رشيد بنطالب
ليس كل ما يصعد إلى الخشبة يصبح مسرحا، كما أن التصفيق، مهما كان صاخبا، ليس دائما دليلا على اكتمال التجربة المسرحية. فالمسرح، في جوهره، اختبار للزمن، وللجسد، وللعلاقة بين الممثل والفضاء والجمهور، وما يبقى من العرض لا يتحدد فقط بما يراه المتلقي لحظة المشاهدة، وإنما بما يواصل الاشتغال داخله بعد إسدال الستار.
من هذه الزاوية، بدت لي مسرحية «الكونجي»، التي شاهدت عرضها مساء أمس بوجدة، تجربة تستحق التوقف عندها، ليس باعتبارها عرضا جديدا فحسب، وإنما باعتبارها مغامرة إخراجية خاضها حفيظ البدري في ظرف زمني وجيز، واستطاع خلالها أن يمنح المشروع شكلا مسرحيا متماسكا وقابلا للنقاش والتطوير.
وأقول «قابلا للتطوير» عمدا، لأن قيمة العرض الأول لا تكمن في ادعاء الكمال، بل في امتلاك مقومات تسمح للعمل بأن ينمو مع توالي العروض.
وهنا تكمن أهمية التجربة.
فالمسرح لا ينضج فقط داخل قاعات التدريب، بل يكتشف نفسه أيضا أمام الجمهور. العرض الأول ليس خاتمة لمسار الاشتغال، وإنما لحظة انتقال من المسرح الذي يتخيله صانعوه إلى المسرح الذي يختبره المتلقي.
من موقع الفنان والمخرج، كان أكثر ما استوقفني في «الكونجي» هو الطريقة التي تعامل بها حفيظ البدري مع عامل الزمن. فالسرعة في إنجاز عرض مسرحي يمكن أن تكون خطرا حقيقيا، لكنها قد تتحول، حين تقترن برؤية واضحة وانضباط في إدارة العناصر، إلى نوع من الرهان الجمالي.
الخشبة لا تخفي كثيرا.
إنها تكشف بسرعة ما لم ينضج، وتفضح الارتباك بين مكونات العرض، وتكشف أيضا حين تكون السينوغرافيا منفصلة عن الأداء، أو حين تتحول الإضاءة إلى مجرد وظيفة تقنية، أو حين يصبح الانتقال بين المشاهد مجرد عملية ميكانيكية.
في «الكونجي»، لم أشعر بهذا التفكك.
ثمة وعي واضح بالإيقاع باعتباره عنصرا بنائيا في العرض، وليس مجرد سرعة في الحركة أو الانتقال. فالإيقاع يتشكل هنا من علاقة الممثل بالفضاء، ومن توقيت الحركة، ومن حضور الضوء، ومن الانتقالات، ومن المساحات التي يمنحها العرض للصمت.
وهذا الجانب تحديدا يكشف عن اشتغال إخراجي يستحق الانتباه.
فالمخرج لا ينجح بالضرورة حين يضيف المزيد إلى الخشبة، وإنما حين يعرف ما الذي يجب أن يبقى، وما الذي ينبغي أن يتراجع، ومتى يتقدم العنصر المسرحي ومتى يصمت.
إن الاقتصاد في استخدام العناصر لا يعني فقرا، كما أن كثرتها لا تعني غنى.
القيمة الحقيقية تكمن في العلاقة التي تنشأ بينها.
وهذا ما بدا لي حاضرا في «الكونجي»: السينوغرافيا لم تحاول أن تكون بطلا موازيا للممثل، والإضاءة لم تكتف بتأدية وظيفتها التقنية، والانتقالات لم تأت بوصفها فواصل ضرورية بين أجزاء العرض، بل دخلت هذه العناصر في تركيب واحد يخدم الفعل المسرحي.
ومن هنا يمكن الحديث عن مفهوم أساسي في التجربة: وحدة العرض.
قد نجد في المسرح عروضا تمتلك ممثلين جيدين، أو سينوغرافيا لافتة، أو إضاءة متميزة، أو موسيقى مؤثرة، لكن اجتماع هذه العناصر لا ينتج بالضرورة عرضا ناجحا. فالمشكلة ليست في جودة كل عنصر على حدة، وإنما في قدرته على الانتماء إلى الرؤية نفسها.
