شاهدته مرتين .. وتمنيت لو كانت هناك ثالثة
محمد الروبي
من بين عروض كثيرة قدمها مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي في دورته الحالية، اخترت أن أشاهد العرض الأسباني المغربي “حديقة الهيسبيريديس” مرة ثانية.
شاهدت العرض للمرة الأولى في مهرجان بغداد العام الماضي، ثم وجدته أمامي من جديد في القاهرة.
أن يختار ناقد، وسط هذا العدد من العروض، عرضًا سبق أن شاهده، فهذا يعني أن به شيئ يستحق، وأن المشاهدة الأولى كانت حافزاً لمشاهدة أخرى وربما ثالثة.
فالعرض الذي أعود إليه يعني أن المشاهدة الأولى لم تنتهِ بانطفاء الضوء.
ثمة شيء بقي.
صورة، أو إحساس، أو سؤال لم يغلق العرض بابه عليه. ولذلك لم تكن المشاهدة الثانية بحثًا عن عرض أعرفه، وإنما محاولة لاختبار الأثر الذي تركه في الذاكرة. فهناك عروض تُرى مرة فتكتمل، وهناك عروض تظل مفتوحة، تدعوك إلى العودة إليها لأنك تشعر أن ما رأيته لم يكن كل ما فيها.
وهكذا عدت إلى “حديقة الهيسبيريديس”
لكنني هذه المرة حاولت أن أدخل إليها من باب عنوانها.
في الأسطورة اليونانية، كانت الهيسبيريديس حوريات أوكلت إليهن (هيرا ) حراسة حديقة التفاح الذهبي، تلك الحديقة البعيدة الواقعة عند الحافة الغربية للعالم، حيث تختلط الجغرافيا بالأسطورة، ويصبح التفاح الذهبي وعدًا بالخلود.
أما هنا، فلا أشجار ولا تفاح ولا حديقة بالمعنى المألوف. هناك أجساد، خمس نساء يصنعن كل ذلك وأكثر.
منذ اللحظة الأولى يبدو أن العرض، الذي صنعته أليسيا سوتو، يريد أن يقول لنا إن الحديقة يمكن أن تكون مكانًا آخر تمامًا، جسد المرأة، ذاكرتها، خوفها، رغبتها، أحلامها، وما تخفيه عن العالم وما تحاول استعادته منه.
تبدأ الخشبة عارية تقريبًا. بقعة ضوء وحيدة على صحن من الماء. تدخل امرأة، تجلس، وتمارس طقس نظافتها الشخصية، حتى تبلغ فعل حلاقة شعر ساقيها
لا شيء تقريبًا يحدث، ومع ذلك يحدث الكثير.
فالمرأة هنا وحدها مع جسدها، قبل أن تدخل الجماعة، وقبل أن يبدأ العالم في تحميلها أدواره وأعبائه. والماء، الذي سيعود طوال العرض بأشكال مختلفة، يبدو منذ البداية كأنه يفتح بابًا إلى الداخل، إلى جسد تحاول صاحبته أن تتعرف إليه، أو ربما أن تستعيده.
ثم تدخل النساء الأربع.
معاطف، حقائب على الظهور، وخطوات ثقيلة كأن كل واحدة تحمل جبلًا. ولا تلبث الحقيبة أن تتحول من متاع شخصي إلى عبء، ثم إلى أداة للعمل.. تضعها النساء أمامهن ويمسحن بها أرض الخشبة، في طقس يذكر بتنظيف البيت، ذلك العمل الذي يبدو بسيطًا حين نراه، لكنه يحمل تاريخًا طويلًا من تحميل المرأة مسؤولية المكان ومن فيه.
تتغير الحركة. انحناء ووقوف، بطء وتسارع، هرولة تبدو عشوائية وهي في الحقيقة شديدة التنظيم. نساء يعبرن من مكان إلى آخر، ثم ينهكهن العبور. فتسقط الأجساد.
تحمل إحداهن الأخرى، ثم الأخرى، حتى تتكوم الأجساد إلى جانب الحقائب.
وهنا، في لحظة صمت، ينفتح العرض على الداخل. تتقدم امرأة وتواجهنا بمونولوج عن ذلك الوحش الذي قد يغادر ثم يظهر، يختفي عن العين ثم يستقر في البيت والقلب والأحشاء. عن الفراغ والوحدة وذاك الألم الذي لا يحتاج إلى جسد مرئي كي يصبح أثقل من الجسد.
إنها لحظة انتقال مهمة، ما كان يُحمل على الظهر يمكن وضعه على الأرض، أما ما يسكن الداخل فلا حقيبة له.
تبدأ الأجساد من حولها في النهوض والسقوط، كأن ما تقوله المرأة ليس تجربتها وحدها، وإنما صوت موزع بين النساء جميعًا.
ثم يبدأ العرض في كشف هذه الأصوات واحدًا بعد الآخر.
