مقالات

جدلية الاستيعاب والتجاوز في المسرح المغربي:

مقاربة في ضوء مفهوم الهجنة عند خالد أمين

 

محمد الزنجلي

 

لا شك أن المسرح المغربي عرف شأنه شأن باقي مسارح العالم تغيرات عدة على مستوى الشكل والمضمون، كما أنه تجاوز عدة إكراهات مرتبطة أساسا بسؤال التبعية/الاستقلالية، مما دفع بالمسرحيين المغاربة إلى التفكير في استنبات مسرح مغربي بأصوله المغربية/العربية عن طريق استلهام التراث موازاة مع خلق جسور ثقافية وفكرية مع الآخر (الغرب). وفي هذا السياق يشير نور الدين محقق إلى أنه بمجرد أن: “تحقق الاستقلال حتى بدأت مجموعة من الفنانين الشباب في محاولة جريئة لإخراج الفن المسرحي من دائرة الانغلاق التبشيري الضيق وإدخاله في المجال الإبداعي الرحب، إن على مستوى القضايا التي يطرحها أو على مستوى الشكل الفني الذي يقدم به” (1)؛ أي أنهم بهذا التوجه يعملون على “استيعاب الثقافة الفرجوية الوافدة من الآخر وتجاوزها في الآن نفسه، في أفق إنتاج المختلف ضمن مسارات التأصيل”(2).

ويجد هذا التوجه سندا نظريا فيما ذهب إليه الناقد المسرحي خالد أمين الذي جعل من مفهوم “الهجنة” نقطة ارتكاز أساسية لفهم آليات اشتغال المسرح العربي/المغربي المعاصر وبنائه. فأمين يقارب العلاقة بين الموروث المحلي والمنجز المسرحي الغربي من منطلق “النقد المزدوج” حيث يستند في ذلك إلى “فكرة عالم الاجتماع المغربي عبد الكبير الخطيبي الذي طالب بـ”سوسيولوجيا ضد الاستعمار” في العالم العربي مبنية على نقد مزدوج: يقوم أولا على تفكيك التمركز حول اللوغوس الناتج عن المعرفة السوسيولوجية والكتابة السوسيولوجية اللتين كانتا تتكلمان باسم العالم العربي، ويغلب عليهما الطابع الغربي وأيديولوجيته المتمركزة على الذات. ويقوم ثانيا على نقد للمعرفة والكتابة السوسيولوجية اللتين أنجزتهما مختلف مجتمعات العالم العربي حول ذاتها”(3). وبذلك يدعو خالد أمين إلى نقد المركزية الغربية وتفكيك ثنائيتها التقليدية (المركز/الهامش) من جهة، ومساءلة الهوية المحلية ذاتها ونقدها من جهة أخرى، بحيث لا يتحول التراث إلى مرجعية مقدسة تُستدعى دون وعي نقدي.

وبالتالي ينخرط هذا المسرح فيما أسماه أمين بـ”حداثة الجنوب” “التي ترفض فكرة الحداثة الخطية ذات المركز الواحد، وتقترح بدلا منها حداثات متعددة ومتداخلة، دون فقدان الخصوصية. وفي هذا الإطار، يصبح المسرح المغربي المعاصر فضاء لتجليات هذه الحداثة الجنوبية، حيث تتلاقح التأثيرات المحلية والإقليمية والعالمية، منتجة خطابا مسرحيا فريدا، لا يقع أسيرا لنموذج مستعار ولا ينكفئ على هوية مغلقة، بل يعيد ابتكار ذاته باستمرار في حوار خلاق مع العالم” (4). وبهذا المعنى، فإن الهجنة عند أمين ليست مجرد تعايش سطحي بين عنصرين متباينين، بل هو مسار جدلي منتج، يتأسس عبره مسرح مغربي معاصر قادر على استيعاب المنجز الغربي وتجاوزه في آن، دون أن يفقد صلته بخصوصيته الثقافية والفرجوية.

من هنا، كان المسرح المغربي يمزج بين مادة مستقاة من التراث الشعبي وتقنيات مستلهمة من المسرح الغربي. ولعل من تجليات انفتاح المسرح المغربي على المسرح الغربي وعلى مسرح بريخت على نحو خاص هي “هذه العودة للأصول أصول الحكاية والانطلاق من منطقها باعتبارها خزانا للتراثات في الثقافات الشعبية، ومنها خزانا لإوليات تشكل وعي الناس بواقعهم في لحظة تشكل هذا الوعي” (5).

