إعداد وتقديم: حبيب ظاهر حبيب
عنوان الكتاب: “لا ترسم عصفورا ناقصا عندما يكتب الممثل المحترف“
اسم الكاتب: عزيز عبدالصاحب
الناشر: دار الجواهري، الطبعة الأولى 2017
*******************
أهداني صديقي د. سعد عزيز عبد الصاحب كتاب والده الممثل والأديب عزيز عبدالصاحب الموسوم: (لا ترسم عصفورا ناقصا – من يوميات الممثل وعمله في التمارين) وضعت الكتاب ضمن جدول قراءاتي، ولكن سرعان ما اندفعت إلى قراءته بعد تصفحه، لأن المؤلف شغوف في ميدان الدراما، وكتبه من عمق تجربته الطويلة، وثمة مقاربة حيث المبدأ بين هذا الكتاب وبين الكتب التي تتناول نصائح وتوجيهات في إعداد وتدريب الممثل، تشكل دروسا في فن التمثيل التي تصنع وتطور الممثلين، إلى جانب رؤية في تقييم وتوجيه عمل المخرج مع الممثل، فضلا عن ملاحظات في أسلوب تفاعل المخرج مع نص المؤلف.
وقد أشار د. سعد عزيز في المقدمة التي كتبها إلى أن أهمية الكتاب تكمن في السبق الزمني ، إذ يرى أن لهذه اليوميات المنشورة الريادة العراقية والعربية من حيث انها رصد دقيق وتحليل عميق لعمل الممثلين في تجارب عدد من أهم المخرجين.
يضم الكتاب ثمان مقالات/ دروس/ يوميات كتبت بين عام 1972 وعام 2006. سيتم التركيز في عرض الكتاب على ما جاء فيه عن الممثل والتمثيل التي أميل إلى تسميتها دروسا يستفيد منها الممثل المبتدئ ويرجع إليها الممثل المحترف.
الدرس الاول: يوميات … أشياء عن تاج الممثل، وملاحظات أخرى:
يمر العمل الفني -وينطبق الحال على- بناء الشخصية بمرحلة التجميع والتنمية وصولا إلى لحظة التقديم للجمهور، وإذا ما أراد الممثل عدم تكرار نفسه بملامحه الخاصة، توجب عليه يبدأ خلقاً جديدًا للشخصية. ويضع قاعدة رئيسية للانطلاق في الخلق هي: التركيز في لعب الشخصية والابتعاد عن كل ما يشتت الذهن. وأن لا يفرط في بالتمارين المسرحية، لان كل تمرين يعني اضافة واكتشاف جديد للممثل، ذلك “ان الابداع هو سلسلة الإضافات المتقدمة التي يحصل عليها الممثل من التمارين“ص15. وهذا يتطلب فهم ودراسة النص المسرحي بصورته العامة، مع التركيز على الشخصية المسندة إلى جانب استيعاب رؤية المخرج. وفي حال لم يكتمل نسج تاج الممثل ببلورة الشخصية وبنائها الدرامي، ستكون النتيجة عدم تقبل الجمهور لما تقدمه، وعدم قبول أي عذر للإخفاق “فحين تكون على المسرح تكون أمام المسؤولية .. إن المتفرج لا يفكر بمثل هذه المعاذير فهو يريدك حيويا … مقنعا … ساخنا … ولن يرحمك” ص16. ما ورد أعلاه ناتج عن العمل في الميدان، إذ يسرد الكاتب (عزيز عبدالصاحب) شيء من يوميات عرض مسرحية (قرندل) للمؤلف طه سالم، ومسرحية (حفلة سمر من أجل 5 حزيران) للكاتب (سعدالله ونوس) والمخرج (جاسم العبودي) كأمثلة حية بدءا من تكوين الشخصية وصولا إلى مواجهة الجمهور.
الدرس الثاني: مسرحية I.P.C من وراء الكواليس:
يتابع مؤلف الكتاب ما جاء في الدرس الاول بمزيد من التوسع والإيضاح من خلال عمله ممثلا في مسرحية I.P.C تأليف معاذ يوسف، اخراج سعدون العبيدي، ويرى ان عمل الممثل لا ينفصل عن عمل المخرج والمؤلف، لان احدهم مصدر إلهام للآخر.
