مقالات

(معايشة صناعة العرض الأول)

حين يتحول التنظير المسرحي إلى ممارسة حية

 

حيدر عبدالله الشطري

 

بدأ المسرح العراقي في تجاربه المتعددة يلتفت شيئاً فشيئاً إلى ما يحدث قبل أن يصل العرض إلى الخشبة. فالعرض الذي نراه في ليلة تقديمه هو خلاصة أيام وأسابيع من القراءة والتجريب والاختلاف واتخاذ القرارات، وهي مراحل تختفي عادةً خلف النتيجة النهائية. ومن هنا تأتي أهمية النظر إلى صناعة العرض ذاتها بما فيها من تفاصيل فنية وتقنية وإدارية وإبداعية باعتبارها جزءاً أساسياً من التجربة المسرحية.

في هذا السياق جاءت تجربة (معايشة صناعة العرض الأول) التي أطلقها السينوغراف د. علي السوداني، وهي تجربة تقوم على إدخال الجيل المسرحي الجديد إلى قلب العملية الإنتاجية كي يرى العرض وهو يتكوّن ويتابع تحولات الفكرة منذ بدايتها حتى اقترابها من الجمهور، والمعرفة هنا تأتي من المعايشة ومن مراقبة التفاصيل وهي تتشكل أمام العين ومن متابعة القرار الفني وهو يختبر نفسه على الخشبة.

وقد تجسدت التجربة حتى الآن في عرضين مسرحيين هما (أنا… أنا) للفنانة الدكتورة عواطف نعيم، و(أنسوا هاملت) للمخرج د. كريم عبود في محافظة البصرة وهذان العرضان يمنحان المشروع قيمة إضافية لأن التجربة خرجت من إطار الفكرة إلى أرض العمل وصارت مرتبطة بعروض حقيقية وظروف إنتاج حقيقية.

والمشروع يأتي أيضاً امتداداً لمسيرة د. علي السوداني في السينوغرافيا العراقية، وهي مسيرة جمعت العمل الإبداعي بالاهتمام التربوي والتعليمي. غير أن الجديد هنا يكمن في طبيعة الدور الذي اختاره لنفسه فبدلاً من تقديم المعرفة من موقع المحاضر، يضع خبرته أمام المتدربين داخل ورشة إنتاج حقيقية حيث يكون لكل قرار ثمنه ونتيجته.

فالطالب الذي يدخل إلى هذه التجربة يرى أشياء يصعب أن تمنحه إياها المحاضرة وحدها. فهو يشارك في قراءة النص وتحليله ويتابع تشكل الرؤية الإخراجية والسينوغرافية ويرى كيف تتحول الأفكار إلى فضاء وكتلة وضوء وصوت وحركة. ثم تأتي البروفات لتختبر كل ذلك أمام الممثل حيث تظهر مشكلات لم تكن واضحة على الورق وتحتاج بعض الأفكار إلى تعديل وقد تسقط أفكار أخرى تحت ضغط الإمكانات أو الزمن أو طبيعة الخشبة.

وهنا تحديداً تكمن قيمة المعايشة فالطالب يتعرف إلى كيف يصنع العرض وليس إلى ما تقوله الكتب عن صناعة العرض فقط ويعرف لماذا اختار المخرج حلاً معيناً، ولماذا تغيرت فكرة سينوغرافية، وكيف يمكن لقرار صغير في الإضاءة أو الحركة أن يغير مشهداً كاملاً كما يكتشف المسافة بين ما نتصوره في الذهن وما تسمح به شروط الإنتاج حين نضع الفكرة أمام الخشبة والممثل والأدوات المتاحة.

وهذه المسافة مهمة جداً في تكوين المسرحي فكثير من خريجي أقسام المسرح يخرجون وفي أذهانهم قدر مناسب من المعرفة النظرية، ثم يكتشفون عند دخولهم العمل أن صناعة العرض لها منطق آخر هو منطق التفاصيل والوقت والإمكانات والعلاقات اليومية داخل فريق العمل. لذلك فإن رؤية هذه العملية وهي تحدث أمامهم تمنحهم معرفة من نوع آخر، معرفة تتكون من الاحتكاك والملاحظة والخطأ والتعديل.

وتتسع التجربة لتشمل مراحل تبدأ من القراءة والتحليل الدراماتورجي، ثم التصور الإخراجي والسينوغرافي، فالتحضيرات المتعلقة بالديكور والإضاءة والصوت والأزياء والموسيقى، وصولاً إلى البروفات والتجريب وما يرافق الأيام الأخيرة من مراجعة وضبط وتوتر يسبق العرض الأول. وهذه المرحلة الأخيرة تحديداً تكشف كثيراً من أسرار الصناعة لأن العرض عندها يكون قد اقترب من صورته أمام الجمهور، ومع ذلك تظل بعض التفاصيل قابلة للتغيير.

