مسرحية “حمام نسوان” لعلي العبادي أنموذجا
محمد الزنجلي
توطئة
يكتشف القارئ لمسرحية “حمّام نسوان” لعلي العبادي أنها تقوم على بناء درامي يبدو في مستواه الأول شديد البساطة: ثلاث نسوة في حمّام نسائي وأوانٍ مملوءة بالماء وطقوس اغتسال وحديث عن غائب ومجلس عزاء ينتظر حضور النساء. لكن سرعان ما ينفتح هذا التشكيل المكاني على شبكة واسعة من الدلالات المرتبطة بالموت والعنف والفقد والذاكرة والاحتجاج والصمت والغياب، فيتحول المكان إلى بؤرة تتقاطع فيها التجربة الفردية مع المأساة الجماعية، ويتحول الحديث عن ابن مفقود مدخلا إلى مساءلة عالم تتكاثر فيه الفواجع إلى درجة تتحول معها المأساة إلى عادة يومية. وتستمد المسرحية قوتها من هذه المفارقة بين بساطة الوضعية المسرحية وكثافة الأسئلة التي تنتجها، إذ تجلس ثلاث نسوة في فضاء مغلق ينتظرن حضور المعزّين ويتبادلن الحديث حول الماء والبرد والاغتسال، فيما يحمل كل تفصيل في هذا المشهد أثرا من آثار الموت، فالماء يستدعي برودة الجسد الميت والاغتسال يقود إلى سؤال العار والعزاء يكشف غياب الجماعة ويتحول الصمت إلى لغة ويصبح الدم مادة للذاكرة، فيما يتخذ الغائب موقع الشخصية الأكثر حضورا في النص. ومن ثم، يمكن النظر إلى المسرحية باعتبارها نصا يقوم على تفكيك الطقوس الاجتماعية المرتبطة بالموت وإعادة تأويلها، حيث يتحول الاغتسال والعزاء والرثاء والانتظار والصمت جميعها إلى علامات مسرحية تتجاوز وظائفها المباشرة لتكشف عن اختلال العلاقة بين الفرد والجماعة وبين الضحية وذاكرتها وبين الموت والتمثيل الاجتماعي للموت. وتتمحور التيمة الكبرى للمسرحية حول الفقد الجماعي من حيث هو تجربة تتجاوز موت الفرد إلى انهيار منظومة التضامن والذاكرة والاحتجاج وما يترتب على إثر ذلك من تحول العزاء إلى انتظار، والانتظار إلى صمت والصمت إلى شكل من أشكال مقاومة النسيان.
هكذا، يفتتح النص مشهده في “حمام نسائي تجلس فيه ثلاث نسوة، ولكل واحدة منهن إناء ماء وطاسة فيما يسكبن الماء على أجسادهن ويطلقن آهات حزينة” (ص: 7). ويأتي أول حوار حول برودة الماء، قبل أن تتصل البرودة تدريجيا ببرودة الموت، حيث تسأل الأم عن معنى”بارد أو بارد جدا، هل هو مثل جثة ابني بعد أن فارق الحياة؟” (ص: 8). ولا ريب أن هذه البداية تكشف عن استراتيجية درامية تقوم على الانتقال من المحسوس إلى المجرد، فالماء عنصر مادي والبرد إحساس جسدي، ثم ينتقل الحوار إلى الموت فتتغير وظيفة العنصر المادي ويكتسب قيمة رمزية. وبذلك يتأسس منذ اللحظات الأولى رابط بين الماء والجسد والموت