إعداد وتقديم: نور الدين طاهري
اسم الكتاب: “مظاهر التناص وسؤال الإبداعية في مسرح سعد الله ونوس”
اسم الكاتب: د. مصطفى رمضاني
اسم الناشر : منشورات مكتبة السلام الجديدة
******************
مقدمة: نحو إعادة مساءلة المشروع المسرحي الونوسي
يندرج كتاب «مظاهر التناص وسؤال الإبداعية في مسرح سعد الله ونوس» ضمن الدراسات النقدية العربية التي لا تكتفي بتوصيف الظواهر النصية أو الاحتفاء بالتجارب الإبداعية الكبرى، وإنما تنزع إلى إعادة مساءلتها من داخل بنياتها العميقة، مستندة إلى جهاز مفاهيمي حديث يجعل من النص موضوعاً للتحليل لا موضوعاً للتبجيل. ومن ثم فإن الدكتور مصطفى رمضاني لا يقترب من تجربة سعد الله ونوس باعتبارها إرثاً ثقافياً مكتمل المعالم، وإنما بوصفها مشروعاً مفتوحاً على المراجعة والنقد وإعادة القراءة.
لقد تراكم حول تجربة ونوس، خلال العقود الماضية، خطاب نقدي اتسم في كثير من الأحيان بالاحتفاء بمنجزه السياسي والفكري أكثر من انشغاله بالبنية الجمالية للنص المسرحي، فغلبت القراءات التي جعلت من الكاتب رمزاً ثقافياً، بينما ظلت الأسئلة المتعلقة بآليات إنتاج النص، وشبكة مرجعياته، وطرائق تشكله الفني، في مرتبة ثانية. ومن هنا تنبع أهمية هذا الكتاب، إذ يحاول أن ينقل النقاش من تاريخ الكاتب إلى تاريخ النص، ومن سلطة الاسم إلى سلطة القراءة.
لا يقوم هذا المشروع على الرغبة في تقويض مكانة سعد الله ونوس أو الانتقاص من قيمته، وإنما على الإيمان بأن النصوص الكبرى هي الأكثر قابلية للمساءلة، وأن النقد الحقيقي لا يرسخ القيمة الأدبية إلا حين يحررها من القداسة.
أولا: التناص بوصفه سؤالاً للإبداع لا سؤالاً للمصدر.
لا يمكن مقاربة تجربة سعد الله ونوس المسرحية بمعزل عن الأسئلة الفكرية والجمالية التي حكمت مشروعه الإبداعي. كما لا يمكن قراءة كتاب الدكتور مصطفى رمضاني «مظاهر التناص وسؤال الإبداعية في مسرح سعد الله ونوس» بوصفه مجرد جردٍ لمصادر التأثر أو محاولة لإحصاء النصوص التي استند إليها الكاتب المسرحي. فالكتاب يتجاوز هذا الأفق الوصفي إلى بناء رؤية نقدية تنظر إلى التناص باعتباره آلية لإنتاج المعنى، ومظهراً من مظاهر دينامية النص، لا علامة على تبعيته أو افتقاره إلى الأصالة.
ويبدو أن الكاتب قد نجح الباحث في تحويل مفهوم التناص من أداة للكشف عن العلاقات الخارجية بين النصوص إلى مدخل لتحليل البنية الداخلية للنص المسرحي، مبرزاً أن النص الونوسي لا يكتسب قيمته من كثرة ما يستحضره من نصوص سابقة، وإنما من الكيفية التي يعيد بها إنتاج تلك النصوص داخل نظام دلالي جديد. فالنص التراثي، أو التاريخي، أو الشعبي، لا ينتقل إلى المسرحية بوصفه مادة جاهزة، وإنما يخضع لتحويلات فنية وفكرية تجعله جزءاً من مشروع نقدي يستهدف مساءلة الحاضر أكثر مما يستهدف استعادة الماضي.
