قراءة: م. سجاد عبد ناصر حلو
المسرح، في جوهره فعل تمثيلي وطقس وجودي يُعيد مساءلة الإنسان في هشاشته القصوى، ويقوده إلى مواجهة عارية مع ذاته. من هذا المنطلق، يأتي عرض “الطابق الخامس” للمخرج سجاد سعد، الذي احتضنته كلية الفنون الجميلة بجامعة واسط اذ مثل العرض تجربة تتجاوز حدود الفرجة إلى مساحة اشتباك حي مع الذاكرة الجمعية، مستلهمًا صوره من فاجعة حريق “الهايبر ماركت” في الكوت عام 2025.
لا يركن العرض إلى اللغة المنطوقة بقدر ما ينحاز إلى جسدٍ يقول ما تعجز الكلمات عن حمله. هنا، يتحول الصمت إلى بنية دلالية قائمة بذاتها، وتغدو الحركة وسيطًا تعبيريًا يختزن التوتر، الفقد، والذهول. أجساد الممثلين تؤدي أدوارًا و تتقمص حالات؛ تتلوى، تتجمد، وتتكرر في إيقاع دائري يوحي بأن المأساة تعاد بصيغ مختلفة، وكأنها قدر اجتماعي يتجدد باستمرار.
في هذا السياق، يركز العرض على استكشاف فكرة التكرار المأساوي والبنية العميقة التي تهيمن على السرد. التكرار لا ينحصر فقط في مستوى الحدث المرجعي انما يتداخل مع البنية الحركية للمشهد: دوائر بشرية مغلقة، محاولات هروب تعود دائمًا إلى نقطة البداية، وسقوط يتكرر بلا نهاية، كأن الخلاص مستحيل. هذا التكوين لا يهدف إلى محاكاة الواقع بقدر ما يسعى إلى كشف آلياته الخفية، حيث يبدو الموت امتدادًا لموت سابق وليس قطيعة معه. من هنا، يقترب العرض من حدود العبثية، باعثًا إحساسًا ثقيلاً بعدم جدوى النجاة في عالم يمضي في إعادة إنتاج كوارثه بلا توقف.
أما البعد السيكولوجي، فيتجلى عبر تفكك الهوية الفردية لصالح كيان جمعي مكسور. فتقدم الشخصيات على شكل ضحايا أو شهود أو حتى ضمائر مؤجلة صامتة تجسد صدمة تتجاوز القدرة على التعبير. إننا أمام حالات من القهر المكتوم، الذهول، وربما الإنكار، حيث يتحول الجسد إلى ساحة صراع داخلي، ويغدو التعبير الحركي بديلاً اضطراريًا للكلام.
ولا يقف العرض عند حدود الرثاء انما يتقدم نحو صياغة خطاب احتجاجي مكثف، يتجنب المباشرة ويعتمد الرمز. قد لا يرفع شعارات صريحة، لكنه يفضح، عبر تكويناته البصرية، بنية الإهمال والتكرار القاتل. النار، حتى وإن لم تُجسّد حرفيًا، حاضرة كأثر: في الارتباك، في الفوضى الحركية، في الانهيار التدريجي للأجساد. إنه احتجاج يُبنى من الداخل، من تفكيك الحدث وإعادة تركيبه بوصفه سؤالًا أخلاقيًا مفتوحًا.
في محصلته النهائية، يضع “الطابق الخامس” المتلقي أمام تجربة لا تمنحه راحة التلقي بقدر ما تدفعه إلى التورط الوجداني. وهنا تتجلى الوظيفة التطهيرية للمسرح، لا بمعناها الأرسطي الكلاسيكي القائم على التفريغ انما يتعدى ذلك الى الصدمة التي تُعيد ترتيب العلاقة مع الألم فالتطهير هنا يأتي عبر الاعتراف بثقل المأساة واستحالة تجاهلها بهذا، ينجح العرض في أن يكون أكثر من عمل مسرحي؛ إنه مرآة حادة لذاكرة تنزف، ومحاولة جمالية لتحويل الفاجعة إلى وعي، ولو كان هذا الوعي موجعًا.