والذاكرة. ويتضح ذلك أكثر عندما تتحدث الأم عن عدد الطعنات التي أصابت ابنها، والذي نجده يبدأ بثلاثين طعنة ثم يتحول بصورة ساخرة ومؤلمة إلى ما يشبه المناقصة، حيث تتنافس الشخصيات في تخفيض العدد حتى تصل إلى طعنة واحدة وتفتتح المرأة الثالثة هذه المناقصة بقولها: “نفتتح المناقصة بثلاثين طعنة، من يقلل؟” (ص: 9). وعندما تستقر المناقصة على الطعنة الواحدة ترى الأم أن الطعنة “الواحدة تشبه الثلاثين، كلاهما غياب قسري، لم يعد، لم يحضر بيننا سوى الهواء” (ص: 10). فمهما ارتفع العدد أو انخفض ينتهي إلى النتيجة ذاتها وهو غياب الابن. وعليه فإن هذه المفارقة تكشف عن إحدى أهم آليات المسرحية، وهي تحويل الفاجعة إلى مادة للسخرية السوداء، على اعتبار أن السخرية تؤدي وظيفة معرفية تكشف عجز اللغة اليومية عن استيعاب حجم الفجيعة، فتستعين بالمبالغة والمفارقة والتكرار لتحويل الألم إلى خطاب مسرحي قابل للتأمل. هكذا تتحدد التيمة في مستوى أول بوصفها تيمة الفقد، ثم تتسع لتصبح سؤالا حول كيفية عيش الإنسان في مجتمع تتكرر فيه الفواجع إلى الحد الذي يفقد معه الموت فرادته ويصبح الفقيد واحدا ضمن سلسلة طويلة من الغائبين.
جسد الذاكرة وذاكرة الجسد: إعادة إنتاج العنف مسرحيا
يشكل موت الابن قطب الرحى في الحبكة الدرامية لمسرحية “حمّام نسوان”، مع توسع هذا الموت تدريجيا خارج حدود خصوصيته العائلية، على النحو الذي نجد فيه الأم تتحدث عن ابنها ثم عن المدينة وعن القتلى وعن الأرض التي “كتب عليها أن تحصد قتلة” (ص: 20)، حتى يغدو الابن علامة على ضحايا كثيرين. وتكشف قصة مقتله عن عنف يتجاوز الجريمة الفردية إلى مناخ اجتماعي يتيح إعادة إنتاج القتل بأشكال متعددة. وتتخذ هذه الدلالة بعدا أكثر اتساعا حين تقول الأم إن أباه “مات في إحدى الحروب المجانية الخاسرة، فنحن لا نربح سوى الخسارات والخيبات والفجيعة، ونياشيننا شريط أسود صغير نذيل به ما تبقى من صورة من نحب” (ص: 32). وهنا يتحول الفقد إلى بنية متوارثة تفضي إلى انتقال الموت من الأب إلى الابن ومن فرد إلى آخر ومن حرب إلى أخرى، وبهذا المعنى تصبح الذاكرة العائلية مشبعة بالخسارات، وتكتسي عبارة الأم عن الخسارات والخيبات والفجيعة والنياشين قيمة مكثفة لأنها تجمع بين الحدث المأساوي والخطاب الذي يحاول تحويل الموت إلى تكريم رسمي. وبذلك يطرح النص سؤالا حول القيمة التي يحتفظ بها التكريم أمام غياب الإنسان. فالنيشان يبقى والصورة تبقى والذكرى تبقى فيما يغيب الجسد، وبموجب ذلك تتحول الذاكرة إلى المجال الذي يستعيد فيه الغائب وجوده.
