مقالات

أوبريت (( ولادة السؤال )) للكاتبة نهاوند الكندي             

   د.علية الزوار

 

ينفتح أوبريت ولادة السؤال على فضاء مسرحي لا يتأسس على الحكاية بوصفها سلسلة من الأحداث المتتابعة فحسب، وإنما يتأسس منذ لحظته الأولى على سؤال وجودي يحاول أن يمنح الفعل المسرحي مبرره الداخلي. فالاستهلال المعتم، المصحوب بصوت النبض، ثم حضور (الزمن) بوصفه صوتًا غير مرئي، يضع المتلقي منذ البداية أمام فضاء يتجاوز المكان الواقعي، ويهيئه لتلقي حكاية تتحرك بين الإنسان والاساطير التأملات الفلسفية. ويأتي السؤال ((لماذا أموت؟)) بوصفه البذرة الأولى التي تتفرع عنها معظم الأسئلة اللاحقة في النص، الأمر الذي يمنح العمل وحدة فكرية واضحة، ويجعل عنوانه (ولادة السؤال) منسجمًا مع بنية النص الدلالية.

ويُحسب للنص أنه لم يجعل السؤال مجرد عنصر حواري، بل جعله قوة محركة لمسار الشخصية الرئيسية. فالسؤال يبدأ مرتبطًا بالموت، ثم يتحول تدريجيًا إلى سؤال عن السلطة والقوة والحب والصداقة والعدالة ومعنى الحياة، إلى أن يصل في النهاية إلى سؤال أكثر عمقًا: كيف يمكن للإنسان أن يجعل حياته جديرة بالعيش؟ وبهذا ينتقل النص من سؤال الخلود إلى سؤال القيمة، ومن محاولة تجاوز الموت إلى محاولة فهم الحياة.

ويقدم النص شخصية كلكامش في بدايته ضمن صورة سلطوية مكتملة الملامح؛ فهو لا يرى القوة وسيلة لتحقيق التوازن، بل يراها غاية في ذاتها. عباراته الأولى تقوم على الإطلاق والتملك: ((لا شيء فوق إرادتي)) و((لا شيء خارج قبضتي))، وهي لغة تكشف عن ذات متعالية متضخمة لا ترى حدودًا فاصلة بين إرادتها وإرادة الآخرين. وهذه نقطة إيجابية في بناء الشخصية، لأن النص لم يقدم كلكامش منذ البداية باعتباره بطلًا أخلاقيًا، وإنما وضعه في منطقة التناقض، وجعل رحلة التحول التي يمر بها لاحقًا ناتجة عن مواجهة هذا الخلل في شخصيته. وتزداد فاعلية هذه الصورة عندما تُقابل بصوت الشعب، إذ يكشف الكورال أن الناس لم يريدوا الطغيان، وإنما أرادوا الحماية والنظام. وهنا يتشكل صراع دلالي بين مفهومين للقوة: قوة يراها الحاكم حقًا مطلقًا له، وقوة يريدها الشعب بوصفها حماية ومسؤولية. وهذه المفارقة تمنح الشخصية عمقًا أوليًا جيدًا، لأنها تجعل كلكامش لا يمثل الشر المطلق، بل يمثل انحراف القوة حين تنفصل عن المسؤولية. إلا أن بناء الشخصية لا يخلو من مأخذ واضح؛ إذ إن كلكامش في مراحل معينة يبدو أقرب إلى حامل للفكرة التي يريد النص إيصالها منه إلى شخصية تعيش الصراع من الداخل. فبدل أن تكشف بعض التحولات عن نفسها من خلال الفعل والتردد والانكسار، تقوم الشخصية في أحيان كثيرة بالإفصاح عن وعيها بصورة مباشرة. وهذا يجعل التحول النفسي مفهومًا للمتلقي، لكنه يقلل من مساحة الاكتشاف الدرامي. فالشخصية لا تحتاج دائمًا إلى أن تقول ما تشعر به؛ إذ يستطيع الفعل والصمت والموقف المسرحي أن يكشف ذلك بصورة أكثر تأثيرًا.

