قراءات نقدية

كتاب الخميس: الحلقة (الثمانون)

إعداد وتقديم: محمد محسن السيد

 

عنوان الكتاب: للمجموعة المسرحية “اقل عزاء ممكن“.

اسم الكاتب: علي طعمة.

الناشر: عام 2024/ بغداد

*******************

 

الحياة بوصفها (اقل عزاء ممكن)

 

“مداد قلم الكاتب مقدس مثل دم الشهيد” (شكسبير).

 

اذا كانت الكتابة هي (كرامة الانسان الاولى) كما يقولون، فان مهمة فعل الكتابة هو فعل المسرة والعشق، باعتبار ان فعل الكتابة فعلا داخليا يلتقي الجذور ويجري حوارا معها، وصولا الى تأكيد سلطة الحرية عبر الكلمة. ونحن من خلال الكتابة نسعى (الى طرح انفسنا على الاخرين) على حد قول (سيلاكس) وليس بمقدورنا ان نواجه الاخرين الا من خلال ما نطرحه من افكار. وعليه تكون الكتابة احيانا مخاطرة نتائجها ليست بالهينة لانها تضرب عرض الحائط كل التابوات والمحاذير وتماشيا مع كل ما تقدم صار لزاما على المؤلف المسرحي، ان يحرص على تبني مدركات عقلانية، لمفاهيم المجتمع باعتباره ابن بيئة، في كتاباته الدرامية، تستقصي دراسات عادات موروثة اجتماعيا، وتاريخيا، وفولكلوريا، لكتابة متماسكة لغويا، بفصاحتها، وبما يقتضيه من ابعاد بلاغية واسلوبية، بجودة عالية، عبر حوارات الشخصية وطباعها، ومتطلبات النسيج الدرامي – بشكل جوهري – وليس هامشي – لذا صح ما يقال ان المسرح ابا الفنون ومنبر الوعي الاجتماعي ومدرسة الشعب، وهذا الامر وما يتعلق به يضع كاتب المسرح بصورة عامة بشروط واستحقاقات استثنائية فلما تتواجد الا عند القليلين. ومنهم الكاتب المسرحي والاديب والفنان المسرحي البارع علي طعمة وهو يتحفنا بمجموعته المسرحية البكر (اقل عزاء ممكن) وهي من اصدارات عام 2024 بغداد. ضمن المجموعة (9) مسرحيات توزعت على صفحاتها الـ(214) صفحة من حجم المتوسط .

جاءت اولى هذه المسرحيات تحت عنوان (على حافة الجنون) وهي من جنس المونودراما وبطلها رسام صاحب رسالة انسانية راقية واكاديمي من طراز مزيد، وهو هنا يذكرنا ببطل مسرحية (مساء السلامة ايها الزنوج البيض) الموسيقي القدير. وثاني هذه المسرحيات هي مسرحية (اقل عزاء ممكن) وبها سميت المجموعة وشخوصها اثنان(هو/ الاخر) وتجري احداثها في مقبرة، رجل يبحث بين القبور عن قبر حبيبته ليصطدم بالاخر الذي يكتشف لاحقا انه ظله والذي يحاول عرقلته وابعاده حول ما يخص البحث عن القبر. وهي قريبة جدا باشتغالاتها الى فن المونودراما، مؤكدا في النهاية انتصار الحب وان الحب الحقيقي لا يموت، لينهيها بصرخة مدوية.

هو: كل جزء مني يصرخ: اني احبها وسابقى احبها حتى لو كانت ميتة.

الاخر: الحب لا يموت؟!.

هو: الحب لا يموت!.

وهنا نصل الى مسرحية (بداية النهاية) واحداثها تدور في مكان مهجور بعيدا عن المدينة وابطالها: الاول والثاني، ونلمس فيها بعدا فلسفيا وثقافيا واضحا جدا. وهنا نشير على وجه العجالة الى بعض ما جاء من حوارات لندلل على ما ذكرناه.

الاول: الحياة كلها قائمة على اساس الجدل، كيف نتساوى انا وانت؟ لا .. لا.. نحن مختلفون في كل شيء. ثمة فارق بيننا لا تدركه. فالعالم فيه معايير مختلفة.

الاول: لابد من القضاء على الجهلة من امثالك لانهم عثرة في طريق الناس.

الثاني: اي انظمة وقوانين هذه التي تجرد الانسان من انسانيته وتجعله بلاصفة؟ انها مجرد كلمات يطلقها البعض ليحقق بها مآربه ومصالحه.

الاول: عندما تعمل معي لا تفكر .

الثاني: وهل التفكير ممنوع؟

الاول: التفكير مبني على عقيدة والعقيدة مبنية على اساس عملي، هل فهمت ايها الغبي؟

الثاني: لم يخلق الله الناس سواسية.

الاول: كان هذا في البدء، ثم جعل الناس ملوكا وعبيد.

الثاني: الم يكن الانسان هو المحور والهدف من وراء هذا الوجود؟.

الاول: اجبني متى يظهر القبح؟

الثاني: عندما يقاس بشيء اخر .

الاول: والحسن؟

الثاني: ما يستحسنه العقل .

الاول: اذن الحسن والقبح يرجع كل منهما الى جهة القياس؟هذا هو رأيك؟

الثاني: القبيح ليس قبيحا بوجوده لكنه قبيحا بفعله.