ويمثل جسد الابن أحد أهم العلامات الدرامية في النص مع غيابه عن الخشبة في صورته الواقعية. ذلك أن الحديث عن الطعنات ومطاردة الفتى واختبائه في خزانة الملابس ثم إخراجه وقتله والتمثيل بجسده يحول الجسد إلى ذاكرة للعنف “هرب من سطح الدار، واحد يقاوم المئات من السفلة، أحاطوا به من كل جانب إلى أن صعدوا إليه، فوجدوه مختبئا في خزانة الملابس، قبلوا جسده بسكاكينهم وطافوا به في الأرض” (ص.19). ويزداد حضور هذا الجسد من خلال إعادة تمثيل حادثة القتل من قبل النساء اللواتي تحولن إلى فتيان ورجال ويتخذن وضعيات المطاردة والطعن، فتنتقل بذلك الجريمة من مستوى الحكاية إلى مستوى الفعل المسرحي. ويتخذ العدد ثلاثون قيمة رمزية في السياق الذي يتحول فيه من مجرد رقم إلى علامة على فائض العنف، وحين تقول الأم إن الفتى كان في الخامسة عشرة من عمره، ترد المرأة الثالثة: “عمره خمسة عشر عاما، احتفوا بعمره الغض، فضاعفوا له العمر على هيئة طعنات بالسكاكين، في قادم الأيام حينما يسأل أهله عن عمره، سيقولون، استشهد عن عمر يناهز ثلاثين سكينا” (ص: 20)، يصبح الجسد مجالا لتسجيل عمر مضاعف من الألم. ويتوسع النص من الجسد الفردي إلى الأرض، في الوقت الذي تتخيل فيه الشخصيات من خلال الحوار المتعلق بالدم أرضا تشرب الدم ثم تموت، وتخرج من جسدها دماء البشر وأبناؤهم لتشكل نهرا يغرق الجميع، وتتخيل المرأة الثالثة مصير الجميع من خلال تعبيرها “تموت كيفما تموت، وبعدها ستخرج من جسدها العاري دماؤنا ودماء أبنائنا (إلى الأم) ودم ابنك ونغرق به جميعا لنشكل نهرا ثالثا، لنطفو فوقه، تماثيل لبقايا إنسان في متحف عمومي مكشوف لا يدخله أحد” (ص. 35). وتكشف هذه الصورة عن انتقال المأساة من الفرد إلى الجماعة، حيث تصبح الأرض حاملة لآثار العنف ويمتد الموت إلى المكان الذي يحتضن الإنسان بدلا من أن يبقى حدثا يقع عليه وحده. ومن هنا يمكن تأويل الأرض باعتبارها جسدا جمعيا يوازي جسد الضحية الفرد في استيعاب أثر العنف المتزايد.

وتكتسب أجساد النساء أهمية خاصة في النص، فهن يغتسلن ويصببن الماء ويسكبن الدم ويجلسن ويصمتن ويتبادلن النظرات ويتحولن إلى رجال وشهود ومراسلين. وهكذا يصبح الجسد النسوي حاملا لمجموعة من الوظائف الأدائية. وفي مشهد الاغتسال الجماعي (ص. 41)، تعطى حركة الماء إيقاعا مسرحيا واضحا، إذ تتناوب النساء في سكب الماء على جسد الأم وفق حركة منظمة. ويتيح ذلك قراءة النص من منظور جمالية الجسد والطقس، فيتشكل الحدث الدرامي عبر الحركة والإيقاع والتكرار، ويغدو الجسد وسيلة لإنتاج المعنى إلى جانب الحوار. وهنا يقترب النص من منطق المسرح الذي تتراجع فيه مركزية الحكاية لصالح الفعل الأدائي والعلامة الجسدية. وضمن هذا الأفق تتطور شخصية الأم من موقع الثكلى إلى موقع الشاهدة وحاملة الذاكرة، فهي تستعيد ابنها الغائب من خلال الكلام والدم والطقس. وتقول المرأة الثانية عنه: “هو بيننا لم ننس من كان نبيلا فينا” (ص. 48)، ومن ثم، تصبح الأم أرشيفا حيا للفقد تحمل تاريخا من الخسارات، خسارة الأب الذي مات في حرب مجانية وخاسرة والابن الذي قتل بوحشية وخسارة المدينة التي تتكاثر فيها الفواجع، ووفقا لذلك تصبح ذاكرتها بديلا عن المؤسسات التي عجزت عن حفظ الحقيقة الإنسانية للموتى. ولهذا يحمل فعل التذكر في المسرحية قيمة أخلاقية، لأن النسيان يعني استكمال دائرة العنف. وعلى هذا النحو تتضافر في هذا المحور علامات الجسد الثلاثة المتمثلة في جسد الضحية وجسد الأرض ثم جسد الأم الحافظ للذاكرة لتشكل معجما واحدا يحول العنف الغائب عن الخشبة إلى حضور مادي وأدائي.
