نصوص عربية نصوص مسرحية

نص مسرحي ديودراما : “خارج توقيت الله”

تأليف: ضرغام عبدالرحمن الجابري

 

الشخصيات:

آصف: في الأربعينيات من عمره.. قلق، متوتر، وينظر إلى ساعة معصمة كل دقيقة.

شمس: في الثلاثينيات من عمرها، تجلس على مقعد خشبي بهدوء، وتحتضن حقيبة جلدية قديمة لا تفتحها أبداً.

الحارس: عجوز مجهول العمر يرتدي ثياب عمل بالية، يحمل مكنسة طويلة، ويتحرك ببطء شديد.

 

الخطاب المسرحي:

غرفة انتظار تشبه محطة قطار مهجورة. جدرانها رمادية باهتة. لا توجد أبواب مرئية، بل ممرات تبتلعها العتمة. في صدر المسرح، ساعة جدارية ضخمة، ولكن بلا عقارب. إضاءة خافتة، تومض وتخفت ببطء كأنها تتنفس.

(تفتح الستارة على صوت هدير قطار يمر بسرعة هائلة، يليه صرير مكابح مزعج، ثم صمت مطبق. آصف يذرع المكان جيئة وذهاباً. شمس تجلس كتمثال . آصف يتوقف ويجلس بقربها الحارس يكنس في الزاوية بحركة رتيبة)

آصف: (يتوقف فجأة، يضرب على ساعة معصمه بعنف) متوقفة، منذ متى وهي متوقفة؟ (يلتفت إلى شمس) عفواً، كم الساعة الآن؟

(شمس لا تجيب، تنظر إلى الفراغ أمامها).

آصف: (يرفع صوته قليلاً) أقول، كم الساعة؟ هل توقفت ساعتك أيضاً؟ لدي موعد مهم جداً. كان يجب أن أكون هناك قبل… (يرتبك) قبل متى؟ لا أتذكر، لكنني متأكد أنني متأخر.

شمس: (بصوت هادئ، دون أن تنظر إليه) لا توجد مواعيد هنا ياآصف.

آصف: (يتراجع خطوة للوراء) كيف عرفت اسمي؟

شمس: لا يهم كيف عرفته. المهم أن تعرف أنك لن تذهب إلى أي مكان. اجلس، وفّر طاقتك. الوقوف يستهلك روحك.

آصف: (بسخرية عصبية) أجلس؟ هل تمزحين؟ القطار القادم سيصل بعد قليل. انظري إلى الجدول (يبحث بعينيه عن لوحة إعلانات، لا يجد شيئًا) أين لوحة المواعيد؟ أين الموظفون؟

شمس: (تبتسم) القطار الذي سمعت صوته للتو، مرّ من هنا قبل ألف عام، وسيمر بعد ألف عام أخرى. إنه مجرد صدى. نحن لا ننتظر قطارًايا آصف.

آصف: (يتجه نحو الحارس الذي ما زال يكنس) أنت، يا حارس، متى يفتح باب المحطة؟ أريد الخروج. الهواء هنا ثقيل، كأنه لم يتجدد منذ خلق آدم.

الحارس: (يتوقف عن الكنس، يتكئ على عصا المكنسة، صوته أجش) الباب مفتوح دائمًا للذين يملكون وجهة سفر. لكنكم أتيتم إلى هنا لأنكم نسيتم إلى أين كنتم تذهبون.

طارق: (شنو السالفة)، أنا أملك وجهة سفر. لدي بيت، عائلة، ديون يجب أن أسددها. أنا إنسان مشغول جدًا.

الحارس: (يعود للكنس) المشغولون جدًا يسقطون دائمًا في الشقوق. شقوق الوقت.

(تتغير الإضاءة. آصف يجلس أخيرًا على الأرض، ممسكًا برأسه. شمس تضع الحقيبة على ركبتيها)

آصف: (يهمس لنفسه) شقوق الوقت، ماذا يعني هذا المعتوه؟

شمس: يعني أننا سقطنا من الذاكرة. نحن في منطقة عمياء. خارج توقيت الله.

