قراءات نقدية

أركيولوجيا الذاكرة: قراءة في فيلم «مدرسة الإصلاح» لجميل اليعقوبي

مهدي منصور

 

يقدّم المخرج العُماني جميل اليعقوبي في فيلمه الوثائقي مدرسة الإصلاح (1967-1971) نموذجًا لافتًا لما يمكن تسميته بالسينما الأركيولوجية، تلك التي لا تكتفي بتسجيل الوقائع، بل تنقّب في طبقات الذاكرة المحلية لاستعادة ما كاد يُمحى منها. يوثّق الفيلم، في 39:41 دقيقة، تجربة مدرسة أهلية أسّسها ثلاثة إخوة عُمانيين عائدين من الهجرة في حارة الرمل بولاية عبري، دون أن يملك أرشيفًا بصريًا يُعتد به يسند هذه الحكاية.

من هنا تنبع قيمة العمل الأساسية: تحويل غياب الأرشيف إلى منهج إخراجي بديل، قائم على الصوت والشهادة الشفوية كبديل جمالي عن الصورة المفقودة. فالفيلم يفتتح بصوت شاهد حقيقي يسبق الصورة، في قرار إخراجي يُعلن منذ اللحظة الأولى أن التاريخ هنا حاضر سمعيًا لا بصرياً . يليه لون ترابي مهيمن على الكادر، بوصفه استعارة بصرية للتراب الذي بُنيت منه المدرسة وللزمن الذي طمر حكايتها.

يوازن الفيلم بذكاء بين شهادة الأخ الباقي من الإخوة المؤسسين، بثقلها التأسيسي، وشهادات طلاب سابقين تمنح المدرسة بُعدًا معيشياً حميمياً. كما يشتغل التصميم الصوتي من الموسيقى التراثية إلى أصوات الأزقة وحفيف القراطيس على إعادة بناء مسرح صوتي كامل لحقبة غابت صورتها.

تكتسب التجربة دلالتها التاريخية من موقعها الزمني الحرج: أربع سنوات فقط من الاجتهاد الأهلي، توقفت مع افتتاح أول مدرسة حكومية في الولاية، في لحظة انتقال حضاري من المبادرة الفردية إلى مؤسسة الدولة الحديثة بعد 1970. بهذا المعنى لا يوثّق الفيلم مدرسة فحسب، بل يوثّق ميلادًا ومحواً في آنٍ واحد.

نقدياً، يمكن قراءة العمل ضمن تصنيف بيل نيكولز للنمط التشاركي والشعري معاً، وفي ضوء مفهومي مواقع الذاكرة عند بيير نورا وما بعد الذاكرة عند ماريان هيرش. ومع نضجه الإخراجي، يبقى العمل مفتوحًا على أسئلة لاحقة: غياب الصوت النسائي، ومحدودية الاعتماد على شاهد واحد أخير.

يخلص هذا الفيلم إلى أنه ليس مجرد سرد لتاريخ مدرسة أهلية، بل بيان ضمني حول وظيفة السينما الوثائقية ذاتها حين تفتقر السياقات إلى أرشيف: أن تصبح هي الأرشيف البديل، وأن تحوّل التصوير إلى فعل إنقاذ للذاكرة من الاندثار.

 

الرابط لقراءة الدراسة الكاملة:

https://drive.google.com/file/d/1XX179QBQR6PQSkO_6xaEBnJ5XPuS_40_/view?usp=drivesdk

Alfurja

Alfurja

About Author

موقع مجلة الفرجة صادر عن: مركز الفنون العربية الفرجة.
الملف الصحافي: 37/ 2014ص.
الايداع القانوني: ردمد 9452/2421

اشترك في نشرتنا الإخبارية

    خلف الكواليس وفي قلب الحدث.. اشترك لتعرف كل جديد وتصلك كواليس المسرح وأخباره إلى بريدك

    جميع الحقوق محفوظة © 2026

    error: نعتذر، نسخ المحتوى غير مسموح به لحماية حقوق الملكية