مهدي منصور
حين يختار مخرجٌ مسرحيٌّ لعمله اسمًا يستلّ روحه من معجم الموسيقى، فهو لا يُسمِّي عرضًا — بل يُعلن موقفًا من الوجود. “كاكوفوني” بكل ما تحمله من تنافرٍ وتصادم، من أصواتٍ لا تأتلف ونغماتٍ تطحن بعضها، هي التسمية التي آثرها المخرج والكاتب التونسي وليد القصوري لمسرحيته، وكأنه يهمس للمتلقّي منذ اللحظة الأولى: ما ستراه لن يُريحك، بل سيُزعزع يقينك وهذا الزعزعةُ هي المعنى كلُّه. الكاكوفونيا فكرةٌ موسيقيةٌ في جوهرها، تصف ذلك التنافر الحادّ بين النغمات حين لا تأتلف في سلّمٍ واحد ولا تلتقي على إيقاعٍ مشترك، فتُنتج صوتًا يصطدم بالأذن ويُزعزع توقّعاتها. وهذه الفكرة الموسيقية ذاتها تتحوّل في يد القصوري إلى فاعلٍ دراميٍّ حقيقي على الخشبة: ليست استعارةً زينيّة تُزيِّن العنوان، بل آليةٌ بنائيةٌ تحكم إيقاع العرض ومنطق تصادماته وتوزيع صمواته. التنافرُ لا يُوصف بل يحدث أمامك، ويسكن جسدك قبل أن يبلغ عقلك. وفي امتداده الدلالي يغدو هذا التنافر الموسيقي صورةً مكثَّفة لكل نظامٍ بشريٍّ مأزوم تتصادم فيه الإرادةُ الفردية بجدران السلطة، وتتشظّى فيه الهوياتُ بين الانتماء والنفي. هكذا يحمل عنوانُ المسرحية بذرتَها الفلسفية كاملةً: نحن أمام كاكوفونيا الإنسان في مواجهة وطنه الذي يُسكنه ويسجنه في آنٍ واحد.
◆ الوطنُ سجنٌ أم ملاذ: جدلٌ وجوديٌّ على الخشبة
تطرح “كاكوفوني” سؤالًا فلسفيًا لا يُريد الإجابة بل يُريد الجرح: كيف يمكن للمكان الذي أعطاك الهوية أن يسرق منك الحرية؟ يقف القصوري في مفترق الطرق بين سارتر الذي أعلن أن الوجود يسبق الماهية، وكامو الذي رأى في العبثية مصيرَ الإنسان المُلقى في عالمٍ لا يعترف بإنسانيته ثم يختار طريقه الثالث الخاص: أن يُحوِّل التوتّر بين الذات الفردية والمنظومة الاجتماعية إلى جوهر الفعل الدرامي لا إلى مجرّد خلفيّته. في السياق القمعي الذي تنبثق منه المسرحية يغدو الوطن كيانًا مزدوجًا: هو الأمُّ التي تُرضع والسجنُ الذي يُقيِّد. هذا التوتّر بين الانتماء والاغتراب، بين العشق والخوف، بين الجذور والأغلال، يُنتج ذلك الضجيجَ الوجوديَّ الذي يسكن دماغ الإنسان المقهور وهو بالضبط ما يُسمِّيه القصوري كاكوفونيا. ليس الصخبُ خارجَنا؛ الصخبُ فينا، في الأعصاب والذاكرة والأحلام التي لم تكتمل. والمسرحية في جوهرها تصويرٌ لذلك الضجيج الداخلي الذي تُحدثه بنيةُ الوطن حين تتكلّم من جذور العقل الإنساني وتأخذه إلى متاهاتٍ لا يجد فيها منفذًا . تتجذّر المسرحية في أسئلة وجودية كبرى: ما الحرية حين تكون مشروطة؟ ما العدالة حين تكون انتقائية؟ ما المساواة حين يُعاد تعريفها بما يخدم السلطة؟ هذه الأسئلة لا تُطرح خطابًا مباشرًا، بل تتسرّب عبر كل حركةٍ وكل صمتٍ وكل تفاوتٍ في الإضاءة، مما يجعل التجربة المسرحية أفقًا لتحرير الوعي لا مجرّد فرجةٍ جمالية.