آصف: (يرفع رأسه مذعورًا) لا تقولي هذا، هذا كفر، أو جنون، الله لا ينسى أحدًا.

شمس: لم أقل إنه نسينا. قلت إننا سقطنا خارج التوقيت. تخيل أن الكون ساعة ميكانيكية ضخمة، تعمل بدقة متناهية. عجلات تدور، وعقارب تتحرك. نحن كنا غبارًا عالقًا بين عجلتين. عندما احتكت العجلتان، تطايرنا إلى الخارج. نحن الآن في الفراغ الذي لا يحكمه ليل ولا نهار.

آصف:(ينهض غاضبًا) أنا لست غبارًا، أنا مندوب مبيعات اجهزة طبية، ادفع الضرائب، ولدي بطاقة وطنية، وجرح على ركبتي من طفولتي. أنا موجود.

شمس: هل جربت أن تتذكر وجه أمك منذ أن وصلت إلى هنا؟

آصف: (يغمض عينيه بقوة، يعتصر جفنيه) أمي.. نعم، أمي. وجهها.. (يفتح عينيه، يلهث) لماذا لا أستطيع رؤية ملامحها؟ أرى ضوءاً فقط، وصوتاً بعيداً. ماذا فعلتِ بي؟

شمس: لم أفعل شيئاً. عندما تخرج من الزمن، تبدأ الذاكرة بالتلاشي. الذاكرة تحتاج إلى ماض لتعيش فيه. وهنا، لا يوجد ماض. يوجد فقط الآن الممتد إلى الأبد.

آصف: (يصرخ نحو الساعة الجدارية) أيتها الساعة اللعينة، تحركي، دقة واحدة، دقة واحدة فقط لأشعر أنني حي. (الحارس يقترب منه ببطء)

الحارس: إنها لا تملك عقارب يا ولدي. لقد أكلناها أنا والذين سبقوك.

آصف: أكلتم عقارب الساعة؟

الحارس: كنا جائعين للوقت. اعتقدنا أننا إذا ابتلعنا العقارب، سيصبح الوقت بداخلنا. لكننا أُصبنا بعسر هضم أبدي. (يضحك ضحكة تشبه السعال) بقينا هنا، نحرس اللاشيء.

(يدخل صوت قطرات ماء تسقط ببطء شديد، رغم عدم وجود أي مصدر للماء. آصف يجثو على ركبتيه، يلهث كمن كان يركض لقرون. يفرغ جيوب بدلته بعصبية هستيرية على الأرض. شمس تراقبه بعينين نصف مغلقتين)

آصف: (يفرز الأشياء التي ألقاها على الأرض ويداه ترتجفان) هاي الماستر كارد، مفاتيح السيارة… وهاي البطاقة الوطنية… (يمسك الهوية ويرفعها نحو الضوء الشحيح) انظري، هذا وجهي، هذا الرقم يثبت أنني ولدت في يوم محدد، وعندي أب وأم، وأنني لست مجرد وهم، أنا موجود.

شمس: (بصوت رتيب) الأشياء لا تثبت الوجود يا آصف. الأشياء مجرد مسامير نثبت بها أنفسنا في لوح الحياة لئلا نطير مع الريح. وحين يتعفن اللوح… تسقط المسامير.

آصف: (يزحف نحوها، يمسك الماستر كارد ويلوح بها في وجهها) هذه البطاقة، فيها رصيد يعادل عمركِ بأكمله، كنت قادراً على شراء وقت الآخرين، أستأجر طائرات، أحجز غرفاً تطل على مدن بأكملها. كيف يمكن لرجل يملك كل هذا أن ينتهي في محطة لا اسملها، مع امرأة تحمل حقيبة فارغة، وحارس معتوه يجمع الهواء؟

شمس: لأنك كنت تشتري الوقت الخطأ.

آصف: (يصرخ وينهض مترنحاً) وما هو الوقت ما هو الصحيح أيتها الفيلسوفة؟ هل هو التحديق في الفراغ مثلكِ؟

شمس: (تعتدل في جلستها، تضع الحقيبة جانباً لأول مرة. تقترب من حافة المسرح) التوقيت الطبيعي.. توقيت الله. التوقيت الذي تُزهر فيه الأشجار دون منبّه، وتهاجر فيه الطيور دون تدخل بشري، وتموت فيه الخلايا بهدوء لتفسح المجال لغيرها. لقد خلق الله الوقت كالنهر، يجري بسلاسة، يغسل الأرواح ويمضي بها نحو مصبها النهائي.