امرأة تتذكر طفولتها، قصت ضفائرها في الثالثة عشرة، وقيل لها إن عليها أن تتصرف كسيدة. في جملة قصيرة تنفتح فجوة هائلة بين الطفلة والجسد الذي يريد المجتمع أن يصنعه منها.
الشعر، الذي سيظل حاضرًا في العرض، يصبح هنا رمزًا لما كان يمكن أن يكون عليه الجسد لو تُرك لذاته.
وأخرى ممزقة بين المكتب والمنزل. تصل إلى العمل وهي تفكر في البيت، وتعود إلى البيت وقد غاب عنها العمل. تسأل ساخرة: ما طبيعتها إذن؟ وهل عليها أن تكون ربة منزل؟ السؤال ليس عن وظيفة فقط، وإنما عن هوية امرأة يُطلب منها أن تنجح في مكانين في الوقت نفسه، ثم تُحاسب إن عجزت عن الجمع بينهما.
وثالثة تسأل عن قدسية الأنوثة، قبل أن يتحول السؤال إلى ألم جسدي، إلى ختان وإلى ولادة. يخرج الشال الأحمر من بين ساقيها، فيصبح الدم قماشًا، ويصبح القماش أداة تنظيف، ثم تنفجر الضحكات.
وهنا يفعل العرض شيئًا ذكيًا، لا يسمح للألم أن يستقر بوصفه مأساة خالصة. سرعان ما يتحول إلى احتفال غريب، إلى ضحك جماعي، إلى أجساد تهز الشالات الملونة وتستعيد قدرتها على اللعب.
ثم يظهر الرجل، لكنه لا يدخل الخشبة.
“تمطر السماء رجالًا ومظلات بيضاء. المظليون يهبطون، تتشابك أجسادهم في حبال الغسيل، يركلون الهواء ويصرخون” ..هكذا تقول إحداهن.
الصورة ساخرة وشعرية في آن.
الرجل يطير.
والمرأة تبقى على الأرض.
هو يعود بالمظلة الممزقة، وهي التي تخيطها وتنظفها وتطويها وتحفظها. هو يشتكي من الحبال التي تعيقه، بينما هي تعرف جيدًا أن تلك الحبال هي التي تحمل البيت كله.
لا يتحول الرجل هنا إلى شرير كاريكاتوري، ولا تتحول المرأة إلى ضحية عاجزة. إنما يعيد العرض ترتيب زاوية النظر. الرجل الذي اعتاد أن يكون مركز الحكاية يصبح غائبًا، بينما تتكلم النساء عن أثره في حياتهن.
وهذا فارق مهم.
إننا لا نرى الرجل بعين الرجل، وإنما نراه من داخل خبرة المرأة.
بعد كل هذا الصخب يعود العرض إلى الصمت. ثم تقول المرأة :” أغوص في أطنان من الصمت… أغوص في دم الأرض الطاهر.”
تحبو المرأة نحو مقدمة الخشبة، بينما تتحرك النساء في الخلف. الوحدة هنا لم تعد مجرد غياب الآخر، إنها فضاء شاسع يضغط على الجسد، حتى يبدو الوجود نفسه جاثمًا فوق الصدر.
ثم يأتي الشّعر من جديد.
“الحر الوحيد هو شعري…”
ترفع المرأة شّعرها، وتبدأ الأجساد خلفها في التحرك ببطء، كأنها عرائس فقدت وعيها، ثم تستعيده شيئًا فشيئًا. تتصاعد الموسيقى، وتتسارع الحركة، حتى تنفصل كل امرأة عن الجماعة لتؤدي رقصتها الخاصة.
كأن الجسد الذي كان محاصرًا في الجماعة يستعيد حقه في أن يكون فردًا.
ثم تأتي لحظة الاعتراف.
تتكلم المرأة عن أخطائها وتناقضاتها، صمتت حين كان ينبغي أن تصرخ، وصرخت حين كان ينبغي أن تصمت، تظاهرت بأنها شيء آخر لإرضاء البعض، ثم فعلت الشيء نفسه لإغضاب آخرين، كذبت وندمت، وقالت الحقيقة وندمت أيضًا. هكذا تقول إحداهن في منولوج مثير للشجن.
هي لا تتحدث عن (المرأة) بوصفها قضية.
إنها تتحدث عن نفسها. عن إنسان يحاول أن يفك عقدة الصورة القديمة التي ترسخت في داخله.
ولهذا تبدو الجملة الأخيرة في مونولوجها أشبه بخلاصة الرحلة كلها:
” يمكنك حتى أن تدفعني من على جرف، وسأقول: وماذا بعد عشق الطيران؟”
من حمل الحقيبة إلى الوقوف على حافة الجرف.
يصبح الرقص لغة فعلية، لا زينة مضافة إلى الكلام. الاقتراب والابتعاد، السقوط والنهوض، الانكماش والامتداد، كلها تكتب ما لا تستطيع المونولوجات وحدها كتابته.