تحولات الفضاء الدرامي: الحمام بين طقس التطهر وسلطة الرقابة الاجتماعية
يحتل المكان موقعا مركزيا في بناء المسرحية، فالحمام فضاء مرتبط تقليديا بالماء والتنظيف والتطهر، ويُحَمِّلُهُ النَّصُ وظَائِفَ أخرى تتصل بالعزاء والمراقبة والاتهام والانتظار. ويظهر ذلك جليا من خلال كشف الأم أن نسوة احتججن عليها وطلبن منها التطهر بالماء وإقامة مجلس العزاء في الحمام، بعد اتهامها بسبب إنجابها الفتى الذي قتل “النسوة اللواتي احتججن علي، طلبن مني التطهر بالماء وإقامة المجلس هنا، كوني عاهرة على حد تعبيرهن لأني أنجبت فتى قتل لا أحد، ولا بد من التطهر كي أكون مع القطيع” (ص: 29-30)، ويرتبط استمرار وجودها في الحمام بإذن القطيع. وهنا يتحول الحمام إلى فضاء للسلطة الاجتماعية، ذلك أن المكان الذي يفترض أن يمنح الإنسان فرصة للعزلة والتطهر يصبح فضاء للامتثال، وتتحول ممارسة شخصية إلى طقس تراقبه الجماعة. ويزداد انغلاق المكان حين تصفه الأم بأنه أشبه بـــ”الزنزانة القسرية” (ص: 41)، فيكتسب الحمام دلالة مزدوجة، فضاء للتطهر من جهة، وفضاء للحبس والرقابة من جهة أخرى، ويصبح هذا التناقض أحد مفاتيح النص، إذ يكشف أن الطقس الاجتماعي قد يتحول إلى أداة للضبط حين تنفصل ممارسته عن معناها الإنساني.
ويبلغ البناء الرمزي للماء ذروته عندما يتحول الماء إلى دم، ففي المشهد المتأخر من المسرحية تبدأ الأم بالاغتسال، ثم يتحول الماء الموجود في الإناء إلى دم، فتسكبه على رأسها أكثر من مرة. وعندما تسألها المرأة الثانية “بماذا تستحمين؟” (ص: 49)، تجيب الأم بأنها تستحم “بالعار، بماذا أستحم؟ أستحم بالماء” (ص: 49)، بينما تؤكد المرأة الثانية أن ما تستحم به الأم هو عبارة عن دم “هذا دم… دم” (ص: 49)، وتواصل الأم اغتسالها، ثم تمنح الدم معنى آخر حين تراه بقايا لمن غابوا ونياشين تركها الراحلون “ومن قال أن الحروب تمزح معنا؟ ومن قال أن السكاكين لا تمثل بغير دمنا؟ ومن قال أننا على قيد الحياة؟ هذا الذي ترونه ليس دما بل بقايا لأناس، ماتوا بطرق شتى… هذه نياشينهم… هذه نياشينهم، حيث كانوا هنا، وذهبوا” (ص: 49). يؤسس هذا المشهد لسلسلة رمزية يمكن اختزالها في: الماء والتطهر والعار ثم الدم بعد ذلك الذاكرة. فالماء يكتسب في البداية وظيفة التطهير، ويكشف تحوله إلى دم أن آثار الجريمة أعمق من أن يمحوها طقس الغسل، وحين تستخدم الأم الدم مادة للاغتسال يتحول التطهر إلى استحضار للذاكرة. وهنا تبرز دلالة عميقة تتمثل في دخول الأم الطقس باعتبارها موضوعا للاتهام ثم تعيد صياغته بوصفه فعلا لتذكر الموتى، وبذلك ينتقل الطقس من موقع الخضوع إلى موقع الفعل الرمزي. وبالتالي فإن حضور الذاكرة في النص يأتي بوصفه فعل مقاومة ضد محو آثار الضحية، فالدم يتحول إلى أثر والنيشان يتحول إلى تذكار ويستعاد الجسد من خلال التمثيل ويتحول العزاء إلى محاولة للرثاء. ويصل النص إلى صياغة شديدة الكثافة عندما تقول الأم: “هي محاولة لرثاء الذي لن يعود” (ص. 39). ويتجاوز الرثاء في هذه الحالة الشخص إلى العالم المحيط به، فالشخصيات تسأل عن طقس يمكنه أن يستوعب الفجيعة والحزن والانتظار، وتصبح الطقوس وسيلة لإعادة توصيف الرثاء الجماعي بمعزل عن سلطة القطيع.