(تلتفت نحو آصف بحدة، وتؤشر بإصبعها نحو أشيائه المتناثرة)

شمس: لكنكم.. نحن.. البشر الجدد، ماذا فعلنا؟ استكبرنا على النهر. بنينا سدوداً من الإسمنت والحديد. قسمنا النهر إلى قطرات صغيرة خنقناها في ساعات معاصمنا، وفي شاشات هواتفنا، وفي جداول أعمال لا تنتهي. اخترعنا وقت الدوام، ووقت الفراغ، ووقت الذروة. استبدلنا شروق الشمس برنين المنبّه المزعج، واستبدلنا سكينة الليل بضوء اللد الأبيض الذي يمتص أرواحنا.

آصف: (يتراجع خطوة، صوته يبدأ بالانكسار) كنا نبني الحضارة، كنا نحاول أن نكون آلهة صغاراً نتحكم في مصائرنا.

شمس: (تبتسم بحزن) ونجحتم في صنع الجحيم. لقد عبدتم الساعة حتى كفرتم بالزمن. وعندما تعاند الإيقاع الكوني، عندما تظنأنك تسبق الوقت لأنك تقود سيارة أسرع، أو ترسل رسالة إلكترونية في ثانية، “سيتفلك” الكون.

(تقترب منه، تهمس في أذنه)

شمس: نحن هنا لأن النهر العظيم بسقنا إلى ضفافه القاحلة. نحن الآن في البركة الراكدة التي لا يحركها هواء ولا موج. نحن، يا آصف،”خارج توقيت الله”. المكان الذي لا تصل إليه رحمات الزمان، ولا تحدث فيه النهايات. العقاب الأبدي ليس ناراً تحرق الأجساد، بل هو أن تُنتزع منك نعمة الزوال. أن تبقى معلقاً في الآن الميت، لأنك أهدرت حياتك في الهرولة خلف الغد.

آصف: (ينهار تماماً، يسقط على ركبتيه ويبدأ بجمع المفاتيح والبطاقات ويضمها إلى صدره) لا أريد الخلود، أريد أن أموت بشكل طبيعي، أريد أن أشيخ، أن تتساقط أسناني، أن أبكي على قبر أحدهم ويبكي أحدهم على قبري (يجهش بالبكاء) مفاتيحي لا تفتح شيئاً هنا، بطاقتي لا تشتري لي دقيقة واحدة من الماضي.

(يتقدم الحارس ببطء شديد، صوت احتكاك المكنسة بالأرض يقف فوق آصف، ينظر إلى الأشياء التي يضمها)

الحارس: (بصوت مبحوح) هل تعلم ماذا أكنس كل يوم يا سيد آصف؟

آصف: (ينظر إليه بعينين محمرتين) الغبار، أنت تكنس الغبار والعدم.

الحارس: بل أكنس المجد البشري. أكنس الاجتماعات العاجلة التي لم تغير العالم، والترقيات الوظيفية التي كلفت أصحابها قرحة في المعدة وعائلة مفككة. أكنس القلق الذي جعلكم تستيقظون في الثالثة فجراً تتصببون عرقاً وتنهضون وتلهثون خلف المعاملات والدوائر الحكومية والرشاوي و”الواسطات”. (ينحني، ويلتقط بطاقة الماستر كارد الخاصة بآصف، يفركها بين أصابعه الخشنة فتتحول إلى رماد ناعم يسقط على الأرض) لا شيء يصمد خارج التوقيت، إلا ما كان حقيقياً. ويبدو، يا ولدي، أنك لم تعش لحظة حقيقية واحدة في حياتك.

