بالتعاون مع هيئة اليونسكو وصندوق التنمية الثقافية
في خطوة تستهدف الحفاظ على واحد من أبرز نماذج التراث الشعبي المصري ونقل خبراته إلى الأجيال الجديدة، يوم الجمعة القادمة الموافق 18 من سبتمبر 2026، يستضيف “بيت السحيمي” فعاليات المرحلة الثانية من البرنامج التدريبي المتخصص في ” فنون الأراجوز المصري”، ضمن مشروع “صون التراث وبناء القدرات للتراث الثقافي غير المادي لفن الأراجوز والدمى اليدوية التقليدية في مصر”، بالشراكة بين “صندوق التنمية الثقافية ومنظمة اليونسكو وفرقة ومضة كشريك فني يقود عملية التدريب”.
ويستند البرنامج إلى رؤية تقوم على أن الحفاظ على التراث لا يقتصر على توثيقه، وإنما يمتد إلى ” نقل مهاراته وخبراته الحية إلى جيل جديد قادر على استيعابها وممارستها واستلهامها”، من خلال تجربة تدريبية تجمع بين المعرفة النظرية والتطبيق العملي، والاستفادة المباشرة من خبرات حملة فن الأراجوز من الممارسين، باعتبارهم «كنوزًا بشرية» حية لهذا الفن. ويقود التدريب عددا من هؤلاء الكنوز منهم: الفنان علي أبو زيد سليمان، والفنان محمود السيد، والفنان مصطفى الصباغ، والفنان سمير شكوكو، والفنان صبري سعد متولي الشهير “صابر شيكو”.
كذلك الاستعانة بعدد من المتخصصين في مجال الدمى مثل: د. سعيد أبو رية والفنان يوسف مغاوري والفنان عادل ماضي .. وغيرهم.
ويعتمد البرنامج على نظام ” المعايشة الطويلة “، في تجربة تمتد إلى ” 7 أشهر ” مقسمة على فصلين تدريبيين، بواقع 14 أسبوعًا لكل فصل.
ويركز الفصل الأول على “تقنيات التراث”، وصولًا إلى تمكين المتدرب من تقديم العروض التراثية بإتقان ومهارة، فيما يستكمل الفصل الثاني رحلة التدريب بالانتقال إلى مرحلة “الاستلهام “، حيث يعمل المتدربون على إنتاج عروض جديدة تتناول أفكارًا وموضوعات جديدة، ولكن داخل الإطار التقني التراثي، وصولًا إلى تشكيل مشروعات التخرج.
ويقدم البرنامج منهجًا متكاملًا يجمع بين ” الجوانب النظرية والعملية والتطبيقية”؛ إذ يتعرف المتدربون على الجوانب الفنية والتاريخية المرتبطة بفن الأراجوز، ومفاهيمه وعناصره، إلى جانب التدريبات العملية والعروض التي يقدمها المشاركون تحت إشراف المدربين.
كما يستند المنهج إلى الخبرات النظرية والعملية للكنوز البشرية الحية، وقد وضع المنهج العلمي للتدريب د. نبيل بهجت الخبير العلمي والفني للمشروع، معتمدًا على بعض مؤلفاته مثل: كتب «الأراجوز المصري» و«الأراجوز بين الرواية الأصيلة والمزيفة» و«خيال الظل المصري»” ، فضلًا عن 58 ملف عرض تدريبي مدعم بالصور والفيديوهات.
وتتسع دائرة التدريب لتشمل ” فلسفة واستراتيجيات فن الأراجوز، ودور اللاعب والمالغي، وعلاقة العرض بالجمهور، وتحريك الدمى، والمعايشة، والنمر التراثية” ، بما يمنح المتدرب فهمًا أعمق لهذا الفن باعتباره ممارسة شعبية تشكلت داخل الفضاء العام وتفاعلت مع السلطة والمجتمع والواقع المعيش.
وتأتي ” «الأمانة»”، بوصفها أحد العناصر الأساسية في عروض الأراجوز، والتي تميز صوت الأراجوز عن أصوات باقي الشخصيات.
ويخضع المتدربون لتدريبات مستمرة على الأمانة صناعةً وأداءً طوال فترة التدريب، بواقع لا يقل عن ساعة في كل يوم تدريبي، إلى جانب التدريبات المنزلية التي يكلف بها المشاركون.
وبالتوازي، يبدأ المتدربون دراسة وحفظ ” النمر التراثية” التي انتقلت عبر العصور بتفاصيلها الحركية واللفظية، مع التعرف على تكنيك صناعتها، ويستمر التدريب عليها حتى نهاية البرنامج، ويبلغ عددها 19 نمرة تراثية.
ومن أهم عناصر التدريب تأتي صناعة الدمية.. من النحت إلى الشخصية، من خلال ورش عملية يتعلم خلالها المشاركون مراحل تصنيع الدمى، بدءًا من النحت والصنفرة والتلوين، وصولًا إلى اختيار الملابس والإكسسوارات التي تتناسب مع نمطية كل شخصية.
كما يتعرف المتدربون على وسائط العرض المختلفة لفن الأراجوز، ومنها ” العربة والبرفان والخيمة” ، وسمات كل وسيط وطريقة صناعته.
وتشمل المراحل المتقدمة تدريبات مكثفة على المالغية والارتجال والتحريك وصناعة الفكاهة اللفظية والحركية والإيقاع الموسيقي، إلى جانب الغناء بالأمانة وبدونها، واستنطاق الجمهور وضبط الإيقاع العام للعرض في انسجام وتناغم.
ومع الانتقال إلى الفصل الثاني، ينتقل التدريب من حفظ التراث إلى استلهامه وتتطور رحلة المتدرب من إتقان المهارات التراثية إلى فهم ” بنية العرض وصناعته” ، والتدريب على النمر الحركية واللفظية والغنائية، والتفاعل مع الجمهور، وصناعة الفكاهة، فضلًا عن التدريب على دمى القفاز بخامات متعددة.
وفي مرحلة مشروعات التخرج، يواصل المشاركون تقديم العروض التراثية، حيث سيقوم المتدربون بجولات ميدانية لتقديم عروض الأراجوز أمام الجمهور في عدد من المحافظات المختلفة، كشكل من أشكال التدريب التطبيقي على ذلك وتحت إشراف هيئة التدريب.
بالتوازي مع استلهام مفرداتها لمعالجة موضوعات جديدة، مستخدمين الاستراتيجيات والفلسفة نفسها التي تقوم عليها العروض التراثية، تحت إشراف فريق التدريب الأساسي.
وتختتم الرحلة بإنتاج ” مشروعات التخرج” ، التي تجمع بين عرض تراثي وآخر مستلهم، قبل عرض المشروعات واختتام الدورة وتسليم الشهادات. ويحصل من يجتاز البرنامج بنجاح، وفقًا للتقييم المعلن، على شهادات معتمدة من إدارة المشروع، كما أنه سيتم دعم المتدربين بخمسة عشر مسرح أراجوز متنقل بدمى الأراجوز كنواة لتشكيل خمس عشرة فرقة لهذا الفن وهو ما يضمن أهم أشكال الاستمرارية وتتابع الأجيال.
وهكذا يقدم البرنامج نموذجًا يتجاوز فكرة التدريب التقليدي؛ فهو يضع المتدرب في قلب تجربة تهدف إلى ” تلقي الفن من أساتذته، ومعايشة ممارسيه، وإتقان تقنياته، ثم الانتقال من حفظ التراث إلى القدرة على استلهامه وتطوير أدوات التعبير الفني والإبداعي من داخله” .