◆ في أعماق الدماغ المُكبَّل: قراءةٌ نفسية
لو استعرنا مفردات علم النفس لفهم ما تصنعه كاكوفوني بمتلقّيها، لوجدنا أنفسنا أمام خريطةٍ للعقل الجمعي المُصاب بما يمكن أن نُسمِّيه الضجيج الداخلي المُزمن ذلك الصراع الذي يشنّه الفردُ المستلَب بين رغبته في الوجود الحرّ وخضوعه لمنظومةٍ تُعيد تشكيل هويته بلا توقّف. القصوري يُشخِّص هذه الحالة بعين طبيبٍ ويصوِّرها بريشة فنّان .ثمة ما يُشبه الصدمة الثقافية المُؤسَّسة في بنية المسرحية؛ تلك الحالة النفسية التي يصفها علماء النفس الاجتماعي حين يعيش الفردُ في وطنٍ يُحبّه ويخشاه معًا، يُعرِّفه ويمحوه في الوقت ذاته. المتفرّج لا يشهد شخصيةً على الخشبة بل يرى شبحَه هو؛ يرى تلك المتاهات العقلية التي يسلكها حين تتناقض رسائلُ الانتماء مع حقيقة القمع اليومي، وهذا ما يجعل التجربةَ تتجاوز الفرجةَ إلى ما يشبه الاعتراف الجمعي. في هذا السياق تُصبح الكاكوفونيا تشخيصًا نفسيًا دقيقًا لا مجرّد فكرةٍ موسيقية مُوظَّفة جماليًا: الإنسان المقهور يعيش في حالة دائمة من التناقض الداخلي، بين ما يُؤمَر بتصديقه وما تُدرِكه أعصابه، بين الخطاب الرسمي للهوية والجرح اليومي الحيّ. هذا التناقض هو الضجيج، وهو الألم، وهو في نهاية المطاف المحرّك الأعمق للوعي الرافض.
◆ الكاليغرافيا واللون: حين يُصبح الحرفُ نغمةً بصرية
لا يمكن لأيِّ قراءةٍ نقدية جادّة لـ كاكوفوني أن تتجاهل منظومتها البصرية التي تشكِّل عمودًا فقريًا موازيًا للنصّ. الكاليغرافيا في هذه المسرحية ليست عنصرًا زخرفيًا يُعلَّق على الجدار إنها فاعلٌ درامي حقيقي يعمل بالمنطق الموسيقي ذاته الذي يحكم العنوان. الحرفُ المكتوب يتنفّس، يتمدّد، يتشقّق، يتصادم مع أخيه على الفضاء المسرحي بالطريقة ذاتها التي تتصادم بها النغمات في الكاكوفونيا فيُنتج توتّرًا بصريًا يُضاعف التوتّر الدرامي ولا يكتفي بمصاحبته. وقد أحسن القصوري حين أقام الكاليغرافيا واللون في موقعهما المتوازن مع الحركة الفنية لا مسيطرَين عليها ولا مُهمَّشَين. هذا التوازن الدقيق يكشف عن يدٍ مخرجية ناضجة تُدرك أن الفضاء البصري حين يطغى يتحوّل ديكورًا، وحين يتقلّص يصير هامشًا أما حين يُحسَب بوعيٍّ فإنه يُصبح لغةً موازية تنطق بما يعجز عنه الكلام. أما الألوان فقد وُظِّفت بوعيٍّ سيميائي صريح؛ في كاكوفوني الألوان cacophonie de couleurs يتصادم اللونُ بلونٍ آخر ليُنتج ذلك التنافر البصري الذي يعكس التنافر الفلسفي في صميم العمل. ليست هنا جماليةٌ مُريحة بل جماليةٌ تُقلق وتستفزّ النظر كما تستفزّ الكاكوفونيا الموسيقية الأذن تُعطِّل الراحة لتُفتح أبواب التساؤل. الكاليغرافيا واللون معًا يُشكِّلان ذلك البُعد الثالث الذي يرفع العمل من عرضٍ مسرحي إلى تجربةٍ حسّية شاملة تظلّ تسكن المتلقّي بعد مغادرة القاعة.