(آصف يصرخ صرخة مكتومة، يفتح يديه فتسقط مفاتيحه وبطاقاته، ويبدأ هو نفسه بكنسها بيده نحو كومة الغبار التي صنعها الحارس. شمس تعود إلى مقعدها، وتحتضن حقيبتها الفارغة من جديد، تنظر إلى الساعة التي لا عقارب لها)

شمس: (بصوت خافت) خارج توقيت الله، تصبح حقيبتي الفارغة أثقل من كل أرصدتك في البنوك، لأنها على الأقل تحمل شكل الحزن الحقيقي.

(يعود صوت قطرات الماء البطيئة للظهور، يتردد صداها في القاعة، أقوى وأكثر وحشة من ذي قبل).

(يجلس آصف بجوار مريم منهكاً، مستسلماً).

آصف: كم مضى علينا هنا؟ يوم؟ سنة؟ قرن؟

شمس: ربما رمشة عين. الزمان في الخارج يمر بسرعة لا ندركها. قد نكون متنا في حادث سير للتو، وهذه هي اللحظة التي تسبق صعود الروح، وقد نكون في غيبوبة في مستشفى أبيض بارد. لا أحد يعلم.

آصف: (ينظر إلى حقيبتها) ماذا تخبئين في هذه الحقيبة؟ أنتِ متمسكة بها كأنها طوق نجاة.

شمس: (تتحسس الحقيبة بحنان) إنها تحوي دليلي الوحيد على أنني كنت هناك يوماً ما.

آصف: هل يمكنني أن أرى؟ أرجوكِ. أحتاج أن أرى شيئاً حقيقياً.

(تتردد شمس قليلاً، ثم تفتح قفل الحقيبة ببطء. آصف يميل برأسه ليرى. الإضاءة تتركز على الحقيبة. تفتحها على مصراعيها).

آصف: (بصدمة) إنها فارغة.

شمس: (تبتسم وعيناها تدمعان) أعلم.

آصف: لماذا تحملين حقيبة فارغة وتدافعين عنها بكل هذه القوة؟

شمس: لأنها كانت مليئة بالأحلام يوماً ما. كنت أجمع فيها ضحكات طفلتي التي لم تنجب، وتذاكر سفر لم أستخدمها، وقصائد كتبتها ومزقتها. مع مرور اللاوقت هنا، تبخر كل شيء. لكني أحتفظ بالحقيبة، لأن شكل الفراغ بداخلها يأخذ شكل أشيائي المفقودة.

(ينهار آصف باكياً. يضع رأسه بين ركبتيه. صوت بكائه يتردد في القاعة كأنه صادر من مئات الأشخاص)

الحارس: (يقف تحت الساعة الجدارية، يرفع مكنسته كأنها عصا مايسترو) البكاء جيد. الدموع هي السوائل الوحيدة التي تثبتأنكم لستم آلات. استمر في البكاء يا آصف. ربما تصنع دموعك نهراً يحملكم إلى الخارج.

(الإضاءة تتركز في بقعة دائرية ضيقة وسط المسرح. الحارس يجلس في أقصى الزاوية المعتمة، يراقب بصمت كأنه مخرج مسرحي يرى مسرحية عُرضت آلاف المرات. آصف يقف مضطرباً، شمس تقف أمامه)

شمس: (بحدة) إذا كنت تصر على أنك موجود، أثبت ذلك. لا تعطيني بطاقاتك، أعطني لحظة، مثّل لي دور رجل يحب، أو رجل يحزن، أو حتى رجل يغضب بصدق.

آصف: (بارتباك) أمثّل؟ أنا لا أعرف كيف أمثّل، أنا كنت أعطي أوامر، أوقع عقوداً، أحل مشاكل تقنية..

شمس: (تقاطعه) بالضبط. كنت تؤدي وظيفة، لم تكن تعيش. الآن، سنلعب لعبة. أنا سأكون زوجتك التي تركتها في الصباح دون أن تودعها لأنك كنت متأخراً على اجتماع لتطوير أداء المندوبين. (تغير نبرة صوتها لتصبح دافئة، حزينة) آصف، هل ستعود مبكراً اليوم؟ يحتاجوننا في مدرسة ابنتنا، هل ستأتي؟

آصف: (يتلعثم، يحاول استرجاع الموقف) أوه، نعم، أتذكر ذلك الصباح. كان المطر يهطل، كنت أبحث عن ملفي الضائع. (يرد بصوت آلي) ليس الآن يا سارة، لدي اجتماع مجلس الإدارة. الاجتماع سيحدد مكافأة نهاية العام. سأعوضكم لاحقاً.

