إعداد وحوار: مهدي منصور
أول مرة وضع فيها والدي الناي العربي على شفتيه، كان هناك شيءٌ انكسر داخلي… أو ربما وُلد. ذلك الصوت لم يغادرني بعدها أبداً. كأن روحي كانت تعرف الموسيقى قبل أن تجد لها اسماً.
بدأتُ مع الناي، من النقطة نفسها التي وقف عندها أبي. ثم جاء البيانو، وجاء الغيتار؛ كان كلُّ آلةٍ عالماً ينبغي اكتشافه. لكن الساكسفون كان حكاية مختلفة؛ ففي أقسى فترات الخدمة العسكرية، بين الأوامر والصمت المفروض، كانت أصابعي تجد طريقها وحدها. فالموسيقى لا يمكن إسكاتها، حتى تحت الزي العسكري.
في عام 2004 أسستُ الاستوديو الخاص بي؛ بيتاً للأصوات التي كانت تتراكم في ذهني. إلى جانب أساتذة كبار مثل پورتراب ومظلومي وصادقي، تعلّمت أن التلحين ليس مهنةً فحسب، بل طريقة في الرؤية؛ أن ترى ما يكتفي الآخرون بسماعه.
من برنامج «بگو بخند» على قناة نسيم إلى الأفلام القصيرة والطويلة، كانت كل نغمة أكتبها قطعةً من روحي تنزف فوق الورق. موسيقى الفيلم بالنسبة لي ليست إضافةً مفروضة، بل ولادة جديدة؛ تولد من قلب السرد، من قلب الصمت، من تلك الوقفة التي قد تكون أثقل من أوركسترا كاملة.
اليوم أنا واحد من أبناء جيلي في موسيقى مدينتي، لكنني لم أكبر إلى الحد الذي أنسى فيه من كنت. ما زلت ذلك الفتى نفسه؛ الذي وقف، أصغى، ولم يعد كما كان أبداً.
خوزستان هي صوت حرارة الأرض، وأنا مجرد واحد ممن يحاولون حفظ ذلك الصوت.
1/ ما الدور الذي لعبته خوزستان في تشكيل هويتك الموسيقية؟
خوزستان أرض الأصوات الحيّة. إيقاعات الجنوب، حرارة المناخ، الحياة الجماعية للناس، والارتباط العميق بين الموسيقى والطقوس والحياة اليومية… كل ذلك حاضر في لاوعيي. هذه الأرض علّمتني أن الموسيقى ليست فناً فقط، بل نَفَسُ جغرافيا كاملة.
2/ هل أنت أقرب إلى الموسيقى التراثية أم إلى التيارات الحديثة؟
جذوري في الموسيقى التراثية، لكن أغصاني نمت برؤية أكاديمية وحديثة. أؤمن أن الهوية الحقيقية تتشكل حين يجلس التراث والمعرفة المعاصرة جنباً إلى جنب في توازن دقيق؛ لا يبتلع أحدهما الآخر، ولا يخاف أحدهما من الآخر.
3/ ما أول مواجهة ذهنية لك مع السيناريو؟
ذلك الإحساس الذي يولد من داخل الحكاية. ليس الشخصيات فقط، ولا الأجواء وحدها، بل الشعور الذي يعيش بينهما. الموسيقى يجب أن تنبع من داخل الفيلم، لا أن تُلصق عليه من الخارج.
4/ هل موسيقى الفيلم قائمة على السرد أم على الإحساس؟
لا يمكن فصل الاثنين. السرد يرسم الطريق، والإحساس يمنح هذا الطريق روحه. إذا غاب أحدهما، تعثّر الآخر. أفضل موسيقى كتبتها كانت تلك التي لم يعد ممكناً التمييز فيها بين السرد والإحساس.
5/ ما مكانة الصمت إلى جانب الصوت؟
الصمت جزء من الموسيقى، وليس غياباً لها. أحياناً تكون وقفة محسوبة أعمق أثراً من توزيع أوركسترالي ضخم. الصمت يمنح المتلقي فرصة أن يسمع داخل الصورة؛ ذلك الشيء الذي لا تراه الكاميرا.