المسرحية تحكي قصة النفط في العراق ووجود شركة I.p.C الاستعمارية، تتضمن (31) مشهد، وعشرون شخصية، قدمها المخرج بأسلوب المسرح التسجيلي الذي يعتمد الوثائق الصورية والصوتية والأرشيف إلى جانب براعة الممثل في حبك الأحداث، بأسلوب الإخراج المتقشف (المستلزمات الفنية القليلة وذات الكلفة المادية الضئيلة) وبالمقابل يكون هذا المسرح غني بالإمكانات الفنية الأدائية حيث يؤدي كل ممثل عدد من الشخصيات، وهذا يتطلب تدريبا شاقا ومهارات كبيرة، وهذا ما عمل عليه (مؤلّف الكتاب الفنان عزيز عبد الصاحب) عندما اضطلع بأداء (13) شخصية منها: رئيس اللجنة العاملة للبترول في فرنسا- لورد إنكليزي- عامل عراقي- فلاح- متسول … إذ يقول: “في ذلك فرصة جيدة لاختبار الممثل لمواهبه وقدراته الفنية، فهذا التنوع في الشخوص مفيد بل ضروري لإخراج الممثل من قوقعة الرتابة والنمطية التي تورط فيها الكثير من ممثلينا” ص29.
يوجّه المؤلف نصيحة عالية القيمة إلى الممثلين في هذا الدرس: ” باشر أيها الممثل فوراً في العطاء .. استحضر مزاجك وهيئ أدواتك وقف ضدّ نفسك في تأجيل الإبداع… لا تغادر دورك اعده مع نفسك كثيرا .. سيطر على مخارج الحروف ثم قل كلمتك وامض “ ص32. تأتي هذه النصيحة بعد أن يعرض تعثر اداء بعض الممثلين يراوحون مكانهم دون تطور، وعمل بعضهم على المبالغة في الأداء الكوميدي غير المتوافق مع مواقف الشخصية وأحداث المسرحية، واتضح ضعف قدرتهم على تقديم الشخصية المسندة إليهم بصورة مقنعة، مما جعل المخرج (سعدون العبيدي) يختزل الحوار ويعمل على إجراء تغييرات بقصد تكييف المشهد ليتناسب مع إمكانات بعض الممثلين. وفي ختام الدرس ينوه إلى ميزة يتفرد بها المسرح عن الفنون الأخرى وهي أنه يقبل إجراء التغييرات والتعديلات بدء من اول يوم تمرين وحتى آخر ليلة عرض.
الدرس الثالث: المسرح الذي أفكر فيه… المسرح الذي أدعو إليه:
يغطي هذا المقال جزء من سيرة الكاتب عندما كان في محافظة الناصرية والأعمال التي كتبها وأخرجها ومثل فيها، ثم ينتقل إلى انتقاله إلى العاصمة بغداد وانضمامه إلى الفرقة القومية للتمثيل عام 1968، بدعوة من الفنان حقي الشبلي.
وكان جل اهتمامه منصبا على التدريبات الاولى للمسرحية بدءا من جلسات الطاولة واحكام التمارين اكثر من اهتمامه بالعرض.
تتلخص فكرة المسرح الذي يدعو إليه ( الفنان عزيز عبد الصاحب) بمحورين: الاول: الممثل الذي يعمل على تطوير فنه (الممثل القائد الذي يتمتع بالنقاء والشجاعة والتواضع) والثاني النص الذي يقدم ما يهم الناس يجسد أحلامهم، ويغير واقعهم ويطوره. اما الاخراج فإنه ” يبقى قيمة تشكيلية لا تصل إلى قوة النص وتعبير الممثل الفنان … ان أغلب المخرجين المبدعين هم ممثلون ناجحون تماما” ص51. أنه يدعو إلى عروض مسرحية تقدم في الساحات والأسواق وفي قاعات بسيطة التجهيزات لغرض جعل العرض المسرحي ظاهرة فنية يقبل عليها الناس وتصنع جمهورا مستداما.
الدرس الرابع: لا ترسم عصفورا ناقصا:
يعنى الدرس باستمرار تطوير قدرات الممثل من خلال عرض يوميات مسرحية (سر الكنز) اعداد واخراج (قاسم محمد) الذي أسند شخصية (المعلم راقي) للفنان (عزيز عبد الصاحب) بعد سنتين من الانقطاع عن تمثيل دور مهم. وهي فترة طويلة ” إذ لا يمكن لسمكة أن تحيا خارج الماء، وكذلك الممثل .. لا يمكن أن يبتعد عن المسرح كل ذلك الوقت”ص75. يؤكد في هذه اليوميات على توصيات المخرج (قاسم محمد) للممثلين ومنها:
- مراجعة الدور -الحوار والحركة وإطلاق العنان للمخيلة- قبل التمرين.
- الإيمان بما يفعل، واستمرار التدفق وعدم التردد والتوقف.
- مراجعة الأخطاء الدائمة بعد رصدها تشخيصها.