شمس: (تخرج من الدور فجأة، تصرخ فيه) “سأعوضكم لاحقاً” هذه هي الجملة التي قتلت بها توقيت الله في حياتك، (تقترب منه) متى هو “لاحقاً” يا آصف؟ هل هو الآن؟ في هذه الغرفة الرمادية؟ انظرحولك، “لاحقاً” قد وصل، وهو فارغ تماماً كحقيبتي.

آصف: (يغطي وجهه بيديه) توقفي، لم أكن أعلم أن الوقت سينفد،كانوا يقولون لنا في الكتب والمحاضرات “الوقت هو المال”.. “استثمر كل ثانية”، لم يقل لي أحد أن الثواني التي أستثمرها في المكتب هيقضمات من لحم عمري الحقيقي.

شمس: (بصوت مرعب) لأنهم يريدونك عجلة في الساعة، لا إنساناً يعيش في الزمن. (تمسك بيده وتسحبه لوسط البقعة الضوئية) الآن، دوري أنا. سأمثل لك لحظة موتي، أو ما أظنه كان موتي.

(شمس تبدأ بالدوران حول نفسها ببطء، ترفع يديها كأنها تلمس الهواء).

شمس: كنت أمشي في الشارع. كان الجميع يركض. وجوههم ملتصقة بشاشات هواتفهم. كانوا خارج التوقيت وهم لا يزالون أحياء. فجأة، توقفت. نظرت إلى السماء، كانت زرقاء بشكل مستفز، سحابة وحيدة تمر ببطء شديد، وفكرت.. متى كانت آخر مرة نظرت فيها إلى سحابة دون أن أحسب كم من الوقت أضعت في التحديق بها؟ في تلك اللحظة، صدمتني الحافلة.

آصف: (بفزع) هل متِ من أجل سحابة؟

شمس: (تتوقف عن الدوران، تنظر إليه) مت لأنني تجرأت على الخروج من توقيت القطيع للحظة واحدة. الحافلة كانت تسير بتوقيت المدينة، وأنا كنت أسير بتوقيت الله. الاصتطدام كان حتمياً.

الحارس: (يضحك بصوت عالٍ من عتمته) أحسنتِ، العرض رائع. (ينهض ويمشي نحوهم محركاً مكنسته) هل تعرفان لماذا لاتوجد أبواب هنا؟

آصف: (بإحباط) لماذا؟

الحارس: لأن الأبواب تحتاج إلى مستقبل تفتحه عليه. وهنا، أنتم في النقطة المحبوسة. (يشير بمكنسته إلى أعلى، إلى الساعة بلا عقارب) الله منحكم الوقت كأرض واسعة لتبنوا فيها جناتكم، لكنكم حصرتم أنفسكم في ثقوب الإبر التي تسمونها المواعيد. والآن، الثقب ضاق حتى خنقكم.

آصف: (يهجم على الحارس، يمسكه من ثيابه بيأس) أريد دقيقة واحدة، دقيقة واحدة خارج هذه الغرفة، سأقضيها في الصمت،لن أتكلم، لن أعمل، لن أنظر إلى ساعتي، سأكتفي بالتنفس.

الحارس: (يدفعه برفق لكن بقوة لا تُقاوم) المتنفسون بصدق لا يصلون إلى هنا يا آصف. هنا محطة الذين نسوا كيف يتنفسون وهم يركضون خلف أوهامهم.

(يسود صمت ثقيل. آصف يزحف إلى الزاوية، يبدأ في رسم عقارب ساعة على الأرض بأصابعه في التراب، ثم يمسحها، ثم يرسمها ويمسحها)

شمس: (تجلس بجانبه، تفتح حقيبتها وتنظر داخل فراغها) أتسمع ذلك الصدى؟

آصف: (بدون أن يرفع رأسه) أي صدى؟

شمس: صدى صلواتنا التي أجّلناها لأننا كنّا مشغولين، صدى الكلمات الجميلة التي خنقناها لأن الوقت غير مناسب. إنه يعود الآن، ليملأ هذا الفراغ.

