مقالات

كيف تحدّى المشروع الثقافي اضطراب العالم؟

قراءة في فاعليات الدورة الثامنة من المهرجان الدولي للمونودراما بقرطاچ

 

بقلم /حسام الدين مسعد

في عالمٍ تتنازع فيه الحروب خرائط الجغرافيا، وتزداد فيه العزلة الإنسانية تحت ضغط التحولات السياسية والاقتصادية والرقمية، يبرز سؤال جوهري: هل ما تزال الثقافة قادرة على مقاومة اضطراب العالم؟
وهل يمكن لمهرجان مسرحي متخصص في جنس دقيق كالمونودراما أن يتحول إلى مشروع حضاري يواجه الانكسارات ويصنع فضاءً للحوار والتفاعل الإنساني؟
ربما جاءت الدورة الثامنة من المهرجان الدولي للمونودراما بقرطاچ لتجيب عمليًا عن هذه الأسئلة، لا عبر الشعارات، وإنما عبر فعل ثقافي ومسرحي راهن على الاستمرارية والانفتاح والاحتكاك الفني، رغم ما أحاط بالدورة من تحديات وعقبات.
لقد بدا واضحًا منذ اللحظة الأولى أن إدارة المهرجان لا تتعامل مع المونودراما بوصفها مجرد جنس مسرحي قائم على الممثل الواحد، بل باعتبارها مشروعًا ثقافيًا قادرًا على تصدير الثقافة التونسية عربيًا ودوليًا، عبر استقطاب التجارب المختلفة، وخلق حالة من التفاعل بين الفنانين والجمهور والنقاد والباحثين.
لكن كيف تجلّت هذه الرؤية على مستوى الفاعليات؟
لقد اختارت إدارة المهرجان أن تؤسس دورتها على التنوع والتعدد، فجاءت المسابقات الثلاث وكأنها تمثل خريطة متكاملة للمشروع الثقافي للمهرجان.
فالمسابقة الرسمية للعروض المحترفة، التي حملت اسم الراحل فتحي الهداوي، لم تكن مجرد تكريم لاسم مسرحي تونسي كبير، بل تأكيدًا على أهمية التجارب الاحترافية التي تراهن على الجماليات العميقة والأسئلة الفكرية في عروض المونودراما.


أما مسابقة المونودراما الشبابية، التي حملت اسم الراحل السعدي الزيداني، فقد انطلقت من وعي حقيقي بأهمية الاستثمار في الأجيال الجديدة، بوصفها الضامن لاستمرارية هذا الجنس المسرحي وتطوره. فالمهرجان هنا لم يكن مجرد منصة للتنافس، وإنما فضاءً لصناعة المستقبل المسرحي وتبادل الخبرات.
وفي المقابل، جاءت مسابقة مسرح المواطنة الشارعي لتؤكد أن المسرح لا ينبغي أن يبقى حبيس القاعات المغلقة، بل يجب أن يعود إلى الفضاء العمومي، إلى الشارع، إلى الإنسان العادي، وإلى الأسئلة اليومية المرتبطة بالحرية والمواطنة والهوية. وكأن المهرجان أراد أن يعيد للمسرح وظيفته الأولى بوصفه فعلًا اجتماعيًا وتواصليًا.
ولم تتوقف فاعليات الدورة عند حدود العروض والمسابقات، بل امتدت إلى منصة دولية للحكواتيين جابت مدن ومحافظات تونس، في محاولة لاستعادة فنون السرد الشعبي وربطها بالتحولات المعاصرة.
وهنا يفرض السؤال نفسه: لماذا العودة إلى الحكواتي في زمن الصورة الرقمية؟
لأن الحكاية الشفوية ما تزال تمتلك القدرة على خلق الدهشة، وعلى بناء علاقة حية ومباشرة بين المؤدي والمتلقي، بعيدًا عن عزلة الشاشات وبرودة الوسائط الحديثة.
كما احتضنت الدورة ورشًا فنية متخصصة أطرها مدربون دوليون أكفاء، سعت إلى تطوير أدوات المشاركين وفتح آفاق جديدة أمامهم في الأداء والكتابة والإخراج، بما جعل المهرجان فضاءً للتكوين والتأهيل، لا مجرد تظاهرة للعرض والاستهلاك الفني.

