مقالات

جمالية الاشهار البصري في تشكل خطاب العرض المسرحي (النهر والحسين)

 للمخرج رحيم مهدي

 

د.حيدر علي الاسدي 

 

قدمت نقابة الفنانين في محافظة بابل وضمن مهرجان ينابيع الشهادة المسرحي بنسخته الثانية عشرة والتي أقيمت للمدة من 5-7 تموز 2026 في بابل مسرحية (النهر والحسين) من اعداد القاص باسم القطراني والفنان رحيم مهدي وإخراج الفنان (رحيم مهدي) وساعده (منتظرالاسدي، كرار السعدي) والاشراف الموسيقي حفظي بدران، اما الالحان والتوزيع فكانت من نصيب (رحيم مهدي، عارف فؤاد) والهندسية الصوتية لكرار الحلي ورحيم مهدي، واعتمد العرض المسرحي على الأناشيد والقصائد الشعرية ومنها قصيدة (النهر والمقصلة) للشاعر العراقي الكبير موفق محمد، وقصيدة (الملاك الذبيح) للشاعر حامد الشمري، وقد أدى الأناشيد(سحر فاضل، مهند العلي، محمد المنصور، عارف فؤاد، رحيم مهدي) اما من أدى صوت الحسين (الدبلجة/الخلفية الصوتية) فهو سجاد العراقي ومن قدم صوت السيدة زينب (سحر فاضل) وصوت الشمر (رحيم مهدي) وهو من العروض التي ضمت العديد من الميزات البصرية والاخراجية لما اشتمل على عناصر تميزه على المستوى الاشهاري البصري جعلت الحضور يتفاعل مع هذا العرض المتكامل، اذ يعد الاشهار البصري خطابًا تواصليًا يجمع السمات الفكرية والاجتماعية بتقنيات فنية وسائطية متعددة تظهر الجوانب الجمالية وتعكس المضامين الفكرية التاريخية لتشكل بذلك بناء المعنى من الخطاب المسرحي.

فالمخرج وبطريقة قصدية واعية استخدام العناصر البصرية ضمن العرض المسرحي لخلق الاحساس لدى الجمهور من اجل التفاعل فهو قدم العديد من الرموز والصور البصرية التي تمثل علامات واشارات تعزز من المضمون لفكرة المسرحية وذلك عبر السرد البصري لبناء المعنى الذي يحيل لواقعة الطف وشخوصها ومواقفهم، وهو ما عزز الدلالات للفكرة المطروحة في بناء الخطاب المسرحي الحسيني في هذا العرض، وهذه القصدية الاشهارية البصرية تمثلت في توظيف الاضاءة من اجل تعميق الجانب النفسي وكذلك الاداء الجسدي المتنوع للمجاميع لإحداث الاثر التواصلي مع المتلقي، اذ ان الاشهار البصري القصدي في هذا العرض كان روح العرض المسرحي من الجوانب البصرية والسمعية وتأثيراتهما السيكولوجية بفعل (المجاميع المؤدية)، كما شهدت القصدية التفاعل الكبير من الجمهور واشراكه بالعرض على المستوى العاطفي والاثارة والتشويق في طريق بناء المشاهد وتوالي الاحداث فهو حاول ان يحول المعاني الى صورة بصرية عبر الاداء الجسدي المقرون بالموسيقى والألوان وملئ الفضاءات المفتوحة بالأداء الحركي المتواصل.

ان من جمالية التفاعل هو تعزيز الدلالة القصدية من خلال الوسائطية مثل استخدام الفيديو في العروض وهو ما فعله المخرج وذلك من خلال بناء المعنى عبر سرد بصري يتشكل معناه من خلال فعل التأويل والتلقي لتلك المعاني بطريقة واقعية غير مبالغ فيها، ويمثل الجانب الجمالي للإشهار البصري في هذا العرض المسرحي عبر توظيف مجموعة من العناصر التي ساهمت بتحقيق هدف المسرحية من خلال احداث التواصل عبر الوسائطية بمجال جمالي عكس روح العصر الحالي من حيث استخدام التقنيات، كما ان الابهار البصري في المسرح يمثل الاستخدام الكامل لعناصر السينوغرافية والضوء وحركة الممثلين ودلالات الألوان وتوظيف العناصر الوسائطية لصورة مسرحية تنفذ الى الجمهور بهدف هيمنة اللغة البصرية لنقل المضامين الى المتلقي وذلك عبر تصميم ميزانسيني دقيق لفضاءات العرض المسرحي (لاسيما المفتوحة منها) من خلال توزيع المفردات الديكورية والاضاءة لخلق الحالة النفسية وعيش أجواء ومؤثرات النص التاريخي المقدم في هذا العرض المسرحي، ناهيك عن ضبط الإيقاع في العرض المسرحي واستخدام شاشات العرض الرقمية المعاصرة لعمل خليط متجانس بين اللغة النصية الحوارية الواقعية وبين الأصوات الرقمية والصور البصرية المؤثرة كما فعل ذلك بدقة المخرج رحيم مهدي في محاولة للارتقاء بمشهدية ممتعة للجمهور تحول خلالها العرض المسرحي الى فرجة احتفالية من حيث التكوين الصوري والموسيقى والأداء الحركي للمجاميع والشخصيات الرئيسة مما ساهم بإيصال أفكار هذه المسرحية بدقة عالية في خطاب العرض المسرحي من خلال تشكيله للمعنى عبر تداخل صوري ورمزي وتعبيري ليكون الجمهور مشاركًا في انتاج المعنى بتمثلاته البصرية وابعاده الفكرية التاريخية.