(يعود هدير القطار من جديد، يقترب بشدة، الضجيج يصبح لا يُحتمل. الإضاءة تومض بشكل جنوني. آصف وشمس يضعان أيديهما على آذانهما).

آصف: (يصرخ) هل سيتوقف هذه المرة؟ هل سيأخذنا؟

شمس: (تصرخ رداً عليه) لا يهم إن توقف، المهم.. هل لديك الجرأة لترك حقيبتك الفارغة والصعود؟

(يصل صوت القطار إلى ذروته، ثم فجأة.. ينقطع الصوت تماماً. صمت قاتل. الإضاءة تعود خافتة ومستقرة. الحارس يعود للكنس. آصف ما زال يضع يديه على أذنيه، ينزلهما ببطء. شمس تغلق حقيبتها الفارغة).

آصف: (بصوت خافت، منهك) لقد مر.

شمس: وسيمر غداً، أو ما يعادل الغد هنا.

آصف: (ينظر إلى ساعة معصمه، ثم يبدأ بفك حزامها ببطء، ويتركها تسقط على الأرض. ينظر إلى شمس) هل يتسع لي في الفراغ الذي داخل حقيبتك؟

شمس: (تربت على المساحة الفارغة بجانبها على المقعد) الفراغ هنا يكفي للجميع.

(يجلس آصف بجانبها. ينظران كلاهما إلى الساعة الجدارية التي لا عقارب لها).

الحارس: (في الخلفية، صوته يتلاشى تدريجياً) بين الدقيقة والدقيقة الأخرى ونحن هنا… خارج التوقيت. (يخرج)

(ينسكب ضوء أحمر خافت من الأعلى، وتشتعل إضاءة خلف”سايك أبيض” تكشف ظل الحارس مرتدياً عباءة، تحول إلى قاض وبيده ميزان بكفتين واضحتين، كفتاه فارغتان تماماً وتتحركان مع الهواء)

الحارس: (بصوت جهوري يتردد صداه في جنبات المسرح) انتهت بروفات الحياة. الآن، تُفتح السجلات التي لم تُكتب بالحبر، بل بالأنفاس الضائعة.

آصف: (بذعر) أي سجلات؟ لقد أضعت هويتي، وأضعت أوراقي، لم يعد يربطني بالعالم شيء.

الحارس: (يشير إلى كفة الميزان اليمنى) هنا نضع توقيت الله، اللحظات التي كنت فيها إنساناً خالصاً، اللحظة التي بكيت فيها، اللحظة التي ساعدت فيها غريباً دون أن تنظر في ساعتك، اللحظة التي صليت فيها لله وأنت تدرك أنك مجرد ذرة في كونه الشاسع.(يشير إلى الكفة اليسرى) وهنا، نضع توقيتك الخاص، الساعات التي قضيتها في تدبير المكائد، الدقائق التي اختنقت فيها من الحسد، والسنوات التي بعتها للشيطان مقابل أرقام في حساب بنكي.

شمس: (تقترب من “السايك”، تفتح حقيبتها وتفرغ الهواء الذي بداخلها) أنا وضعتُ خيباتي في الكفة اليمنى من ميزانك…. هل تقبل؟

الحارس: (يهز رأسه بحزن) الخيبات هي عملة هذا المكان يا شمس. الخيبة تعني أنكِ كنتِ تأملين، والأمل هو خيط رفيع يربطكِ بالسماء. لكن ماذا عنك يا آصف؟

آصف: (يفتش في جيوبه بانهيار، لا يجد شيئاً. ينظر إلى الساعة بلا عقارب) أنا لا أملك خيبات، كنت ناجحاً دائماً. كنت الأول في مدرستي، والأول في شركتي، والأول في سباق الزمن.

الحارس: (يضحك ضحكة مجلجلة) لهذا أنت هنا، لأنك كنت سريعاً جداً لدرجة أن الروح لم تستطع اللحاق بجسدك. لقد تركت روحك خلفك في المحطة الأولى، وأتيت إلينا بجثة ترتدي بدلة غالية الثمن.