في «الكونجي»، كان هناك اشتغال واضح على هذه الوحدة.
الجسد يتحرك داخل الفضاء لا بجواره، والضوء يتفاعل مع الحدث لا معه فقط، والسينوغرافيا تمنح الفعل المسرحي شروط وجوده دون أن تصادره، فيما يساهم الإيقاع العام في جعل هذه العناصر تتحرك داخل نسق واحد.
وهنا تحديدا تظهر وظيفة المخرج باعتباره مهندس العلاقات بين العناصر، لا مجرد صاحب قرار فوق الخشبة.
حفيظ البدري لم يكن مطالبا فقط بإخراج نص أو توجيه ممثلين؛ كان عليه أن يصنع، في فترة قصيرة، لغة مشتركة بين مجموعة من الفنانين والتقنيين. وهذه المهمة ربما كانت أكثر صعوبة من مجرد ترتيب المشاهد.
فالمسرح الجماعي لا يقوم على جمع الطاقات، وإنما على تنظيم اختلافاتها داخل رؤية واحدة.
والعرض، في النهاية، هو نتيجة هذا التفاوض المستمر بين ما يريده المخرج، وما يقدمه الممثل، وما يسمح به الفضاء، وما تقترحه التقنية، وما يضيفه الجمهور من خلال حضوره.
من هذه الزاوية، فإن ما تحقق في «الكونجي» يستحق الإشادة، لا باعتباره إنجازا مغلقا، وإنما باعتباره بداية مشجعة لمشروع يمكن أن يستفيد كثيرا من الزمن اللاحق.
لأن العرض الأول، مهما بدا متماسكا، يظل يحمل إمكانات لم تظهر بعد.
وكل عرض جديد يمنح الممثل فرصة لاكتشاف منطقة أخرى في الشخصية، ويمنح المخرج إمكانية إعادة النظر في الإيقاع، ويتيح للتقنيين ضبط تفاصيل ربما لم تكن ظاهرة في البروفة، ويمنح العمل ككل فرصة لأن يتحول من «عرض منجز» إلى «تجربة مسرحية حية».
وهذا هو الرهان الذي أعتقد أن «الكونجي» يقف أمامه الآن.
ليس السؤال فقط: هل نجح العرض في الوصول إلى الخشبة؟
بل: ماذا يمكن أن يصبح هذا العرض بعد عشرة عروض، وبعد عشرين، وبعد أن تتراكم عليه خبرة الجمهور والممثلين والمخرج؟
تلك هي المسافة التي تفصل العمل المسرحي عن المناسبة المسرحية.
ومن الإنصاف، أيضا، أن نقرأ تجربة «الكونجي» بعيدا عن منطق الأحكام النهائية. فالفن لا يحتمل كثيرا من اليقين، وكل قراءة تظل قابلة لأن تعدلها مشاهدة أخرى. وما يمكن قوله بعد العرض الأول هو أن هناك أساسا إخراجيا وتقنيا واضحا، وأن هناك قدرة على جمع عناصر متعددة داخل إيقاع موحد، وأن حفيظ البدري استطاع أن يخوض مغامرة زمنية صعبة دون أن يجعل الاستعجال مرادفا للفوضى.
وهذا، في حد ذاته، ليس أمرا بسيطا.
تحية لحفيظ البدري، وللفنانين والتقنيين الذين شاركوا في هذه التجربة، ليس فقط لأنهم قدموا عرضا في ظرف وجيز، وإنما لأنهم وضعوا أمام المسرح الوجدي تجربة تستحق أن تتابع، وأن تناقش، وأن تتطور.
أما ما بقي لدي بعد انتهاء العرض، فلم يكن مشهدا بعينه ولا عنصرا منفردا، بقدر ما كان إحساسا بأن مكونات العرض كانت تبحث عن إيقاع مشترك.
ولعل هذه هي النقطة الأكثر أهمية في «الكونجي».
أن تتحول عناصر متعددة إلى جسد واحد.
فحين يحدث ذلك، لا تعود الخشبة مجرد مكان تتجاور فيه الأشياء، بل تصبح فضاء تتنفس فيه الأشياء.