جدلية الطهارة والنجاسة: اختلال المعايير الأخلاقية
تصل المسرحية إلى إحدى أكثر لحظاتها كثافة عندما تسأل الأم: “أيهما أنجس، القاتل أم دم المقتول؟ أنا لا أغتسل بهذا الدم، أنا أعانق ولدي من دمه” (ص: 50). يمثل هذا السؤال مركزا أخلاقيا للنص، ذلك أن الطهارة والنجاسة تتجاوز معناهما الطقوسي لتصبحا معيارا للحكم على منظومة اجتماعية كاملة، فالقاتل مصدر الجريمة، بينما يوضع دم المقتول في دائرة النجاسة، والأم بوصفها أم الضحية تجد نفسها مطالبة بالاغتسال والتطهر. وتكشف هذه المفارقة عن اختلال في توزيع المسؤولية الأخلاقية. وعندما تقول الأم إنها ستعانق ولدها من دمه، يتحول الدم من مادة تستدعي التطهر إلى مادة تستدعي الحضور، وتتأسس هنا علاقة جديدة بين الدم والقرابة والذاكرة، ذلك أن الدم الذي يحمل معنى الجريمة بالنسبة إلى الجماعة يتحول بالنسبة إلى الأم إلى وسيلة لاستعادة الصلة بالابن.
ويحضر مفهوم القطيع في النص للدلالة على الجماعة التي تفرض معاييرها على الفرد، فالأم تنتظر الإذن حتى تنهي طقس الاغتسال، وتربط خروجها من الحمام بإذن القطيع “إلى أن يأذن القطيع، ويقروا بعفتي، وبراءة ابني اليتيم الأبوين” (ص: 31). وتأخذ هذه السلطة طابعا أخلاقيا حين تتهم الجماعة الأم، ثم تطلب منها التطهر حتى تصبح جزءا منها، وهنا يتحول الطقس إلى آلية للامتثال. ويمكن تأويل القطيع باعتباره سلطة معيارية تعمل عبر الأحكام الاجتماعية والوصم وتحديد المقبول والمدنس وتوزيع أدوار الضحية والمذنب. وتزداد دلالة هذا المفهوم حين نلاحظ غياب القطيع عن مجلس العزاء، فالسلطة حاضرة في فرض الطقس وحاضرة في الاتهام وتغيب عند لحظة المواساة، وهذا التناقض يمنح مفهوم الجماعة بعدا نقديا بالغ الأهمية.
