حوارات سيرة و فنان

زينب العيوس الأسدي: حين يكون المسرح قدراً لا خياراً

إعداد و حوار :مهدي منصور

في الجلوس على جمر الخشبة

ثمة مدن تصنع فنانين، وثمة مدن تصنع أسئلة. البصرة من النوع الثاني — تلك المدينة التي تحمل في جيناتها تناقضات لا تحلّها الفلسفة ولا تهدّئها الأيام: ماء مالح وشعر قديم، رائحة نفط وصوت مؤذن، مواكب حزن تنقلب فجأة إلى احتفال. في هذه المدينة وُلدت زينب العيوس الأسدي، وفيها تعلّمت — قبل أي أكاديمية — أن الجمال والألم ليسا ضدّين، بل وجهان لحقيقة واحدة.

لم تختر المسرح بقرار واعٍ. المسرح هو الذي اختارها، كما يختار دائماً من يستحقونه — بهدوء ودون استئذان. ومنذ ذلك الاختيار، راحت تبني علاقتها مع الخشبة على أكثر من مستوى في آنٍ واحد: تمثيلاً وتأليفاً ونقداً وبحثاً أكاديمياً، لا لأنها تهرب من تخصص إلى آخر، بل لأنها أدركت مبكراً أن هذه الوجوه جميعها لا تعدو كونها طرقاً مختلفة نحو سؤال واحد لا يكفّ عن مطاردتها.

حصلت على شهادة الماجستير بدراسة جسّرت فيها بين الشعيرة الدينية والبنية الدرامية، مقاربةً المسرح الحسيني لا بوصفه موروثاً طقسياً فحسب، بل بوصفه ذاكرة جمعية تحمل في طيّاتها أعمق ما في الإنسان العراقي من حزن ومقاومة. كانت تلك الدراسة رحلة فكرية وشخصية قبل أن تكون إنجازاً أكاديمياً.

على صعيد الإبداع، قدّمت مسرحية “يوم الأحد يكلّف خمس بيزات” التي نالت درع التميز، وفيها التقطت ببراعة الإنسان البسيط وسط تفاصيله اليومية العابرة التي تخفي تحتها ثقلاً أشدّ من الحياة نفسها. كما امتد حضورها الفني والفكري ليشمل الصحافة الثقافية والإذاعة والسينما، فضلاً عن المشاركة في مؤتمرات دولية وورش بحثية وتقديم أوراق نقدية في المسرح المعاصر.

تعمل اليوم في التدريس الأكاديمي حاملةً إلى طلابها ما حملته البصرة إليها ذات يوم: أن المسرح الحقيقي لا يبدأ من النص ولا من الخشبة، بل يبدأ حين نقترب — بصدق وبلا حذر — من هشاشة الإنسان الخفية.

تؤمن بأن الفن ليس مهنة ولا لقباً، بل طريقة حقيقية لإعادة تأهيل الإنسان لفهم الحياة ومقاومة قسوتها. وهي، بعد كل ما قدّمته، ما زالت تشعر أنها في البداية — وهذا وحده يكفي دليلاً على أنها فنانة حقيقية. ؤذن ورنين الطار في وقت واحد. من ولدت هنا تعلّمت شيئاً لا تعلّمه الأكاديميا: أن الجمال والألم ليسا ضدّين. إنهما وجهان لحقيقة واحدة.

1/ البصرة التي صنعتكِ: ما الذي علّمتكِ إياه هذه المدينة قبل أن تعلّمكِ الجامعة أي شيء؟

ـ البصرة علمتني أن الإنسان يمكن أن يكون هشّاً وقوياً في الوقت نفسه. مدينة مليئة بالتناقضات؛ الماء المالح، التعب، الجمال، الإبداع، الحروب، والأغاني. قبل الجامعة تعلّمت منها الإصغاء للناس، لقصصهم الصغيرة، لوجه أبي وأمي المتعبَين، وهذا ربما كان أول درس مسرحي حقيقي في حياتي. البصرة لم تصنعني أكاديمياً فقط، بل صنعت الشعور والإحساس تجاه الإنسان والحكاية.

