مهدي منصور
في السجلات الرسمية، وُلدت كليستان طاهر في الخامس والعشرين من أيلول عام 1966. لكن الرواية الشفهية التي توارثتها العائلة تحكي قصة مختلفة، تُرجّح أن ميلادها الحقيقي وقع في مكان ما بين عامي 1969 و1974. هذه الفجوة الصغيرة بين الورقة والذاكرة لم تكن مجرد تفصيل بيروقراطي، بل كانت أشبه بمرآة مبكرة لحياة كاملة عاشتها هذه الفنانة بين ما هو مكتوب رسمياً وما هو محفور فعلاً في وجدان أهلها وجمهورها.
بدأت الحكاية في قلب الجزيرة السورية، حين انضمت الفتاة الصغيرة إلى فرقة “شورش” في تل تمر والحسكة عام 1984، ثم إلى فرقة “روناهي” في درباسية، لتمتد هذه المرحلة التأسيسية حتى عام 1992. كانت تلك سنوات التمرّن على الخشبة والصوت، سنوات تكوّن فيها وعيها بأن الفن ليس ترفاً، بل وسيلة لقول ما لا يُقال بغيره.
حين التقى الفن بالحب
في آذار من عام 1993، وبعد زواجها من المخرج والكاتب المسرحي عادل إسماعيل، بدأت كليستان مسيرتها الفنية المستقلة. لم يكن هذا الزواج نهاية لطموحها الفني، بل بداية شراكة إبداعية طويلة امتدت لعقود، جمعت بين الغناء والمسرح، وصنعت من كليستان طاهر اسماً له حضوره الخاص في الذاكرة الفنية الكردية.

على الخشبة: من هيكابي إلى نسرين
كان عام 1994 نقطة تحوّل مفصلية. وقفت كليستان على الخشبة لأول مرة في مسرحية “هيكابي” العالمية، من تأليف يوربيدس وإخراج زوجها عادل إسماعيل، لتؤدي دور البطلة نفسها في راس العين والحسكة. وفي العام ذاته، شاركت في المهرجان الأول للمسرح الكردي في سوريا، حيث نالت الجائزة الأولى لأفضل ممثلة دور نسائي، مناصفة مع شقيقتها الفنانة مزكين طاهر، في مشهد يجسّد كيف كان الفن قضية عائلية بقدر ما هو قضية شخصية.
توالت بعد ذلك الأعمال المسرحية الكبرى: “ميديا” عام 1995 في دمشق، حيث جسّدت الشخصية الأسطورية بكل ثقلها التراجيدي؛ ثم “الكهف” عام 1997 في الحسكة بدور الأم خاتون؛ و”افعل شيئاً يا ميت” لعزيز نيسين عام 1998؛ و”إمبراطورية الظلام” عام 2000 في قامشلو؛ و”صرخة من مدينة الحب” عام 2002 التي حملتها الفرقة إلى ألمانيا وبلجيكا؛ و”انهيار المملكة” عام 2007 في ألمانيا، بمشاركة مع فرقة مسرحية ألمانية.
لم تتوقف كليستان عند حدود اللغة أو الجغرافيا. ففي عام 2017 شاركت في المسرحية الألمانية “الجيران” (Die Nachbarn)، وفي 2024 قدّمت “صرخة صامتة” ضمن مهرجان كركوك الدولي لمسرح الشارع في دورته الثامنة، بالتعاون مع المدربين البلجيكيين ليلى هوبن وكريس. وفي العام نفسه، توّجت مسيرتها المسرحية بمونودراما “نسرين”، التي كتبها أحمد إسماعيل إسماعيل وأخرجها عادل إسماعيل، ونالت عنها جائزة تقديرية لأفضل دور نسائي، وواصلت تقديمها في مهرجانات دولية عام 2025، ومنها الدورة التاسعة لمهرجان كركوك ذاته.

صوت يغني بلغة الأم
إلى جانب المسرح، شقّت كليستان طريقها في عالم الغناء بعد عام 1993، بدعم من زوجها. أصدرت أربعة ألبومات غنائية: “جتو” عام 1994، و”سيد خان” عام 1997، ثم “مم کازنا ژ دلية خو دكي” عام 1998، و”قامشلوكا أفينة” عام 2000. كما سجّلت أغاني فردية محفورة في الذاكرة الجماعية مثل “كانيا حيلة” و”صوند” و”كڤوكا سپي” و”هفرين كفوكا أشتية”.
غنّت مع فرق فنية عديدة: شورش في الحسكة، وروناهي في درباسية، وميتان في رأس العين، وروناك في دمشق، وحلبجة في الحسكة، وميديا في قامشلو، وأحيت حفلات خاصة في قامشلو ورأس العين والحسكة. وتجاوز صوتها الحدود السورية إلى جمعية صلاح الدين في عمّان عام 1997، وجمعية رزكاري الكردية في بيروت عام 1998، ثم إلى ألمانيا وأوروبا حيث شاركت منذ عام 2000 في مناسبات نوروز والاحتفالات القومية الكردية على مدى سنوات طويلة.
إرث امرأة رفعت صوت نساء بلا صوت
لم تكن كليستان طاهر، أو كليستان سوباري كما عُرفت فنياً، مجرد ممثلة أو مطربة. كانت امرأة اختارت أن تجعل من جسدها وصوتها منبراً لقضية أكبر منها: أن يُسمع صوت المرأة الكردية في زمن كان الصمت هو الخيار الأسهل. من هيكابي الحزينة على أطلال طروادة، إلى ميديا الغاضبة المنتقمة، إلى نسرين التي حملت اسمها الأخير على الخشبة، بدت كليستان وكأنها تعيد في كل شخصية جزءاً من حكاية نساء كثيرات لم يُتح لهن أن يقفن تحت الأضواء.
رحلت كليستان طاهر في الرابع من أيلول عام 2026، تاركة خلفها أربعة عقود من الغناء والتمثيل، ومسيرة عبرت الحدود من الجزيرة السورية إلى ألمانيا وبلجيكا والأردن ولبنان، وجائزتين تقديريتين تشهدان على موهبة نادراً ما توقفت عن التجدد. لكن الإرث الحقيقي الذي تركته لا يُقاس بالألبومات أو الأدوار وحدها، بل بالمساحة التي فتحتها لكل امرأة كردية أرادت أن تغني، أن تمثّل، أن تُسمِع صوتها للعالم دون استئذان.