الاول: ماذا تقصد من وراءكلامك هذا؟

وهنا يستقر بنا المقام حول مسرحية (انتحال صفة دمية) وشخصياتها (الرجل/الدمية) وتقوم المسرحية هنا على تبادل الادوار بين الاثنين. والاختلاف الشاسع بينهما. واللافت للانتباه هنا هو اصرار الرجل ان ينتحل صفة دمية، وذلك لقسوة الانسان على اخيه الانسان وتكالب نزعة الشر فيه. وهنا ستحضر مقولة لاحدهم يقول فيها “للقسوة قلب انساني” واظنه (وليم بليك).

وتطالعنا مسرحية اخرى هي (خارج نطاق المإلوف) واحداثها تدور فظ مقبرة ايضا بطلها رجل مغترب يفاجئ بشخص يقوة من داخل قبره مرتديا ملابس بيضاء وهو العارف. ليدور بينها جدالا طويلا لايخلو من بعد فلسفي وعرفاني عن الحياة والموت والوجود، ولنصغي الى بعض الحوارات لكي نصل الى جوهر ما ذكرناه:

العارف: انا لست من الاموات .

المغترب: ليس من الاموات .

العارف: بلى جئت الى هنا لكي اعيش تجربة الموت قبل الموت .

المغترب: وما جدوى ذلك؟

العارف: اموت لكي احيا ، مرت اياة وانا هنا .

المغترب: وهل اعتزاك شيء؟ اقصد هل طرأ عليك تغيير؟

العارف: من غيرك. كنت ميتا بالجهل والرغبات وحب الحياة، اما الان اسعى جاهدا لتكميل نفسي، ففي كل يوم ازداد قوة وصلابة على تحمل الصعاب، ها انذا اكرع كإس الملاطفة واتناهى الى افكار القرب، حتى كأن اذان القلب تسمع صوت يتردد من بعيد. وفي خاتمة المسرحية نشاهد صراعا مريدا ينتهي بقتل العارف من قبل المغترب. وهذه صورة استرجاعية تذكرنا بقصة اول قتيل على وجه المعمورة وهي قصة قابيل وهابيل وما جرى بينهما. لنقرا كيف رسمت النهاية هنا بشكل مفجع ودموي:

العارف: توقف .. ماذا تريد ان تفعل؟ هل تدفني وانا حي؟

المغترب: في الحقيقة انت ميت، هل تظن بان فيك بقية من حياة؟

ادخل في هذا المكان الذي كنت تعيش فيه، المكان الذي يمنحك حياة اخرى، لاترفض هدية السماء (يدخله القبر بقوة ويقوم بخنقه)

العارف:(وهو يقاوم) ايها الشيطان اللعين، هكذا يفعل الجاهل عندما يحمل افكار الغرب.

المغترب: (وهو يخنقه) بلى .

العارف: (وهو يتنفس بصعوبة) يقتل من كان يسعى لانقاذه من الظلام .

المغترب: بل اكثر من ذلك (النهاية).

ونمضي مع المسرحيات لتطالعنا هذه المرة مسرحية (انهم يقتلون الشعراء) وهي تذكرنا بمسرحية (وداعا ايها الشعراء) للكاتب الراحل جليل القيسي وتوزعت على(3) مشاهد قصيرة وشخصياتها: السلطان / الوزير / افراد الحاشية/رئيس الحرس/ الشاعر/ رجال السلطة (الاول والثاني والثالث). والشاعر هنا صوت الحقيقة التي ترفض السكوت مهما كان الثمن باهضا، وليدفع ثمنه حياته الغالية حيث يقوم ازلام السلطة الثلاث بختقه بشكل جنوني حتى الموت وهي نفس النهاية للمسرحية السابقة (انتحال صفة دمية) وليطلق الشاعر صرخته الانسانية مدوية:

الشاعر: الحقيقة. هي سر من اسرار الله (الثلاثة يخنقون الشاعر بقوة وهو يتنفس بصعوبة) الحقيقة لن تموت . الحقيقة لن تموت .

الثلاثة: مت يا هذا مت .(النهاية).

وهنا يصل بنا المقام الى مسرحية (الركض وراء اللاشيء) وشخصياتها الزوج والزوجة واحداثها تجري في غرفة وهي لا تخلو من موضوعة العبث حيث تدور احداثها حول ملاحقة فار صغير ، ليتبين لنا في النهاية انه ما كان سوى وهم كبير يطاردونه .

وهنا نصل الى مسرحية ما قبل الاخيرة في هذه المجموعة وهي (الى اين) وهي من نوع المونودراما واحداثها تدور في محطة مهجورة بطلها رجل مطارد يكتشف بالصدفة ان هناك رجل على كرسي ليتبين له من بعد ان يحركه انه ميت. وهذه هي الثيمة الاساسية للنص.

وهنا يصل بنا المقام الى اخر مسرحيات هذه المجموعة وهي (بعد فوات الاوان) وهي ايضا من نوع المونودراما التعزية الحسينية، توزعت على (3) مشاهد قصيرة، لرجل اتخذ موقف الحياه ازاء موقفه من نصرة صاحب الرمح والقبر المعروف والشهير ليعلن ندمه على ما اقترفته يداه، بعد ان غررّ به، ومن كل معطيات النص وقرائنه نستشف بان الشخصية هنا قد تكون الحر الرياحي او اشارة اليه من قريب او بعيد.

Alfurja

Alfurja

About Author

موقع مجلة الفرجة صادر عن: مركز الفنون العربية الفرجة.
الملف الصحافي: 37/ 2014ص.
الايداع القانوني: ردمد 9452/2421

اشترك في نشرتنا الإخبارية

    خلف الكواليس وفي قلب الحدث.. اشترك لتعرف كل جديد وتصلك كواليس المسرح وأخباره إلى بريدك

    جميع الحقوق محفوظة © 2026

    error: نعتذر، نسخ المحتوى غير مسموح به لحماية حقوق الملكية