ومن هنا تتحدد الإشكالية المركزية التي يعالجها الكتاب:
– هل يمثل التناص في مسرح سعد الله ونوس شكلاً من أشكال الاقتباس، أم أنه يتحول إلى فعل إبداعي ينتج خطاباً جديداً يمتلك استقلاله الجمالي والفكري؟
يجيب الدكتور مصطفى رمضاني عن هذا السؤال عبر دراسة تطبيقية موسعة لمجموعة من أهم نصوص ونوس، مستنداً إلى خلفية نظرية تجمع بين منجزات النقد الغربي الحديث، ولا سيما تصورات ميخائيل باختين، وجوليا كريستيفا، وجيرار جينيت، وبين خصوصية التجربة المسرحية العربية. لذلك لا يظل التناص في هذا الكتاب مفهوماً تجريدياً، بل يصبح أداة إجرائية لتحليل البنية الدرامية، والفضاء المسرحي، واللغة، والشخصية، والعتبات النصية، وآليات بناء المعنى.

ثانيا: التناص بين التأصيل النظري وإعادة إنتاج المعنى في المشروع المسرحي.
يمثل التأصيل النظري لمفهوم التناص أحد أهم المرتكزات التي بنى عليها الدكتور مصطفى رمضاني دراسته؛ إذ أدرك منذ البداية أن أي مقاربة تطبيقية لنصوص سعد الله ونوس ستظل قاصرة إذا لم تستند إلى تصور نظري واضح يحدد طبيعة العلاقات التي تنشأ بين النصوص، ويبين الحدود الفاصلة بين التناص وغيره من المفاهيم المجاورة، كالاقتباس، والتضمين، والإعداد، والمحاكاة. ولذلك خصص الباحث جانباً مهماً من كتابه لتتبع المسار المفاهيمي لهذا المصطلح، مستفيداً من منجزات النقد الغربي الحديث، مع الحرص على تكييفها مع خصوصية النص المسرحي العربي.
ينطلق الباحث من حقيقة مفادها أن النص الأدبي لا يولد في عزلة، ولا يمثل بنية مغلقة مكتفية بذاتها، وإنما يتشكل داخل شبكة واسعة من العلاقات الثقافية والتاريخية واللغوية. فكل نص يحمل في أعماقه آثار نصوص سابقة، سواء أكانت هذه النصوص معلنة أم مضمرة، واعية أم غير واعية. غير أن هذا الحضور لا يعني بالضرورة التبعية أو الاستنساخ، بل يدل على حيوية العملية الإبداعية، لأن الكاتب يعيد تشكيل ما يقرؤه وفق رؤيته الخاصة، فتتحول النصوص السابقة إلى مادة خام يعاد إنتاجها داخل نسق دلالي جديد. لهذا يستحضر الدكتور مصطفى رمضاني التصور الحواري الذي بلوره ميخائيل باختين، والذي يرى أن الخطاب الأدبي يقوم على التفاعل المستمر بين الأصوات، وأن الكلمة لا تحمل معناها في ذاتها، بل تكتسبه من خلال علاقتها بخطابات أخرى. وقد شكل هذا تصور المنطلق الذي انطلقت منه جوليا كريستيفا عندما صاغت مفهوم “التناص”، معتبرة أن كل نص هو ملتقى لنصوص متعددة، وأن الكتابة ليست إلا إعادة توزيع للنصوص السابقة داخل بنية جديدة.
ثالثا: التناص التراثي في مسرح سعد الله ونوس بين استعادة الذاكرة وإنتاج الدلالة.
إذا كان الفصل السابق قد انشغل بتأصيل مفهوم التناص من الناحية النظرية، فإن الدكتور مصطفى رمضاني ينتقل في هذا الفصل إلى المستوى الإجرائي، حيث تصبح النصوص المسرحية لسعد الله ونوس حقلاً تطبيقياً لاختبار الفرضيات التي أسس لها. وهنا تتبدى إحدى أهم مزايا الكتاب؛ إذ لا يظل التناص مفهوماً مجرداً، بل يتحول إلى أداة تحليلية تكشف آليات اشتغال النص المسرحي، وتوضح كيف استطاع ونوس أن يجعل من التراث فضاءً لإنتاج المعنى، لا مستودعاً للحكايات أو الشخصيات.