أما إنكيدو، فيمثل النقيض الدرامي والفكري لكلكامش. فهو يأتي من فضاء الطبيعة، ولا يحمل التاج ولا السلاح ولا سلطة المدينة. وتقوم شخصيته على الحرية الفطرية في مقابل القيد الذي صنعته السلطة. لذلك فإن مواجهته لكلكامش ليست مواجهة جسدية فقط، وإنما مواجهة بين تصورين للوجود. كلكامش يرى العالم من موقع السيطرة، بينما يرى إنكيدو العالم من موقع الانتماء إليه. ومن هنا تأتي أهميته في البناء، فهو ليس صديقًا مستقبليًا لكلكامش فحسب، بل هو المرآة التي تكشف له ما فقده.

وتعد عبارة إنكيدو: ((أنا ما لم تصبحه بعد حين تنسى أنك ملك)) من أكثر اللحظات نجاحًا في بناء العلاقة بين الشخصيتين، لأنها تختصر الصراع بين الإنسان والملك داخل كلكامش نفسه. غير أن إنكيدو، مثل كلكامش، يعاني أحيانًا من هيمنة الخطاب الفكري على التكوين النفسي؛ فهو كثيرًا ما يتحدث بلسان الحكمة، ويبدو في مواضع عديدة وكأنه يمتلك الإجابة قبل أن يمر بالتجربة كاملة. وكان يمكن للشخصية أن تصبح أكثر قوة لو امتلكت مساحة أكبر من التردد والخطأ والتناقض، خصوصًا أن قيمتها الدرامية تزداد حين تعترف لاحقًا بأنها شاركت في قتل (حمبابا )وأنها أخطأت في فهم القوة.

وتأتي شخصية (حمبابا ) بوصفها إحدى أكثر الشخصيات إثارة للاهتمام في النص؛ لأنها لا تُبنى على صورة الخصم التقليدي، وإنما يجري تحويلها إلى صوت للطبيعة والتوازن. وعندما يقول حمبابا: ((أنا لست وحشًا، أنا توازن العالم قبل أن يختل))، ينتقل الصراع إلى مستوى أكثر تعقيدًا ، فلم يعد كلكامش وإنكيدو أمام عدو يجب القضاء عليه، وإنما أمام وجود لا يفهمانه. وهذه النقلة مهمة لأنها تضع البطولة نفسها موضع سؤال. غير أن النص لا يستثمر هذه الإمكانية الدرامية بما يكفي. ف(حمبابا )يملك مبررات فكرية وأخلاقية قوية، لكن المواجهة معه تُحسم بسرعة نسبيًا. ويظهر تردد إنكيدو في لحظة مهمة حين يسأل: ((إذا قتلناه فما الذي سنكونه بعد ذلك؟))، إلا أن قرار كلكامش (أسطورة) يأتي ليغلق مساحة الصراع الأخلاقي بسرعة. وهنا يمكن تسجيل إخفاق درامي يتمثل في أن أهمية السؤال أكبر من الزمن المسرحي الذي مُنح له. ختاماً يشكل الجهد المسرحي أعلاه أهمية قصوى في تأطير المسرح النسوي في البصرة بهالةِ من التميز و ولادة حية لأشراقة جديدة نحو الابداع و الفكر المتفتح و الناضج الذي جمع بين التاريخ و الأسطورة و اللغة المسرحية الواضحة التي اجادتها الكاتبة و وضعت بين طياتها التساؤلات التي استجلبت اجاباتها من النص ذاته فنتجت عن ذلك مجموعة من الصور الفلسفية و الجمالية المتكاملة فناً و فكراً و معرفة …

Alfurja

Alfurja

About Author

موقع مجلة الفرجة صادر عن: مركز الفنون العربية الفرجة.
الملف الصحافي: 37/ 2014ص.
الايداع القانوني: ردمد 9452/2421

اشترك في نشرتنا الإخبارية

    خلف الكواليس وفي قلب الحدث.. اشترك لتعرف كل جديد وتصلك كواليس المسرح وأخباره إلى بريدك

    جميع الحقوق محفوظة © 2026

    error: نعتذر، نسخ المحتوى غير مسموح به لحماية حقوق الملكية