- اهم شيء بعد حفظ الدور هو حضور الروح (التعبير الداخلي للممثل)
- فهم الدور ودراسة الشخصية قبل حفظ الحوار.
- المحافظة على إيقاع العرض وبالوقت نفسه يحافظ على وضوح الكلمات “لا ترسم عصفورا ناقصا، الكلمة عصفور وينبغي أن يتم رسمه كي يطير ويحلق”ص98. ذلك أن الإيقاع هو نبض العرض وانسجام مكوناته.
ثمة تأكيد على اهمية ايام التمارين لانها ايام التجريب وبناء الدور وتكوين الشخصية، وعليه يكتسب العرض أهميته بعده المحصلة النهائية للتمارين الناجحة بفضل عمل الممثل في ضوء معطيات النص، توجيهات المخرج.
الدرس الخامس: مسرحية الغزاة من وراء الكواليس:
يناقش الدرس مجريات ووقائع عرض المسرحية التاريخية (الغزاة) تتناول غزو المغول لبغداد، تأليف علي الشوك وإخراج محسن العزاوي، بدأ من قراءتها من قبل لجنة فحص النصوص وحتى عرضها على خشبة المسرح، وقد تم الشروع بالتدريبات بعد تعديل النص من قبل المؤلف.
أسندت للممثل (عزيز عبد الصاحب) شخصية (صفي الدين الارموي البغدادي) وبنفس الوقت جعل المخرج له بديلا لأداء الشخصية، إلا أن الممثل البديل – رغم أخذه لمساحة كافية من التمارين- لم يواصل.
يتضمن الدرس رسالة مفادها: عندما قيادة العرض المسرحي بيد مخرج مبدع مثل (محسن العزاوي) سيخرج العرض بأبهى صورة حتى إن كان النص ضعيفا وبعض الممثلين غير مبالين، مادام يتبع يخطط قبل التمارين ويضع معالجة واضحة للنص وينفذ رؤيته بدقة.
الدرس السادس: مسرحية ( دائرة الفحم البغدادية) من وراء الكواليس:
يتقارب مضمون الدرس مع الدرس السابق في رصد التجربة المسرحية من خلال يوميات التدريبات من داخل العرض من حيث الإعداد والإخراج والتمثيل، وهي مسرحية أعدها (عادل كاظم) باللهجة العراقية وأخرجها (ابراهيم جلال) وعرضت ليوم واحد – 15/ 1/ 1976- لأن تضمنت إسقاطات سياسية لا تتناسب ورؤية النظام السياسي حينذاك بحسب المسؤولين.
تتلخص حكاية مسرحية (دائرة الطباشير القوقازية) للمؤلف (برتولد بريشت) بالاتي: تنشب حرب، يسقط حاكم جورجيا ويشنق، تهرب زوجته تاركة طفلها، لتنجو بنفسها، تنقذه الطباخة (كروشا) الطفل وتهرب به مجازفة بحياتها، يسقط النظام الجديد، لتعود الاميرة والدة الطفل، تطلب من الطباخة إعادة الطفل إليها، ترفض الطباخة لانها اعتنت بالطفل في أحلك الظروف وغامرت بحياتها واعتنت به وقامت على تربيته، يحال الامر إلى القاضي الذي يأمر برسم دائرة على الأرض، يضع الطفل داخلها، يوقف الاميرة (الام الاصلية) والطباخة (كروشا) متقابلتين على جانبي الدائرة، على ان تمسك كل منهما بالطفل من يده وتشد الطفل إلى خارج الدائرة وتأخذ الطفل لها. ترفض (كروشا) سحب الطفل لأنها تحب الطفل وتخشى إيذاءه. يحكم القاضي بمنح الطفل للطباخة (كروشا) لانها حريصة عليه أكثر من أمه الاصلية.
ـ شرح المخرج خطته الإخراجية، وسأل الممثلين عن مقترحاتهم، وآرائهم.
ـ التدريبات بقيادة مدير المسرح او مساعد المخرج تفيد الممثل في حفظ الدور وتثبيت الحركة بلا روح بعيدا عن مراقبة المخرج.
ـ ركز المخرج على تثبيت أداء الفعل الميكانيكي، الحركة المحسوبة المقننة، وبعد ذلك تأتي الحياة للدور، ويأتي الاسترخاء.
ـ في احد الايام تذمر المخرج قائلا: “اين الاكتشاف؟ حين لا يبدأ الممثل في الاكتشاف ينهي نفسه فنيا .. الباحة أعطيت ملاحظاتي فلماذا لا تنفذ؟ اذا بقينا على هذه الحال لن أخرج المسرحية لمدة سنة”ص147.