العزاء فضاء للغياب واعتياد الفجيعة
تنتظر النساء حضور المعزّين ويمر الوقت من دون أن يحضر أحد. فتقول المرأة الثالثة: “لم تأت واحدة من نسوة المدينة للعزاء، وقد شارف يومه الأول على الانقضاء” (ص: 21)، وتردف المرأة الثانية: “هل ثمة سبب يدعو لهذا الغياب الموجع؟ غياب عن ترتيل الفجيعة بوجه المساء الذي أصبح لا لون ولا طعم ولا رائحة له” (ص: 22)، وبهذا يتحول مجلس العزاء إلى مسرح للغياب، إذ إن العزاء في الثقافة الاجتماعية يقوم على حضور الجماعة لمساندة أهل الفقيد ويقدم النص صورة معكوسة على نحو الذي نجد فيه انتظار النساء وغياب الجماعة وموتى يتكاثرون وأسئلة بلا أجوبة. وهنا يُطرحُ سُؤالُ منِ الذي يحتاج إلى العزاء؟ الفقيد غائب والأم حاضرة والجماعة غائبة، لذلك يمكن القول إن المسرحية تعيد توجيه العزاء من وظيفة مواساة الميت إلى وظيفة كشف موت التضامن. وتبلغ هذه الدلالة مستوى أكثر حدة حين تقول الأم إن “نواحنا مثل مألوف مثل التحية اليومية” (ص: 25). هكذا تظهر المسرحية مجتمعا تتكرر فيه الفواجع إلى درجة يصبح معها النواح فعلا مألوفا، وتقول أيضا: “تزورنا الفجائع أكثر من صاحب فواتير الماء والكهرباء” (ص: 22). إن هذا التشبيه اليومي يحمل شحنة ساخرة تكشف عن التطبيع مع الموت، فحين تتكرر الفاجعة تتغير علاقتها بالوجدان ويصبح الموت جزءا من إيقاع الحياة اليومية، وتصبح مجالس العزاء مألوفة إلى درجة فقدان قدرتها على استدعاء الجماعة. وهنا تتأسس إحدى أكثر أفكار المسرحية إيلاما، والتي يمكن أن نلخصها في أن المأساة حين تتحول إلى عادة تفقد قدرتها على إنتاج الصدمة ويصبح الاعتياد على الموت شكلا من أشكال استمرار العنف في الوعي الاجتماعي.
الصمت ومأزق المعنى والفعل
يمنح النص الصمت وظيفة بنائية واضحة، فالنساء يجلسن فترات محددة من دون كلام، ويتبادلن النظرات وينتظرن الأصوات القادمة من الخارج. ويتحول الصمت داخل الحوار نفسه إلى موضوع للنقاش، إذ تقول المرأة الثالثة “لا بد أن نصمت كي نعيش بسلام” (ص. 21)، بينما تدعو المرأة الثانية للاحتجاج “لا بد أن نحتج على هذا الخراب الإنساني” (ص. 21)، وتصل المسرحية إلى صياغة لافتة تجعل الصمت نفسه قابلا للاحتجاج. وبهذا المعنى يتحول الصمت إلى لغة ثانية للنص، على اعتبار أن اللغة المنطوقة تستهلك الأسئلة ويعبر الصمت عن العجز عن العثور على إجابات. وتصبح العلاقة بين السؤال والصمت واحدة من البنى العميقة للمسرحية، إذ نجد سؤالا، وبعده انتظار الجواب، ثم عقم الإجابة، وفي الأخير يعود الصمت. وهذه البنية تفسر كثافة التوقفات والنظرات والانتظارات في البناء الأدائي.
وتضع المسرحية شخصياتها أمام مجموعة من الخيارات، مثل: الاحتجاج والصمت والمشاهدة والهرب. وعندما تتساءل الشخصيات عما يمكن فعله تظهر إجابات متباينة، ثم يعود الحوار إلى الجحيم المحيط بها. وفي موضع آخر، تتساءل الشخصيات عن الاحتجاج على مجلس العزاء الشاغر، ثم عن الاحتجاج على عقم الإجابات “لمن نشكو؟ وعلى من نشكو؟ هههههه لن يصغي لنا سوى النواح، وسيزداد ردح النواح” (ص: 27). وهنا ينتقل الاحتجاج من المجال السياسي المباشر إلى المجال الوجودي، ذلك أن المشكلة تتعلق أيضا بعجز اللغة والمؤسسات والطقوس عن تقديم جواب مقنع أمام الفقد. وتبدو هذه النقطة مركزية في قراءة المسرحية، حيث يتجه الاحتجاج تدريجيا من الاحتجاج على الجريمة إلى الاحتجاج على العجز عن إنتاج معنى للجريمة. وفي الوقت الذي يعجز كل من الصمت والاحتجاج عن تفريغ هذا العجز تنفتح المسرحية على استراتيجية ثالثة أقل مباشرة تتمثل في السخرية، حيث تنتشر في النص الضحكات الساخرة والمواقف المفارقة، فالنساء يتحدثن عن الموت والعزاء والدم، ثم تنتقل إحداهن إلى السخرية أو الضحك وتتحول المأساة أحيانا إلى موقف عبثي. تؤدي السخرية هنا وظيفة مزدوجة، فهي تمنح الشخصيات مساحة للتنفس داخل عالم خانق من جهة، وتكشف من جهة أخرى عن استحالة التعامل مع المأساة باللغة الجادة وحدها، ونستشف ذلك من خلال ما عبرت عنه الأم بالقول إن “الفواجع لا تحتمل الرومانسية” (ص. 13). إنها سخرية دفاعية وتأويلية معا، فهي دفاعية لأنها تخفف وطأة الألم وتأويلية لأنها تكشف عبث الواقع من خلال قلب منطقه.