وفي السياق ذاته، لعبت الجريدة اليومية للمهرجان دورًا ثقافيًا وفكريًا بالغ الأهمية، إذ لم تكتفِ بتغطية الفاعليات، بل فتحت فضاءات عمومية للنقاش عبر تحقيقات صحفية وحوارات تناولت إشكاليات المصطلح وحدوده، وأسُس الكتابة النصية في المونودراما، واستعادة التراث الشكسبيري، واستلهام البطل الشعبي، والصورة الذهنية عند المتلقي، إضافة إلى مناقشة مفهوم مسرح المواطنة بين التنظير والتطبيق.
وهكذا تحولت الجريدة اليومية إلى منصة فكرية موازية للعروض، تعيد الاعتبار للنقاش النقدي والمعرفي داخل المهرجانات المسرحية.


كما شهدت الدورة عددًا من الماستر كلاس التثقيفية التي أتاحت للمشاركين الاحتكاك المباشر بتجارب فنية مختلفة، وفتحت المجال أمام تبادل الخبرات والرؤى بين المسرحيين العرب والأجانب، في تأكيد واضح على أن المهرجان لا يراهن فقط على الفرجة، بل على التكوين والحوار الثقافي.
أما حفلات توقيع الكتب، التي حضر بعضها أعلام المسرح التونسي وعلى رأسهم عز الدين مدني، فقد كشفت عن وعي إدارة المهرجان بأهمية الربط بين العرض المسرحي والبحث الأكاديمي والتوثيق المعرفي، بما يجعل الثقافة مشروعًا متكاملًا لا ينفصل فيه الركح عن الكتاب.
غير أن القيمة الحقيقية لهذه الدورة لم تكمن فقط في تنوع فاعلياتها، وإنما في قدرتها على تجاوز العقبات التي واجهتها.
فقد فرضت الظروف السياسية والتوترات الإقليمية نفسها على الدورة، بعد اعتذار الوفد العراقي وبعض العروض نتيجة الحرب الدائرة بين إيران والولايات المتحدة، وهي ظروف كان من الممكن أن تربك مسار المهرجان أو تحد من حضوره.
لكن هنا تحديدًا ظهرت قوة المشروع الثقافي.
فبدل أن تستسلم إدارة المهرجان للظروف، اختارت أن تواجهها بالإصرار على استمرار الفاعليات، وكأنها تؤكد أن الثقافة ليست ترفًا مؤجلًا إلى زمن الاستقرار، وإنما ضرورة إنسانية تزداد أهميتها كلما اتسعت دوائر القلق والحروب.
لقد أثبتت الدورة الثامنة من المهرجان الدولي للمونودراما بقرطاچ أن المشروع الثقافي الحقيقي لا يُقاس فقط بعدد العروض أو الضيوف، وإنما بقدرته على خلق الأثر، وفتح مساحات الحوار، وتحويل الفن إلى وسيلة لمواجهة العزلة والخوف والانغلاق.
وهكذا بدا المهرجان وكأنه يطرح رسالة واضحة:
يمكن للثقافة أن تتحدى اضطراب العالم، حين تتحول من مجرد احتفال عابر إلى مشروع إنساني يؤمن بأن المسرح ما يزال قادرًا على الدفاع عن الإنسان، وعن حقه في الحلم والحوار والجمال.

Alfurja

Alfurja

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

موقع مجلة الفرجة صادر عن: مركز الفنون العربية الفرجة.
الملف الصحافي: 37/ 2014ص.
الايداع القانوني: ردمد 9452/2421

اشترك في نشرتنا الإخبارية

    خلف الكواليس وفي قلب الحدث.. اشترك لتعرف كل جديد وتصلك كواليس المسرح وأخباره إلى بريدك

    جميع الحقوق محفوظة © 2026

    error: نعتذر، نسخ المحتوى غير مسموح به لحماية حقوق الملكية