيداً عالمياً لعالم المُثل الخالدة.

النقد الكانطي: فلسفة الجمال الخالص والإيقاظ الحر للقدرات المعرفية.

الحدس الكروتشي: الرمز كتعبير عن الحدس الفني الخالص الذي لا تقيده القوالب المدرسية المنطقية.

هيغل وشوبنهاور وبرجسون: كيف نظر هيغل لأنماط الرمز، وكيف وظف شوبنهاور الفن لإبطاء الإرادة وتجاوز الألم، وصولاً إلى مفهوم – الدفع الحيوي – عند هنري برجسون الذي يمنح الحركة الدرامية طاقة رمزية متجددة.

كما ويحدد المؤلف تطبيقات جمالية صارمة للرمز في النص المسرحي تتلخص في الآتي:

تصنيف الرمز: التفريق الدقيق بين الرمز الاتفاقي (غير النقي) القائم على اصطلاحات ثقافية متفق عليها، والرمز غير الاتفاقي (النقي) الذي ينبجس بعمق من صميم التجربة الجمالية الكونية.

السكون الدرامي (الدراما الساكنة): استكشاف التقنيات التي تعطل الصراع الخارجي الصاخب لصالح توتر داخلي عميق مستمد من فلسفة إبطاء الإرادة والتأمل الوجودي الصرف.

الغموض وتغيير النسب: كسر قواعد الواقعية الفجاجة لصالح خلق عوالم درامية تعتمد على الغموض الخلاق وتغيير النسب الواقعية للأشياء والأزمان.

تراسل الحواس: استثمار الطاقة الموسيقية وتراسل الحواس (الجمع بين المتضادات البصرية والسمعية والحسية) لخلق سيمفونية درامية متكاملة الأركان.

ويبحث الفصل الرابع من الكتاب ؛ في (سوسيولوجيا اللاعنف في الخطاب المسرحي المعاصر)، وهو فصل يتسم براهنيته الشديدة في عالم يعج بالصراعات والحروب والأزمات الطاحنة.

و يستند الكتاب إلى رؤية جاك سمولان في تعريف اللاعنف بوصفه طاقة إيجابية واعية تسعى للحفاظ على كيان الآخر واستمرار العلاقة، وليس مجرد استسلام سلبي أو عجز تاريخي.

يوظف الكاتب طروحات أورتيجا إي جاسيت في – إنسان المجموع – وفلسفة الفن الحديث ورفضه للمحاكاة البحتة لصالح السخرية الواعية وتشريح النفس البشرية من الداخل.

المسرح الكلاسيكي مقابل المسرح الحديث

يقيم النخيلة مفارقة نقدية عميقة ومضيئة بين نوعين من الخطابات الدرامية:

التراجيديا الكلاسيكية: القائمة على حتمية – المتعالي – والقدر الأعمى، والتباعد الصارم بين العقل والحقيقة، حيث ينتهي الصراع حتماً بالدمار الشامل والموت التراجيدي الفاجع (الكاثارسيس عبر الألم والعنف).

المسرح الحديث (نموذج هنريك إبسن وغيره): الذي حيّد السطوة المتعالية وألغى الحتميات القدرية، واحتفى بالعقل العلمي والحوار العقلاني بديلاً عن الصراع الدموي البدائي، معتبراً المناقشة والحوار هما محك الدراما الحقيقي، ومؤكداً قدرة المسرح على تبني قيم اللاعنف والتسامح لمعالجة الأزمات الإنسانية الكبرى.