2/ بين التمثيل والتأليف والنقد: أين تجدين نفسكِ حقاً؟

ـ أجد نفسي في المنطقة التي تسبق كل ذلك، في “السؤال”. التمثيل يمنحني جسداً آخر، والتأليف يمنحني صوتاً، أما النقد فيمنحني وعياً بما أفعل. بالنسبة لي ليست تخصصات منفصلة، بل وجوه مختلفة لعلاقة واحدة مع المسرح. لكن ربما أقترب أكثر من الكتابة، لأنها المساحة التي أستطيع فيها أن أقول ما لا يُقال على خشبة المسرح أحياناً.

3/ رسالة الماجستير عن المسرح الحسيني كانت جسراً بين الشعيرة والدراما. هل كان ذلك خياراً أكاديمياً أم كان شيئاً أعمق؟

ـ لم يكن خياراً أكاديمياً فقط، بل كان محاولة لفهم كيف تستطيع الشعيرة أن تحمل داخلها بنية مسرحية وإنسانية عميقة. كنت أبحث عن المسرح في الذاكرة الجمعية الشعبية، من خلال الطقس، وفي الحزن العراقي تحديداً. لذلك كان الموضوع أقرب إلى رحلة شخصية وفكرية أكثر من كونه مجرد بحث جامعي.

4/ أنتِ حضور في الصحافة والإذاعة والسينما والمسرح والجامعة. هل هذا التشعب قوة أم أنه يستنزفكِ أحياناً؟

ـ لا أحب العيش داخل قالب واحد. كل مساحة تمنحني طريقة مختلفة لرؤية العالم. ربما التعب موجود، لكنه تعب يشبه الشغف أكثر مما يشبه الاستنزاف.

5/ قدّمتِ مسرحية “يوم الأحد يكلّف خمس بيزات” وفازت بدرع التميز. ما الذي كانت تقوله هذه المسرحية؟ وما الذي قالته لكِ أنتِ؟

ـ كانت المسرحية تحاول أن تلتقط الإنسان البسيط وسط التفاصيل اليومية التي تبدو عابرة لكنها تحمل وجعاً عميقاً. كانت تقول إن الأشياء الصغيرة قد تكون أثقل من الحياة نفسها أحياناً. أما بالنسبة لي، فقد قالت إن المسرح الحقيقي يبدأ حين نقترب بصدق من الناس ومن هشاشتهم الخفية.

6 — بعد كل هذا المشوار — المؤتمرات الدولية، الأوراق البحثية، الورش، والأعمال — ما الذي لم تقوليه بعد؟

ـ ما زلت أشعر أنني في البداية. هناك أشياء كثيرة لم أقلها بعد؛ عن المرأة، عن الخوف، عن المدن التي تتآكل بصمت، وعن الإنسان حين يفقد صوته في عالم مزدحم بالضجيج. أريد أن أصل إلى لحظة أشعر فيها أن الفن لم يكن مهنة أو لقباً، بل طريقة حقيقية لإعادة تأهيل الإنسان لفهم الحياة ومقاومة قسوتها.

 

Alfurja

Alfurja

About Author

موقع مجلة الفرجة صادر عن: مركز الفنون العربية الفرجة.
الملف الصحافي: 37/ 2014ص.
الايداع القانوني: ردمد 9452/2421

اشترك في نشرتنا الإخبارية

    خلف الكواليس وفي قلب الحدث.. اشترك لتعرف كل جديد وتصلك كواليس المسرح وأخباره إلى بريدك

    جميع الحقوق محفوظة © 2026

    error: نعتذر، نسخ المحتوى غير مسموح به لحماية حقوق الملكية