ينطلق الباحث من مبدأ منهجي مفاده أن العلاقة بين ونوس والتراث لا يمكن فهمها بمنطق الاستعادة أو النقل، لأن هذا المنطق يختزل التجربة في بعدها المرجعي، ويغفل طبيعة التحويل الذي تمارسه الكتابة الإبداعية. فالتراث في المسرح الونوسي لا يحضر بوصفه موضوعاً للحنين، ولا باعتباره نموذجاً مكتمل البنية يسعى الكاتب إلى إحيائه، وإنما بوصفه مادة ثقافية قابلة لإعادة الصياغة وفق مقتضيات اللحظة التاريخية التي يُكتب فيها النص.
ومن أبرز الأمثلة التي يقف عندها الباحث نذكر:
– مسرحية «الفيل يا ملك الزمان»: تفكيك بنية الخوف ومساءلة طاعة الجماعة للسلطة القاهرة.
– مسرحية «مغامرة رأس المملوك جابر»: تعرية العلاقة المأساوية بين السلطة والفرد وتحويل الحكاية الشفهية إلى أداة وعي.
– مسرحية «سهرة مع أبي خليل القباني»: قراءة تاريخية لصراع المثقف مع قوى الانغلاق والرقابة عبر تقنية المسرح داخل المسرح.
رابعا: التناص مع المسرح العالمي وآليات التجريب
إذا كان التراث العربي يمثل أحد الروافد الأساسية التي استند إليها سعد الله ونوس في بناء مشروعه المسرحي، فإن الدكتور مصطفى رمضاني يبين أن هذا المشروع لم يتشكل في عزلة عن المنجز المسرحي العالمي، بل انفتح على أبرز التيارات الدرامية الحديثة، ولا سيما المسرح الملحمي. غير أن هذا الانفتاح لم يكن استنساخاً لنماذج جاهزة، بل كان حواراً نقدياً أعاد من خلاله ونوس صياغة التقنيات الغربية بما ينسجم مع خصوصية الواقع العربي وأسئلته. يتوقف الباحث مليا عند التأثير الواضح للمسرح الملحمي، ولا سيما بعض التقنيات التي ارتبطت بتجربة برتولت بريشت، مثل كسر الإيهام المسرحي، وإقامة مسافة نقدية بين المتلقي والحدث، والاعتماد على الراوي، واللافتات، والأغاني، والتعليق المباشر. وهي تقنيات لم يوظفها ونوس بوصفها علامات شكلية، وإنما جعلها جزءاً من رؤيته الفكرية التي تسعى إلى تحرير المتفرج من التلقي السلبي.
خامسا: التناص بوصفه استراتيجية درامية في مسرحية «الملك هو الملك».
يُعد هذا الفصل من أهم فصول كتاب الدكتور مصطفى رمضاني وأكثرها عمقاً؛ إذ ينتقل فيه من التأصيل النظري إلى التحليل النصي الدقيق، متخذًا من مسرحية «الملك هو الملك» نموذجاً يكشف من خلاله كيف يتحول التناص من مجرد علاقة بين النصوص إلى آلية درامية تنتج خطاباً سياسياً وفلسفياً جديداً. وقد اعتمد على مجموعة القرائن لإثبات مسالة التناص من بينها:
– العتبة التأويلية: يرى الباحث أن عنوان المسرحية يشكل مفتاحاً تأويلياً يختزل الفكرة المحورية للنص؛ فالاستبداد ليس صفة فردية طارئة، بل هو بنية متكاملة تعيد إنتاج نفسها بغض النظر عن الشخص الذي يعتلي العرش.
– لعبة التنكر: تحول أبو عزة من مواطن مسحوق إلى ملك يثبت قدرة السلطة على إعادة تشكيل وعي الإنسان ومسخ قيمه حين يدخل إلى فضاء القصر.
– العلامات السيميائية: ترتكز الدراما على الرموز المادية للسلطة (التاج، الرداء، العرش) بوصفها محركات أساسية للفعل المسرحي.
سادسا: «سهرة مع أبي خليل القباني» بين التناص التاريخي وبناء الوعي.