و يُعد الفصل الخامس ذروة سنام الكتاب وقاعدته الإجرائية التطبيقية الميدانية، حيث يُخضع المؤلف مسرحية (إنسوا هاملت) تأليف وإخراج المخرج العراقي الكبير جواد الأسدي لتحليل نقدي عميق يستند إلى نظريات التداولية الحديثة، وأفعال الكلام لجون أوستن، ومبادئ بول غرايس التواصلية. حيث يفكك النخيلة القراءة الإخراجية والنصية لجواد الأسدي لهاملت شكسبير؛ حيث لا يظهر هاملت هنا بطل التراجيديا الفلسفية المتردد، بل يُصور شخصية باردة كبرود الثلج، منزوية في تأملات لاهوتية وفلسفية مجردة تتجاهل عالم الجريمة الفعلي وهتك المحرمات وتواطؤ السلطة، بل وتسوغ جرائم أعدائها ضمناً. وفي المقابل، يعيد النص الإخراجي الاعتبار لشخصيات مهمشة أو ثانوية مثل لايرتس وشقيق أوفيليا الأعمى ليكشف عن قمة البصيرة الحقيقية مقابل عَمى البصيرة لدى البطل التقليدي.

هدم المقدس والإدانة التداولية

يعتمد النص المسرحي -بحسب تحليل النخيلة- على استراتيجية هدم المقدس وتهشيم المطولات الخطابية الكلاسيكية مثل مونولوغ هاملت الشهير -أكون أو لا أكون- وتحويلها عبر أفعال كلامية غائية، تهكمية، وساخرة، إلى إدانات صريحة للتقاعس الفكري والسياسي الذي لا يسعى لتغيير الواقع بل يبرره.

الأنماط الأدائية في العرض

يبرز التحليل كيف تتشكل الأداءات في العرض بين أنماط متعددة:

الأدائية المعقدة: التي تشتبك فيها الدلالات النفسية والاجتماعية.

الأدائية المعاكسة: المتمثلة في مواجهة السؤال بجواب متنافر أو مختزل يربك أفق توقع المتلقي.

الأدائية المفتوحة واللاتواصلية: التي تجرد الخطاب من مرجعياته التقليدية لتصبح أدائية صرفة، تشتبك مع وعي المتلقي وتستفز طاقته التأويلية القصوى، مكرسة فرادة العرض المسرحي لجواد الأسدي بوصفه تجربة استثنائية في المسرح العربي المعاصر.

لقد أثبت الأستاذ الدكتور حسن عبود النخيلة مرة اخرى في كتابهِ ( مجاورات فكرية وفنية: شواهد وتطبيقات لقراءة المخبوء في الفن المسرحي) أنه باحث استثنائي يمتلك أدوات المنهج وصرامة الأكاديمية وشفافية المبدع معاً. إن هذا الجد المعرفي الأستثائي ،لا يمثل مجرد إضافة عددية للمكتبة المسرحية فحسب، بل يُمثل نقلة نوعية في منهجية التلقي والتحليل النقدي، إذ نجح المؤلف باقتدار في جسر الهوة العميقة التي طالما فصلت بين التنظير الفلسفي الجاف والتطبيق الإجرائي الحي.

و رؤية الكاتب الإبداعية تتجلى في قدرته الفائقة على الحفر في طبقات النص المسرحي والعرض، متجاوزاً القراءات الانطباعية السطحية التي اكتفت طويلاً بسرد الحكايات أو تتبع الخطوط الدرامية الظاهرة، ليغوص في المخبوء؛ في الأنساق المضمرة، وفي البنى التحتية للفكر والسلطة والمجتمع.

إننا أمام عمل مرجعي اصيل، يقرع أجراس الوعي الجمالي، ويقدم للباحثين والممارسين والنقاد خارطة طريق صارمة وثرية لإعادة قراءة الفن المسرحي بوصفه طاقة تنويرية كبرى لا غنى عنها في فهم الإنسان، وتفكيك أوهامه، وصياغة أسئلته المصيرية من جديد.

Alfurja

Alfurja

About Author

موقع مجلة الفرجة صادر عن: مركز الفنون العربية الفرجة.
الملف الصحافي: 37/ 2014ص.
الايداع القانوني: ردمد 9452/2421

اشترك في نشرتنا الإخبارية

    خلف الكواليس وفي قلب الحدث.. اشترك لتعرف كل جديد وتصلك كواليس المسرح وأخباره إلى بريدك

    جميع الحقوق محفوظة © 2026

    error: نعتذر، نسخ المحتوى غير مسموح به لحماية حقوق الملكية