لهذا أجد أن تسمية التجربة بـ (معايشة صناعة العرض الأول) تحمل معناها بدقة فالمقصود هنا متابعة عرض بعينه في ظروفه الخاصة، بكل ما يرافقه من قرارات ومشكلات وحلول، وليس تقديم وصف عام لطريقة صناعة المسرح. فالمتدرب يرى التجربة وهي تحدث، ويتعلم من خصوصيتها، ولذلك تصبح علاقته بالمعرفة أقرب إلى التلمذة الميدانية منها إلى التدريب التقليدي.

وهذا ما يميز التجربة عن الورشة الفنية المعتادة فالورشة تقدم عادةً مجموعة من المعارف والتمارين ضمن زمن محدد، وقد تنتهي بانتهاء التدريب. أما هنا فالمتدرب يدخل إلى سياق إنتاجي قائم فعلاً، ويعيش ضغط البروفة، وانتظار النتيجة، وتبدل القرار، ومشكلة الإمكانات، وعلاقة المخرج بالممثل وبقية عناصر الفريق. إنه يرى كيف يتفاوض الفن مع الواقع كل يوم.

وفي المشهد المسرحي العراقي، حيث ما تزال المسافة بين الدراسة الأكاديمية والممارسة العملية بحاجة إلى جسور أكثر، تبدو مثل هذه التجربة ذات أهمية خاصة. فهي تمنح الطالب فرصة الاقتراب من المهنة قبل أن يغادر المؤسسة التعليمية، وتعيد التأكيد على أن العرض المسرحي عمل جماعي تتداخل فيه تخصصات وخبرات عديدة، وأن نجاحه يعتمد على انسجام هذه العناصر بقدر اعتماده على الموهبة الفردية.

كما أن انتقال التجربة من بغداد إلى البصرة يحمل دلالة تستحق الانتباه. فالمشروع حين يغادر مركزه الأول ويذهب إلى محافظة أخرى يفتح أمام نفسه إمكانية أوسع للتواصل مع المسرحيين الشباب في المحافظات، ويمنح التجربة فرصة لأن تتشكل وفق بيئات إنتاجية مختلفة. وهذه خطوة مهمة باتجاه توسيع دائرة الفعل المسرحي وعدم إبقاء المعرفة والخبرة محصورة في مركز واحد.

وثمة جانب آخر يستحق الالتفات، يتعلق بالتوثيق. فنحن نملك في المسرح العراقي أرشيفاً للعروض ومواداً نقدية وصوراً وملصقات، بينما تبقى تفاصيل تكوّن العرض أقل حضوراً في الذاكرة المسرحية. فماذا حدث في البروفات وكيف تغيرت الفكرة الأولى ولماذا حُذف مشهد أو تبدلت قطعة من السينوغرافيا وكيف واجه الفريق مشكلة إنتاجية كل هذه التفاصيل جزء من تاريخ العرض أيضاً، وتوثيقها يمنح الأجيال اللاحقة فرصة للتعرف إلى المسرح من داخله.

من هنا أرى أن قيمة تجربة (معايشة صناعة العرض الأول) تتجاوز حدود مشروع تدريبي عابر. إنها محاولة لوضع الخبرة المسرحية في مكانها الطبيعي داخل الممارسة وهي في الوقت نفسه دعوة إلى النظر في الطريق الذي يسلكه العرض قبل أن يصل إلى الجمهور، ذلك الطريق الذي يحمل في داخله كثيراً من الأسئلة الفنية والتقنية والإنسانية.

 

ان تجربة د. علي السوداني تستحق أن تستمر وأن تتسع، وأن تنتقل إلى محافظات أخرى، وأن تتحول مع الوقت إلى تجربة أكثر انتظاماً في التوثيق والتطبيق. فالمسرحي الشاب يحتاج إلى الكتاب والمحاضرة، ويحتاج معها إلى أن يقف قرب الخشبة في أثناء ولادة العرض، وأن يرى الفكرة وهي تتعثر ثم تنهض، وأن يعرف أن المسرح الذي يصل إلى الجمهور في ساعتين قد تكون وراءه أيام طويلة من العمل والصبر والاختيار.

فمعرفة الطريق قبل الوقوف على الخشبة قد تكون واحدة من أهم المعارف التي يحتاجها المسرحي في بداياته.

Alfurja

Alfurja

About Author

موقع مجلة الفرجة صادر عن: مركز الفنون العربية الفرجة.
الملف الصحافي: 37/ 2014ص.
الايداع القانوني: ردمد 9452/2421

اشترك في نشرتنا الإخبارية

    خلف الكواليس وفي قلب الحدث.. اشترك لتعرف كل جديد وتصلك كواليس المسرح وأخباره إلى بريدك

    جميع الحقوق محفوظة © 2026

    error: نعتذر، نسخ المحتوى غير مسموح به لحماية حقوق الملكية