ثم يأتي الماء من جديد، لكن هذه المرة في صورة أكثر دفئًا وحميمية.
نساء في حمام شعبي متخيل، أمام دلاء زرقاء، يغتسلن ويضحكن ويتهامسن ويساعد بعضهن بعضًا. إننا ننتقل فجأة إلى عالم نسائي خالص، عالم لا يبدو فيه الجسد موضوعًا للفرجة، وإنما موضوعًا للحديث والبوح والمرح.
وهذا المشهد من أهم مشاهد العرض، لأنه يخرج المرأة من صورتها المسرحية المعتادة بوصفها “موضوعًا” للنظر، ويمنحها مساحة تتكلم فيها مع النساء عن نفسها.
إحداهن تتحدث عن البحث عن العمل، عن لهجتها التي تصبح عيبًا، وعن شهادتها الجامعية التي لا تفتح لها الأبواب. تتحدث عن المفارقة القاسية، تتحدث لغة البلد، لكنها بعد ساعة من الحوار تُسأل إن كانت تتحدث لغتهم!
وأخرى تتحدث عن الزوج، وعن الشّعر المستعار، وعن رأسها الحليق، وعن الطريقة التي ينبغي أن تقدم بها نفسها داخل الزواج. كلام يبدو عابرًا وسط الضحك، لكنه يكشف كيف يمكن للجسد أن يصبح منطقة تفاوض مستمر بين ما تريده المرأة وما يريده الآخر منها.
الحمام هنا ليس مكانًا للنظافة فقط.
إنه مكان لاستعادة الكلام.
تغتسل النساء، ويساعدن بعضهن، ويتبادلن الماء، ويضحكن. وكأن التضامن نفسه يصبح طقسًا من طقوس التطهير.
ولذلك حين تتحول حركة الاغتسال تدريجيًا إلى رقص، يبدو الأمر طبيعيًا. لقد تحررت الأجساد من وظيفتها اليومية، ولو مؤقتًا، وصارت قادرة على اللعب.
الماء يغسل الماضي، لكن الجسد لا يعود فارغًا.
يخرج منه شيء آخر، قوة، رغبة، وذاكرة.
تستريح النساء كأنهن حوريات على شاطئ غير موجود، ثم تتصاعد الأغنية الفلكلورية والزغاريد والدفوف، ويتحول المكان إلى عرس. لكن العرس هنا ليس احتفالًا بزواج المرأة من رجل، إنه احتفال بالمرأة وهي تستعيد جسدها وحيويتها.
ثم يهدأ كل شيء.
تدخل النساء في طقس آخر، يخلعن ملابسهن الشفافة، يطوينها بعناية، ثم يرتدين ملابس مختلفة. لا زي موحدًا هذه المرة. كل امرأة تختار شكلها.
وهذه التفصيلة الصغيرة تختصر الكثير، التحرر ليس أن نستبدل صورة مفروضة بصورة أخرى. ليس أن تصبح النساء جميعًا متشابهات.
ولكنه أن تمتلك كل واحدة حقها في اختيار صورتها.
من الجسد المثقل إلى الجسد الذي يغامر بالطيران.
ثم تأتي النهاية في صورة طفولية مجنونة، الموسيقى الإلكترونية تصخب، والنساء يرششن الألوان على الأرض وعلى أجسادهن، يضحكن ويلعبن كأنهن يسترددن طفولة حُرمن منها في وقت مبكر.
وهكذا تنتهي الرحل لنستعيد ما رأيناه، أن الحديقة لم تكن موجودة في البداية.
لقد تشكلت أمامنا تدريجيًا.
من الماء، من الشّعر، من الحقائب، من الأجساد الساقطة، من المونولوجات، من الحمام النسائي، من الضحك، من الرقص، ومن اللون.
وهنا أظن أن عنوان العرض يكشف أخيرًا سره.
حديقة الهيسبيريديس ليست مكانًا تحرسه النساء، وإنما مكان تصنعه النساء.
كل واحدة منهن تحمل حديقتها في جسدها وذاكرتها. وقد يدخل الرجل إليها أو يغادر، وقد يترك فيها أثرًا أو جرحًا، لكنه لا يستطيع أن يمتلكها كاملة.
ولعل هذا هو التفاح الذهبي الحقيقي الذي يتركه العرض في يد المتفرج، إنه ليس وعدًا بالخلود، وإنما حق الإنسان في أن يستعيد جسده من الصور التي صنعها الآخرون له، وأن يخلق، من جديد، الحديقة التي تشبهه.
مع نهاية مشاهدتي الثانية للعرض، وقفتُ مع الجميع أصفق، لا لمتعة أصابتني فحسب، بل اعترافًا بما كانت تخبئه “الحديقة” من معنى، وربما اعتذارًا عما كنت أمر عليه فيها باستخفاف.