الجسد كمعبد: البيوميكانيك وتطهير اللاوعي
في “الطابق الخامس”، يتوارى الصوت ليصعد الجسد إلى الواجهة، محولاً إياه إلى معبد تتجلى فيه آلام الروح. الأداء الصامت، الذي اتخذه العرض لغة له جسد حضوراً مكثفاً للرمزية العالية حيث تتجلى المشاعر والأحاسيس في كل إيماءة وحركة. هذا التوظيف البارع للجسد يكشف عن رؤية إخراجية عميقة، قادرة على تطويع طاقات الممثلين المتعددة، وصهرها في تشكيلات جسدية رمزية، ترسم لوحات متحركة تحكي قصة الفاجعة وتكرارها الأبدي. إنها صور تتجاوز الزمان والمكان، لتؤكد أن المأساة الإنسانية لا تعرف حدوداً
يقول أنطونين أرتو، رائد “مسرح القسوة”: المسرح هو المكان الوحيد في العالم، ربما، حيث يمكننا أن نرى، ونحن نائمون، الأخطاء التي نرتكبها، وأن نرى، ونحن مستيقظون، الأخطاء التي نرتكبها في الحياة” .
يتجلى هذا المفهوم في الإيقاع المتسارع والمستمر للأداء، الذي يدفع الممثلين إلى أقصى حدود الجهد الجسدي. هذا الاستنزاف الطاقوي للممثل، الذي يذكرنا بـ”الممثل القديس” عند جيرزي غروتوفسكي والذي يمثل وسيلة لإحداث صدمة لدى المتلقي، وكسر جدار اللامبالاة. من خلال فعل مسرحي يهدف إلى إيقاظ الحواس الخام، ودفع الجمهور إلى مواجهة حقيقة الألم الإنساني دون مواربة. لقد استطاع المخرج، ببراعة، أن يستثمر هذه الطاقات الجسدية، ليخلق تجربة مسرحية مكثفة، تترك أثراً عميقاً في الروح.
إن الأداء الجسدي المحكم، الذي يسيطر على كل حركة وإيماءة، يستدعي مفهوم “البيوميكانيك” عند فسيفولود مايرهولد، الذي رأى أن الجسد هو الأداة الأساسية للتعبير المسرحي، وأن الحركة يجب أن تكون دقيقة ومحسوبة لإيصال المعنى. فالممثلون في “الطابق الخامس” شكل كل منه أداة تعبيرية دقيقة، تنقل رسائل احتجاجية ورموزاً عميقة، مستخدمين لغة عالمية يفهمها اللاوعي الجمعي. هنا، يتجلى دور المسرح في تحقيق “التطهير” (Catharsis) الأرسطي عبر الجسد الذي يتألم ويعبر فيثير في المتلقي مشاعر الشفقة والخوف، ليخرج بعدها مطهراً من هذه الانفعالات.
كارل يونغ، في تحليله لللاوعي الجمعي، يرى أن الرموز والأساطير تتجلى في الفن لتعبر عن تجارب إنسانية مشتركة. إن التشكيلات الجسدية التي قدمها المخرج، والتي صورت الانتقال من حادث إلى آخر، ومن موت إلى موت آخر، هي تجسيد لهذه الرموز البدائية التي تلامس أعماق اللاوعي الجمعي، وتوقظ فيه إحساساً مشتركاً بالفقد والألم، وتدعو إلى التفكير في المسؤولية الجماعية.

تنافر العناصر: الموسيقى والإضاءة كنشاز بصري وسمعي
على الرغم من قوة الأداء الجسدي إلا أن بعض العناصر الفنية الأخرى بدت كنشاز في سيمفونية العرض. الموسيقى في بعض لحظاتها لم تتناغم مع إيقاع الأداء وشكلت انحرفا نحو رقصات بدت غريبة عن جوهر المسرحية. هذا التباين بين السمعي والبصري أضعف من زخم بعض المشاهد، وشتت تركيز المتلقي. ومع ذلك في لحظات أخرى أظهر المخرج قدرة على دمج الحركة والصوت ببراعة، ليخلق دلالات رمزية عميقة تثري المشهد وتزيد من تأثيره.
أما الإضاءة فقد بدت كعنصر منفصل عن نسيج العرض رمزية الألوان وتوظيفها لم يخدما السياق الدرامي بل أسهما في تشتيت المتلقي، وحجبا عنه جزءاً من الحدث فالإضاءة في المسرح هي لغة بصرية تساهم في بناء الأجواء وتحديد المعنى، وتوجيه الانتباه حين تفقد الإضاءة وظيفتها الدلالية تتحول إلى مجرد ضوء وتفقد قدرتها على إثراء التجربة المسرحية. هنا، يمكننا أن نتذكر بيتر بروك الذي أكد على أهمية “الفضاء الفارغ”، حيث كل عنصر على الخشبة يجب أن يكون له معنى ودلالة. إن غياب هذا الانسجام في الإضاءة يكسر وحدة الفضاء المسرحي ويضعف من قدرته على احتواء المتلقي.

الزمن المسرحي: التكرار بين التأكيد والإطالة
لقد غفل المخرج عن حساسية الزمن المسرحي، فالتكرار المتعمد للمشاهد، وإن كان يحمل في طياته إمكانية التأكيد على فكرة أو إحداث تأثير معين، إلا أنه في “الطابق الخامس”، بدا أحياناً كإطالة غير مبررة التكرار كأداة فنية يتطلب وعياً دقيقاً بتأثيره على إيقاع العرض وتماسكه حين يتحول التكرار إلى حشو فإنه يفقد فاعليته ويخاطر بإحداث الملل لدى المتلقي مما يؤثر سلباً على ديناميكية العرض.
“الطابق الخامس”، في مجمله، يقدم تجربة مسرحية مبهرة في جانبها الحركي والجسدي. إنه دليل على قدرة المخرج سجاد سعد على قيادة مجموعة كبيرة من الممثلين وصياغة صور جسدية معبرة لقد نجح العرض في إيصال رسالته الاحتجاجية بقوة مستلهماً من مأساة حقيقية ومستخدماً الصمت لغة للصرخة ومع ذلك، فإن بعض الجوانب الفنية كالموسيقى والإضاءة والزمن المسرحي تحتاج إلى مراجعة وتطوير لكي يرتقي العرض إلى مستوى الكمال الفني الذي يطمح إليه هذه التجربة، على الرغم من بعض القصور تبقى إضافة نوعية للمشهد المسرحي العراقي وتؤكد على قدرة المسرح على الغوص في أعماق القضايا الإنسانية والاجتماعية وتقديمها برؤية فنية متفردة قادرة على إحداث التطهير وإيقاظ الوعي الجمعي.