◆ الجسد المتكلِّم: حين يُصبح الممثّل نغمةً في الكاكوفونيا
في عروضٍ كثيرة يقف الجسد أمام النصّ خادمًا له، مُبلِّغًا عنه لا أكثر. في «كاكوفوني» ثمّة اختيارٌ جمالي مغاير وحاسم: الجسد هو النصُّ بالدرجة الأولى. الممثّلة تحمل في جسدها الحركي القوي ما تعجز عنه كل خطابات الفكر — تُجسِّد التنافرَ لا تصفه، وتعيش الكاكوفونيا لا ترويها. جسدٌ مسرحي بهذا المستوى من الطاقة الحركية يستدعي تدريبًا يتجاوز تقنية الأداء إلى امتلاك الفكرة بكامل البنية العضلية والعصبية. حين تتحرّك الممثّلة نرى الصراعَ لا نسمعه؛ نرى الإنسان المحاصر بين رغبته في الانطلاق وعائق القمع المُجسَّد، نرى الكاكوفونيا الداخلية وقد خرجت من الدماغ إلى العضلات والنَّفَس والصمت. الجسدُ هنا نغمةٌ في السيمفونيا المتنافرة، لكنه النغمة الأكثر صدقًا لأنها لا تكذب العضلات لا تُمثِّل، تَشهد. تمكّن القصوري من خلال هذا الاختيار الإخراجي أن يُوصل إلينا كيف تتكلّم بنيةُ الوطن من جذور العقل الإنساني وكيف يصبح الجسدُ المُكبَّل وثيقةً حيّةً على تلك المتاهات التي يسلكها الإنسان حين تُحاصره السلطة من كل جانب، فلا يجد مخرجًا إلا في فوضى الحركة الداخلية، تلك الفوضى الجميلة التي اسمها كاكوفونيا.
◆ الإضاءة والموسيقى والمكان: ثالوثٌ يُعمِّق لا يُرافق
من الأخطاء الشائعة في تقييم المسرح الفكري أن تُعامَل عناصره الجمالية الإضاءة والموسيقى وديناميكيات الفضاء كـ إطار للمحتوى الفكري، كما يُعامَل البرواز لوحةً على الجدار. في كاكوفوني يسقط هذا التمييز تمامًا. الإضاءة لا تُنير؛ هي تُشير وتُضلِّل وتُساءل. الموسيقى لا تُصاحب؛ هي تُعلن وتتناقض وتُعيد توليد الفكرة الكاكوفونية في الفضاء السمعي. والمكانُ لا يحتضن الحدثَ؛ هو يُشارك فيه، يضيق ويتّسع بما يتناسب مع ضيق الروح واتّساعها. حين تتآزر الحواسُّ كلّها في لحظةٍ مسرحية واحدة حين تُحدِّق العينُ بالكاليغرافيا الملوَّنة المتنافرة، وتستمع الأذنُ إلى تصادم الأصوات، ويتابع الجسدُ جسدًا آخر يتكلّم لغة الحصار — لا يعود التفكير ممكنًا بطريقته الرتيبة المعتادة. الوعي يتشقّق ويبدأ في طرح أسئلةٍ كان يؤجّلها. وهذا هو المسرح في أعلى درجات اشتغاله.
◆ خاتمة: الكاكوفونيا التي تُعلِّمنا كيف نسمع
تنجح كاكوفوني في ما يُخفق فيه كثيرٌ من المسرح ذي النزعة الفكرية: أنها لا تُعطيك إجابات. تفتح جراحًا وتمضي. تُثير أسئلةً وتتركك معها في العتمة. وهذا بالضبط ما يجعلها عملًا مسرحيًا حقيقيًا — لأن المسرح الذي يُجيب عن كل شيء يتحوّل إلى خطابٍ سياسيٍّ لا إلى فنّ.
وليد القصوري يُقدِّم بهذا العمل نفسَه مخرجًا يُفكِّر بالمسرح لا في المسرح؛ مخرجًا يعرف أن الخشبة ليست منبرًا للأفكار بل مختبرٌ لتفكيكها وإعادة تشكيلها. والكاكوفونيا التي يصنعها بأجساد الممثلين وألوان الفضاء وكاليغرافيته وتنافر أصواته — ليست ضجيجًا بلا معنى. هي على العكس تمامًا: تلك الفكرة الموسيقية التي تحوّلت إلى فاعلٍ درامي يسري في عروق العرض كلِّه، والصرخةُ التي تُعيد ترتيب الصمت من حولها، وتُعلِّمنا كيف نُصغي إلى ما كنّا نخشى سماعه.
كاكوفوني ليست مسرحيةً تُشاهَد. هي تجربةٌ تُعاش، وسؤالٌ يسكنك بعد أن تغادر القاعة وربّما لا تغادره أبدًا.