إن المخزون الثقافي والشعبي المتمثل في مظاهر الاحتفال والفرجة والتقاليد والعادات قد مهد الطريق أمام المسرحيين المغاربة لعودة أصول هذا الموروث لينهلوا منه موضوعات لمسرحياتهم، من حيث هي موضوعات مشتركة بين جميع أطياف المجتمع، مما يجعلهم ينخرطون بسهولة في اللعبة المسرحية ويشاركون في صناعتها، وهنا “يكمن خزان الذاكرة الجمعية لهم حيث نسمي هذا الخزان بالتراث أو الثقافة الشعبية والتي تكون جميعها منطلقا وأساسا لأنطمة الفرجة وكيفية تلقيها وبشكل آلي ما دام رسوخها قد تم بالفعل من جراء الممارسة الاجتماعية للحياة التي يكون عليها الناس وفي اشتراطات العلائق المنسوخة اجتماعيا واقتصاديا وثقافيا” (6). وقد شكلت “الحلقة” بما هي فضاء احتفالي أصيل أهم الأشكال ما قبل المسرحية التي كان التركيز منصبا عليها في صناعة الفرجة لما تحتضنه من أشكال بدائية من التمثيل والفرجة، حيث كان الحكواتي والمداح والبساط يمارسون سلطتهم على المتلقي عبر تقنيات الإيهام والتشويق والارتجال، وهي التقنيات نفسها التي سيستثمرها لاحقا رواد المسرح المغربي في بلورة رؤية جمالية متفردة. فقد استطاع الطيب الصديقي على سبيل المثال أن يوظف عناصر هذا التراث الشعبي مثل: الحلقة، والبساط، سيدي عبد الرحمن المجذوب… في بناء عروض مسرحية حداثية الشكل وأصيلة من حيث مضمونها، كما كان يعرض فرجاته في الساحات العمومية، كساحة جامع الفنا، التي يقول عنها الطيب الصديقي: “جامع الفنا مسرح يتجاوب مع حاجيات جمهور شعبي تلقائي حي هذا المسرح أو لنقل هذه المسارح ساهمت وتساهم باستمرار في خلق أو إعادة خلق مسرح وطني فكل أبحاثنا من سنة 1965 مرتبطة بجامع الفنا منذ مسرحية ‘ديوان سيدي عبد الرحمن المجذوب’ سنة 1965 إلى الملحمة التاريخية ‘نحن’ التي أعددناها خلال صيف 1986 كل أبحاثنا حول النص أو في موضوع لعب الممثلين أو بصدد الإخراج أو الديكور أو الملابس أو التوابع يزكيها جامع الفنا منبعها الأصلي ونعتبر هذه العناصر أساسية لأي عملية إبداعية تريد أن ترتوي من جذور شعبية كمنطلق لكل تجربة تهدف إلى أن تجعل من المسرح وسيلة للقاء بالناس” (7). وهو بهذا يؤكد أن العودة إلى التراث لا يمكن عدها نكوصا أو اجترارا، لكونها إعادة إنتاج واعية تخدم أسئلة الحاضر وهمومه.

كما لا يمكن إغفال الدور الذي لعبه التوجه الاحتفالي بريادة عبد الكريم برشيد والذي نظّر لمفهوم الاحتفالية كمشروع فكري وجمالي يسعى إلى تخليص المسرح المغربي من الوصاية الغربية وإعادة الاعتبار لطقوس الاحتفال والجماعة والمشاركة الجماهيرية، إذ انطلق من فكرة أن المسرح في جوهره احتفال جماعي قبل أن يكون نصا مكتوبا أو عرضا مغلقا يفصل بين الخشبة والصالة. هكذا تكون المدرسة الاحتفالية قد رفضت “المسرح اليوناني والغربي عموما، ودعت إلى مشاركة الجمهور في اللعبة المسرحية، وفي الفعل المسرحي، ومن خلاله، في الفعل الاجتماعي، وأصبح للجمهور -عندها- مفهوما مغايرا. فلم يعد هو المشاهد المتأثر المستهلك بل المشارك والمؤثر، المبدع والمنتج” (8). كما نجد هذا التوجه لدى المبدع المسرحي محمد قاوتي الذي “كان همه الأول غرس هذا المتلقي في عمق الأطروحات التي يقدمها التراث بشقيه العالمي والعربي في نفس الآن، على اعتبار أنه إذا كان التراث الغربي يمثل لنا ذات أخرى بعيد، فإن التراث العربي هو في حد ذاته لا يمكن اعتباره إلا ذاتا أخرى هو الآخر، ولكنها قريبة منا” (9).