تتخذ قراءة الدكتور مصطفى رمضاني لهذه المسرحية منحىً أكثر تعقيداً، لأن النص لا يشتغل على التراث الحكائي فحسب، بل ينفتح على التاريخ الثقافي العربي، مستثمراً شخصية أبي خليل القباني بوصفها علامة حضارية تختزل بدايات المسرح العربي الحديث، وما رافقها من صراع بين مشروع التنوير وقوى المحافظة والانغلاق. وقد استند في ذلك على:
– التاريخ كمادة لا وثيقة: لا يتعامل ونوس مع الوقائع التاريخية تسجيلياً، بل يخضعها للمخيلة الدرامية لتصبح مرآة منعكسة على الحاضر.
– المسرح داخل المسرح: تقنية تكسر الإيهام التقليدي وتدفع المشاهد للتأمل النقدي في طبيعة العرض وصناعة المعنى.

سابعا: «مغامرة رأس المملوك جابر» بين التناص الشعبي وتفكيك بنية الاستبداد.
تحتل مسرحية «مغامرة رأس المملوك جابر» موقعاً محورياً في كتاب الدكتور مصطفى رمضاني؛ لأنها تمثل، في تقديره، واحدة من أكثر المسرحيات التي تكشف قدرة سعد الله ونوس على تحويل التراث الشعبي إلى بنية درامية حديثة، تتجاوز حدود الحكاية لتصبح أداة لتحليل الواقع السياسي والاجتماعي:
– دور الحكواتي: وسيط فاعل يوجه عملية التلقي ويشرك الجمهور في صناعة الدلالة.
– الرأس كعلامة سيميائية: تختزل مأساة الإنسان حين يتحول وعيه ووجوده إلى أداة مقايضة في أروقة السياسة.
ثامنا: «الفيل يا ملك الزمان» بين الرمز السياسي والتناص الشعبي.
تبلغ القراءة النقدية للدكتور مصطفى رمضاني درجة عالية من العمق حين ينتقل إلى تحليل مسرحية «الفيل يا ملك الزمان»؛ إذ يرى فيها نموذجاً مكثفاً لقدرة سعد الله ونوس على استثمار الحكاية الشعبية في بناء خطاب سياسي يتجاوز المباشرة، ويؤسس لرؤية نقدية تفضح آليات الاستبداد، وتكشف طبيعة العلاقة المختلة بين السلطة والمجتمع من خلال وسيلتين فنيتين هما:
1- مرونة الرمز: تحول الفيل من مجرد كائن حكائي إلى استعارة كبرى للقوة القاهرة والترهيب الممنهج.
2- مساءلة الجماعة: إدانة صمت المجتمع وخوفه الذي يضمن استمرار الاستبداد أكثر من بطش السلطة نفسها.
تاسعا: القيمة العلمية والمنهجية ومساءلة الأطروحة.
– تماسك المنهج: نجح الكاتب في الربط العضوي بين التأصيل النظري والمقاربة التطبيقية دون تفكك في الخيط الناظم.
– تجاوز التقابل التقليدي: برهن الكتاب أن الأصالة لا تنافي التناص، بل تتجلى في كيفية صهر المرجعيات القديمة وصياغتها ضمن رؤية معاصرة مستقلة.
الخاتمة العامة: التناص من سؤال المرجعية إلى سؤال الإبداع.
تنتهي قراءة الدكتور مصطفى رمضاني عند نتيجة نقدية بالغة الأهمية، مفادها أن التناص في مسرح سعد الله ونوس ليس ظاهرة شكلية، ولا تقنية أسلوبية معزولة، بل هو جوهر المشروع الدرامي الذي أنجزه هذا الكاتب، وركيزة من ركائز حداثته المسرحية. فكل نص ونوسي يولد من حوار مع نصوص أخرى، غير أن هذا الحوار لا يقود إلى الذوبان في المرجع، وإنما يفضي إلى إنتاج نص جديد يمتلك منطقه الداخلي، ورؤيته الفكرية، وشعريته الخاصة. وبهذا يثبت كتاب «مظاهر التناص وسؤال الإبداعية في مسرح سعد الله ونوس» أنه مرجع أساسي لكل باحث في النقد المسرحي الحديث، مؤكداً أن النصوص العظيمة لا تخشى التناص، بل تتخذه جسراً نحو الخلود وتجدد الدلالة.
* نور الدين طاهري (كاتب مقيم ببلجيكا)