6/ كيف تتشكل علاقتك مع المخرج؟
على أساس الانسجام. نتحدث عن المشاعر، والتوقعات، والعالم الداخلي للعمل، لكي تسير الموسيقى والفيلم في خط واحد. لكن بصراحة، واجهت أحياناً مخرجين يريدون السيطرة على كل شيء، رغم أنهم لا يستطيعون التعبير عما في أذهانهم. التعاون المهني الحقيقي لا يولد إلا من الثقة المتبادلة.
7/ كيف تقيّم تجربتك مع مهدي منصور؟
كانت تجربة مهنية ومحترمة. مهدي منصور فنان أخلاقي يحترم جميع عناصر العمل، ويمنح المؤلف الموسيقي حرية تقديم رؤيته وإبداعه. وهذه الحرية بالنسبة لي، وأنا أنظر إلى الموسيقى كجزء حيّ من السرد، كانت أمراً أساسياً.
8/ هل كانت الموسيقى في هذا التعاون مكمّلة للصورة أم دافعة للسرد؟
الاثنان معاً، بحسب حاجة المشهد. في بعض اللحظات وقفت الموسيقى خلف الصورة لتدعمها، وفي لحظات أخرى سبقتها وقادت السرد. هذا التوازن لم يكن مخططاً مسبقاً، بل خرج من داخل الفيلم نفسه.
9/ ما أبرز التحديات والإنجازات في هذا التعاون؟
التحدي كان العمل عن بُعد وعبر الإنترنت. لكن هذه المسافة صنعت شيئاً غريباً؛ تركيزاً ذهنياً أكبر، وتشتيتاً أقل، وفي النهاية انسجاماً ربما لم يكن ليكون بهذه النقاوة لو كنا نعمل حضورياً.
10/ كيف ترى مستقبل الموسيقى في خوزستان؟
رغم كثرة المواهب، نعاني من فوضى عميقة. هناك نقص في دراسة الموسيقى العالمية بجدية، وضعف في البنية الأكاديمية، وغياب للتخطيط المنهجي، مما يجعل الأفق ضبابياً. الإمكانيات موجودة، لكن الطريق غير واضح.
11/ هل يُنصف الفنانون الخوزستانيون بقدر موهبتهم؟
لا. كل فنان هنا يقاتل كأنه جيشٌ وحيد. هذا التشتت يبدد القوة الجماعية ويترك كثيراً من المواهب تنطفئ في العزلة. لو اجتمعت هذه الطاقات يوماً، سيحدث أمر كبير.
12/ ما أبرز الفراغات التي يجب الالتفات إليها؟
غياب التوثيق، وندرة التكريم، وقلة الجوائز، وضعف الاهتمام الإعلامي بالفنان المحلي. والنتيجة أن الروّاد يختفون في صمت التاريخ، من دون تلاميذ أو امتداد حقيقي لهم. إنها كارثة ثقافية بطيئة.
13/ ما الدور الذي يمكن أن يلعبه الجيل الشاب؟
الجيل الشاب قادر على صناعة الفرق، بشرط أن يبتعد عن التقليد الأعمى، ويبحث عن هويته الخاصة. أرى اليوم تيارين متوازيين؛ فريقاً يقلّد، وآخر يحاول اكتشاف ذاته. وإذا تحقق التوازن بينهما، فستولد ملامح جديدة لموسيقى خوزستان.
14/ هل الموسيقى بالنسبة لك تعبير شخصي أم مسؤولية اجتماعية؟
كلاهما، ولم أشعر يوماً أن بينهما تناقضاً. الفنان لا يستطيع أن ينفصل عن جغرافيته. عندما أعزف، فأنا أتحدث عن نفسي، وعن مدينتي، وعن الناس الذين أنتمي إليهم.
15/ هل يستطيع الفن أن يداوي جراح الجغرافيا؟
بالتأكيد. إذا خُلق الفن بصدق، فإنه يرمم الذاكرة الجماعية ويصنع الأمل. ليس بطريقة شعاراتية، بل بهدوء… كالماء الذي يجري تحت الأرض.