بيد أن هذا التوجه لم يخل من إشكالات نقدية، إذ طرح سؤال مدى قدرة هذا المسرح “المؤصَّل” على مسايرة هموم الإنسان المغربي المعاصر وقضاياه، دون أن يسقط في فخ الفلكلورية أو الاستعراض الشكلي الفارغ من العمق الدلالي. وعليه، “تبقى العلاقة بين المسرح العربي/المغربي مع المسرح الغربي، كما يذكرنا حسن المنيعي، علاقة قسرية، فرضتها هيمنة الثقافة الغربية. ومن هنا، استشكلت قراءة المنيعي وثلة كريمة من الباحثين العرب محاولات البحث الدؤوب عن أسمى سبل الانفلات مما أسماه التأرجح المأساوي بين إنجازات الآخر وطرح إمكانية إثبات الذات؛ وهو تأرجح أسقط بعض المنشغلين بقضايا التنظير لهذا المسرح الممكن في حلقة تراوح – في الغالب – بين دعوة إلى التأورب، من جهة، ونداءات الماضي من جهة ثانية” (10)، وهو ما جعل النقاد يدعون إلى قراءة متأنية توازن بين الأصالة والمعاصرة، بحيث يظل التراث مصدر إلهام لا غاية في ذاته وأداة لطرح أسئلة الراهن عوض أن يكون مجرد استعادة حنينية للماضي.

وهكذا، يتضح أن المسرح المغربي، في سعيه الدؤوب نحو تأصيل هويته، ظل يراوح بين قطبين: قطب الانفتاح على المنجز المسرحي الغربي بتقنياته وأدواته، وقطب الانغراس في التربة المحلية بغنى رموزها ودلالاتها دون أن يفضي هذا التجاذب إلى قطيعة، بل إلى تركيب خلاق أنتج تجربة مسرحية مغربية ذات ملامح خاصة قادرة على الحوار مع الآخر من موقع الندية لا التبعية. ولا ريب أن هذا ما يفتح المجال أمام أسئلة بحثية لاحقة لعل من أبرزها: إلى أي حد استطاعت الأجيال المسرحية اللاحقة (الجيل الذي أتى بعد الصديقي وبرشيد وقاوتي) الحفاظ على هذا التوازن الجدلي أم أن المشهد المسرحي المغربي الراهن يميل أكثر نحو أحد القطبين على حساب الآخر؟

 

الهوامش:

(1): نور الدين محقق، شعرية النص المرئي: التشكيل والمسرح والسينما، خطوط وظلال للنشر والتوزيع، عمان – الأردن، الطبعة 1، 2026، ص: 65

(2): خالد أمين، هوامش دراسات الفرجة، دار الفاصلة للنشر، طنجة، الطبعة الأولى، 2023، ص: 47

(3): خالد أمين، هوامش دراسات الفرجة، المرجع نفسه، ص: 59 – 60

(4): خالد أمين، السلطة والمعرفة في المسرح العربي: مرجعيات ديكولونيالية، المركز الدولي لدراسات الفرجة (طنجة) ومركز جزيل للبحوث الثقافية (الرياض)، الطبعة 1، 2025، ص: 100

(5): سالم اكويندي، المشترك في المسرح المغربي: السياق والأنساق، منشورات التوحيدي، الرباط، الطبعة 1، 2019، ص: 123

(6): سالم اكويندي، المشترك في المسرح المغربي، المرجع نفسه، ص: 71

(7): المرجع نفسه، ص: 155

(8): محمد الوادي، النقد المسرحي المغربي: الانشغال والاشتغال، مطلبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، الطبعة 1، 2021، ص: 83

(9): نور الدين محقق، شعرية النص المرئي: التشكيل والمسرح والسينما، المرجع السابق، ص: 67

(10): خالد أمين، هوامش دراسات الفرجة، المرجع نفسه، ص: 56 – 57

Alfurja

Alfurja

About Author

موقع مجلة الفرجة صادر عن: مركز الفنون العربية الفرجة.
الملف الصحافي: 37/ 2014ص.
الايداع القانوني: ردمد 9452/2421

اشترك في نشرتنا الإخبارية

    خلف الكواليس وفي قلب الحدث.. اشترك لتعرف كل جديد وتصلك كواليس المسرح وأخباره إلى بريدك

    جميع الحقوق محفوظة © 2026

    error: نعتذر، نسخ المحتوى غير مسموح به لحماية حقوق الملكية