الإعلام ودائرية الزمن: تمثيل المأساة وبنية الانتظار العبثي
من اللافت في المسرحية انتقال المرأة الثالثة إلى “دور مراسلة تمسك بيدها مايك، وتلتقي بشهود عيان، تتحول المرأة الثانية والأم إلى رجال من الشهود العيان وتارة أخرى إلى إعلاميات يحملن الكاميرا بطريقة إيهامية” (ص: 23)، ويجري الحديث عن عدد الضحايا والجرحى وأسباب الحادثة وتبرر إحداهن الاكتفاء الذاتي عن القضاء بقولها: “لا يحتاج إلى ذلك كله، نحن القضاء، هو اعتدى علينا وليس على القضاء” (ص. 24). هنا تطرح المسرحية سؤال التمثيل الإعلامي للمأساة، فالجريمة الواقعية تتحول إلى مادة خبرية والضحية تتحول إلى رقم والشاهد يتحول إلى صوت داخل تقرير، بينما تعود الشخصيات بعد انتهاء التقرير إلى مجلس العزاء. وتكشف هذه البنية الفارق بين المأساة من حيث هي تجربة إنسانية والمأساة بوصفها خبرا قابلا للتداول، ويكتسب هذا التوجه أهميته من كونه يوسع المسرحية من سؤال الموت إلى سؤال كيفية تمثيل الموت وتداوله اجتماعيا وإعلاميا. فما كان تجربة فردية في مستهل المسرحية يعاد إنتاجه هنا خبرا عاما، تماما كما تحول العدد ثلاثون في مطلع النص من طعنة إلى رقم إحصائي متداول.
ويشكل الانتظار بنية زمنية مركزية في المسرحية، ويتبدى ذلك من خلال انتظار النساء للمعزين وانتظار الأصوات القادمة من الخارج وانتظار انتهاء الطقس، إلى أن يصلن إلى اليوم الثاني من العزاء مع استمرار الانتظار. ويجعل هذا الزمن المسرحي أقرب إلى الدائرة منه إلى الخط المستقيم، على النحو الآتي: فقد وعزاء وانتظار وغياب وصمت ثم عزاء جديد وانتظار. فالحدث ينتهي بإعادة إنتاج شروطه بدلا من نتيجة حاسمة، ولهذا يبدو المستقبل امتدادا للماضي، فيما يحتفظ الحاضر بملامح الفاجعة “هذا زمن الفقدان” (ص. 27). ويصبح الانتظار في هذا السياق تجسيدا زمنيا للفقد، ويبقى الغائب بعيدا ويتأخر المُعزُّون عن الحضور ويظل الطقس ناقصا ويبرد الماء. ذلك أن ما تعيشه الشخصيات ليس انتظارا لحدث قادم بقدر ما هو انتظار لزمن لن يأتي، وهو ما يجعل التمثيل الإعلامي للمأساة والانتظار الدائري لها وجهين لعملة واحدة، أحدهما يسرع الفقد إلى خبر عابر والآخر يجمده في زمن لا يتقدم.