ـ تتلخص إجراءات (ابراهيم جلال) الاخراجية بالاتي -بحسب قوله- ” أنا أقرأ المسرحية، استوعبها اولا فيولد التجاوب مع رؤيتي، عندئذ اشخص العملية من خلال هذه الرؤى وأبدأ بالتطبيق، طريقتي، انني ارسم حتى الديكور واتخيل حركة الأشخاص ونماذجهم، وعند اعادة القراءة لتثبيت عملية الإخراج، تبدأ عندي ظواهر الأسس للعملية، أي عندما آتي إلى التمرين، هناك ارضية في ذهني اتحرك بموجبها واحرك الممثل عليها لتكوين الجملة الفنية التي اريد ان اعبر من خلالها…” ص149.
أكثر ما يلفت الانتباه في هذا الدرس عن التمثيل هو اعتراض أحد الممثلين وعدم حبه للشخصية وتقبله لادائها، وإذا به يبدع في بناء دوره وعبر المؤلف عن ذلك بجملة بليغة : “إنه توطين النفس على ما لا تحب … متحقق بذلك الانتصار على الدور” ص155. بمعنى آخر: لا توجد شخصية محبوبة وأخرى غير مرغوب بها، على الممثل ان يقبل ويؤدي اي شخصية تسند اليه، ويعمل على تكييف ادواته ومشاعره معها على وفق رؤية المخرج.
الدرس السابع: دراما الحرب في العراق:
العروض التي تناولت الحرب كثيرة ومتنوعة الاتجاهات، القاسم المشترك بينها هو قلة تكاليف الإنتاج، وسهولة التحرك والعرض داخل وخارج العراق، وأنها لم تتصدى لموضوع الحرب بصيغة مباشرة تسقطها في السطحية، فهي مسرحيات تتحدث بفهم عميق عن واقع الحرب وما تخلفه من دمار للإنسان والأوطان. وقد اعتمدت دراما الحرب على المنهج الواقعي إلى جانب المنهج التعبيري في بناء العرض، ومن أهم العروض التي تناولت الحرب وأثرت بالجمهور وشكلت علامة فارقة في تاريخ المسرح العراقي هي مسرحية (الذي ظل في هذيانه يقظا) اعداد واخراج (غانم حميد) ومسرحية (قصة حب معاصرة) للمؤلف (فلاح شاكر) وإخراج (هاني هاني).
الدرس الثامن (بيلوغرافيا استعادية عن ظاهرة العروض المسرحية 2003 – 2006)
يفند المؤلف فكرة القائلين بسقوط المسرح العراقي بعد حدوث التغيير السياسي عام 2003، وما قاله بعض المغتربين العراقيين بأنهم سيعود المسرح بعودتهم إلى الوطن. يفند هاتين المقولتين بوقائع وشواهد، منها: تقديم عروض نهارية لجمهور قليل نسبيا، مثل عرض (الحسين ثائرا وشهيدا) اخراج جواد الحسب، ومسرحية (مكانك ايها السيد) تأليف مثال غازي، اخراج عماد محمد، ومسرحية (اعتذر استاذي لم اقصد ذلك) تأليف عواطف نعيم، اخراج هيثم عبد الرزاق، تمتعت المسرحيات بحرية واسعة في طروحاتها وتصدت لنقد عسرة المجتمعات، وتعزيز الروح الوطنية. وقد شاركت الكثير من المسرحيات في مهرجانات دولية وحصدت جوائز، وذلك ” قبل ان يشاهدها جمهور بغداد، وربما لم يشاهدها جمهور بغداد اطلاقا وهذا اسوأ ما مارسه المسرح العراقي ازاء جمهوره “ص183. لم تتوقف الحياة المسرحية في بغداد، وتوالت العروض والمهرجانات لتشكل علامة فارقة في تاريخ المسرح العراقي في تلك الفترة.
كان الفنان (عزيز عبد الصاحب) يصطحب الشخصيات المسندة له معه إلى البيت وفي الشارع وفي كل مكان وكل زمان، ينام معها ويصحو معها ويحلم بها، و بمجريات التمارين، انه يفكر بالمسرح والمسرحية، ويعمل على تطوير كل مفاصل العرض المسرحي، حتى انه وضع صورة وخطة لما ينبغي أن يكون عليه المسرح والية لصناعة الجمهور وجعل الحضور ظاهرة طبيعية ومهمة في حياة الناس.
ختاما لابد من القول … يشكل كتاب (لا ترسم عصفوراً ناقصا) مصدر تحفيز والهام للعاملين والباحثين في ميدان المسرح، وإثراء المكتبة الدرامية.