يحسب للمخرج انه استخدم الفضاء المسرحي المغاير (الفضاء المفتوح في ساحة كلية الفنون الجميلة في جامعة بابل) لان انتاج وتقديم هكذا عرض مسرحي لا يمكن ضمن فضاء العلبة التقليدي، كما يحسب للمخرج انه استعان بعددٍ من الممثلين ووظفهم وهم من غير المتخصصين وانما فرقة مسرحية من احد المواكب الحسينية في بابل (موكب لواء العباس) وبمختلف الاعمار والذين شكلوا مشهدية نموذجية لواقعة الطف بما فيها من احالات رمزية وتاريخية، عبر بناء تقني محكم لمفردات وعناصر العرض المسرحي ( شاشة داتا شو كبيرة/ شاشة أخرى في مكان اخر ، صحراء تمثل ساحة حرب، الفسطاط ، فضاءات أخرى لتحرك المجاميع في الحوارات الفكرية او لحظات الحركة من اجل القتال) فانضباط العرض المسرحي تمثل في عملية التوازن بين اللحظة التاريخية واللحظة المعاصرة التي أراد ان يسقطها المخرج المسرحي سواء اكان ذلك عبر بعض الحوارات الشعرية او من خلال الإيحاء بالأزياء المعاصرة (بذلة معاصرة) ناهيك عن الاختيار اللوني الذي يجمع بين الابهار البصري والتعميق السيكولوجي للحادثة والتجسيد الحركي للمجاميع وهم يؤدون الأدوار تارة بزي تاريخي ويتقاطع ذلك بالأزياء المعاصرة فهو حاول ان يمسك روح الفكرة التاريخية ويعصرنها ليقول ان الحسين فكرة ممتدة على امتداد الأجيال وبالوقت نفسه ان معسكر الشر الوحشي مستمر بسلوكه على امتداد الحقب والعصور فالشر يتوالد من ذلك الفعل التاريخي الشنيع، كما ان من اهم عناصر الابهار البصري استخدام قطعة القماش البيضاء وتحولها الدلالي في العرض المسرحي (كفن، نهر….الخ)

فالمخرج حافظ على قيم الواقعة التاريخية وبنفس الوقت قدمها بطريقة الابهار البصري الممتع الذي يقدم لمحات لانعكاس ذلك الحدث التاريخي على لحظتنا الراهنة وهنا يكمن ذكاء المخرج في اخراج هكذا عرض مسرحي يحافظ على الفكرة التاريخية بما هي (فكرة نصية ثابتة) والعمل على التحولات البصرية لإيصال هذه الفكرة مع بث احالات للواقع المعاصر، كما ان الإيقاع الموسيقي كان يتناغم بصورة كبيرة مع توزيع الإضاءة واثرها النفسي ومع حركات الممثلين والمجاميع بطريقة هرمونية مميزة تدل على الضبط الاخراجي لكل مشهد من مشاهد هذا العرض المسرحي، الاجمل ان المخرج مر على الحادثة التاريخية بطريقة لم يغفل او يتناسى أي من تلك الاحداث المهمة التي جرت في العاشر من محرم الحرام سنة 61 للهجرة ولكن دون أي ممل لأنه كان يعتمد في بناء تلك اللحظات على مشهدية زاخرة بالمتعة البصرية والموسيقية التي كسرت حدة الممل، يحسب للمخرج انه استخدم كل المساحات الجغرافية للفضاء استخدام دلالي وجمالي مما جعل المتفرج في حالة تشويق وانتظار دائمين، كل الحب والاحترام لتلك الجهود الكبيرة التي قدمها المخرج رحيم مهدي وفريقه المتعاون والمنضبط معه في تحويل فكرة تاريخية مهمة الى صور بصرية جاذبة وممتعة وفي الوقت ذاته قدمت رسالة بطريقة معاصرة الى الجمهور العراقي وهو ما يعزز القيمة الفكرية والمسرحية (لعروض المسرح الحسيني).

 

* د.حيدر علي الاسدي (ناقد واكاديمي)

Alfurja

Alfurja

About Author

موقع مجلة الفرجة صادر عن: مركز الفنون العربية الفرجة.
الملف الصحافي: 37/ 2014ص.
الايداع القانوني: ردمد 9452/2421

اشترك في نشرتنا الإخبارية

    خلف الكواليس وفي قلب الحدث.. اشترك لتعرف كل جديد وتصلك كواليس المسرح وأخباره إلى بريدك

    جميع الحقوق محفوظة © 2026

    error: نعتذر، نسخ المحتوى غير مسموح به لحماية حقوق الملكية