خاتمة
يكشف تحليل مسرحية “حمّام نسوان” عن نص يتجاوز حدود الحكاية المتعلقة بأم فقدت ابنها، ليبني شبكة من العلامات التي تتفاعل داخل فضاء مسرحي مغلق، حيث يتحول الحمام إلى فضاء للسلطة والانتظار، ويتحول الماء إلى علامة على الموت، ويتحول الدم إلى ذاكرة، ويتحول الجسد إلى أرشيف للعنف، ويتحول العزاء إلى مسرح للغياب، ويتحول الصمت إلى لغة، ويتحول الانتظار إلى بنية زمنية تعيد إنتاج الفقد. وتمنح هذه السلسلة المسرحية وحدتها الداخلية وتفسر انتقالها المستمر بين اليومي والرمزي وبين الواقعي والعبثي وبين الحكاية والفعل الأدائي.
ومن هذه الزاوية تبدو تيمة الفقد الجماعي نقطة انطلاق أكثر منها نقطة وصول، ذلك أن الفقد يقود إلى سؤال الذاكرة وتستدعي الذاكرة الجسد ويكشف الجسد العنف وينتج العنف الغياب ويضع الغياب الجماعة أمام امتحان التضامن، وحين تغيب الجماعة يتحول العزاء إلى انتظار وحين يعجز الانتظار عن إنتاج الحضور يتحول الصمت إلى لغة احتجاجية. وتتخذ شخصية الأم موقعا مركزيا في هذا البناء، فهي تنتقل من امرأة مطالبة بالتطهر إلى امرأة تعيد تعريف معنى التطهر، ومن أم تبحث عن ابنها إلى حاملة لذاكرته ومن ضحية للاتهام الاجتماعي إلى شاهدة على منظومة كاملة من الخسارات. ويأتي تحول الماء إلى دم ليكثف هذا المسار بأكمله، إذ يصبح الماء الذي كان يفترض أن يمحو الأثر حاملا له ويصبح الطقس الذي فرضته الجماعة وسيلة لاستعادة الغائب ويتحول الاغتسال الذي ارتبط بالعار إلى احتضان رمزي للضحايا.
ويتأسس النص على مستوى البناء المسرحي على التكرار والانتظار والصمت والتناوب بين الحوار والفعل الجسدي، إضافة إلى الانتقال بين الشخصيات وأدوارها، كما في محاكاة النشرات الإخبارية والمراسلين والشهود. ويمنح هذا النص قابلية واضحة للقراءة من منظور جماليات الفرجة والمسرح الأدائي، حيث يتوزع إنتاج المعنى بين الكلمة والجسد والحركة والصمت والإيقاع. وبذلك يمكن صياغة الأطروحة التأويلية الجامعة للمسرحية على النحو الآتي: تشتغل “حمّام نسوان” على تفكيك طقوس الموت والعزاء والتطهر من أجل الكشف عن بنية اجتماعية يتداخل فيها العنف مع الصمت والنسيان والامتثال، وتعيد المسرحية بناء هذه الطقوس عبر الجسد والماء والدم والانتظار لتجعل من الذاكرة فعلا مقاوما لمحو الضحية ومن العزاء فضاء لاختبار حضور الجماعة وغيابها ومن الأم حاملة لذاكرة الفقد الجماعي. ومن ثم تتجاوز القيمة الفكرية للمسرحية سؤال من مات؟ إلى أسئلة أكثر تركيبا، يمكن إجمالها في كيف يعيش الأحياء مع موتاهم؟ وكيف تتحول الفجيعة إلى عادة؟ وكيف تتعامل الجماعة مع ضحاياها؟ وكيف يتحول الطقس إلى سلطة؟ وكيف يمكن للذاكرة أن تستعيد للضحية حضورها بعد أن غاب جسدها؟