آصف: (يصرخ صرخة وجودية مدوية) لماذا العنوان إذن؟ لماذا نحن خارج توقيت الله؟ هل طُردنا؟ هل نُسينا؟

الحارس: الله لا يطرد أحداً من وقته، أنتم من اخترعتم وقتاً موازياً. توقيت الله هو الأبدية، وتوقيتكم هو اللحظة الزائلة. أنتم خارج التوقيت لأنكم لم تعودوا مبرمجين على فهم لغة الصمت، ولا لغة الشجر، ولا لغة الركوع. أنتم برمجتم أنفسكم على العجلات داخل الساعة، والعجلات لا تدخل الجنة، ولا تشعر بالنار، العجلات تصدأ فقط.

(فجأة، تبدأ الساعة الضخمة التي بلا عقارب إصدار صوت دقات قلب بشرية مرتفعة جداً)

شمس: (تصرخ وهي تغطي أذنيها) الساعة بدأت تنبض، هل هذا هو الحساب؟

الحارس: هذا هو الاستيقاظ. لكنه استيقاظ في حلم أبدي. امسكا بأيديكما (يمسكان بأيدي بعض) انظرا إليَّ أنا الظل الواقف..

(تظهر على “السايك” صور مشوشة وسريعة لزحام مدن، إشارات مرور حمراء، ساعات معصم تتحرك عقاربها كالسياط، وجوه شاحبة في المترو) (يعود ظل القاضي أوالحارس).

الحارس: هذا هو توقيتكم الذي عبدتموه، انظروا إليه من الخارج. أليس مقززاً؟ أليس ضيقاً؟

آصف: (يسقط على الأرض، ينتحب) إنه سجن، لقد كنت أعيش في سجن وأسميه نجاحاً. أريد العودة لأتنفس مرة واحدة، مرة واحدة فقط خارج هذا المكان.

شمس: (بصوت هادئ، وهي تنظر للضوء الأحمر) لقد فات الأوان يا آصف. نحن الآن في الفجوة. المكان الذي لا يزول، والوقت الذي لا يمضي. نحن الأبدية المملة التي اخترناها بأيدينا.

(يبدأ الحارس بالانسحاب إلى الخلف ويضع الميزان معلقاً، وتخفت الإضاءة تدريجياً على الشخصيات، بينما يبقى الميزان الذي أصبح الآن متوازناً تماماً، كأن الفراغ في الكفتين تساوى)

الحارس: (صوته يأتي من بعيد كأنه وحي) ستبقى الساعات تدق في رؤوسكم، ولن ينتهي الوقت أبدًا. هذا هو عقاب الذين ظنوا أنهم أسياد الزمان، أن يصبحوا عبيدًا لثانية واحدة لا تمر.

(تخفت الأصوات تمامًا، يختفي الحارس، يختفي الميزان. يبقى آصف وشمس جالسين على المقعد الخشبي، في نفس الوضعية التي بدأ بها المشهد الأول. صمت مطبق لثوان)

آصف: (بهدوء مخيف) شمس.. كم الساعة الآن؟

شمس: (دون أن تنظر إليه) لا توجد مواعيد هنا يا آصف.

إظـــــــــــلام

 

* ضرغام عبدالرحمن الجابري/ 2020

تم تغيير الأسماء وبعض التعديلات

أثناء القراءة والتبييض الأخير ماقبل النشر

للتواصل مع المؤلف:

واتساب: 07806066228

فيسبوك: ضرغام ابواصف

 

 

Alfurja

Alfurja

About Author

موقع مجلة الفرجة صادر عن: مركز الفنون العربية الفرجة.
الملف الصحافي: 37/ 2014ص.
الايداع القانوني: ردمد 9452/2421

اشترك في نشرتنا الإخبارية

    خلف الكواليس وفي قلب الحدث.. اشترك لتعرف كل جديد وتصلك كواليس المسرح وأخباره إلى بريدك

    جميع الحقوق محفوظة © 2026

    error: نعتذر، نسخ المحتوى غير مسموح به لحماية حقوق الملكية