قراءات نقدية

كتاب الخميس ( الحلقة الواحدة والثمانون)

إعداد وتقديم: د. رشيد بلفقيه

 

اسم الكتاب: “السلطة والمعرفة في المسرح العربي مراجعات ديكولونيالية”

اسم الكاتب: د. خالد أمين

اسم الناشر : المركز الدولي لدراسات الفرجة (بطنجة)، سنة 2025

******************

تقديم

يعود خالد أمين في كتابه ما قبل الأخير “السلطة والمعرفة في المسرح العربي مراجعات ديكولونيالية”، الصادر سنة 2025، عن المركز الدولي لدراسات الفرجة (بطنجة)، ومركز جزيل للبحوث الثقافية (بالرياض)، ليضع مشروعه النقدي في إطار “تناسج ثقافات الفرجة”، والتجارب التحررية المتصلة بـ”النقد ما بعد الاستعماري/الديكولونيالي” موضع مراجعة، معيدا تأمل آثار حفرياته العميقة في الجسد الفرجوي العربي والمغربي والجنوبي عموما، ومعيدا تأمل الأسئلة الموجهة لمشروعه الديكولونيالي في تلقي الفرجات الجنوبية، ومعيدا نقدها وتحليلها.

يضاف هذا الكتاب إلى منجز نقدي ثري في مجال النقد الديكولونيالي للمسرح والفرجة بدءا بكتابه المؤسس “الفن المسرحي وأسطورة الأصل”، ومرورا بـ”الهويات الهاربة”، ثم “هوامش دراسات الفرجة”، بالإضافة إلى آخر كتبه “رتق الكينونة المستلبة” والتر مينيولو وعبد الكبير الخطيبي في مختبر الأداء الديكولونيالي، ويعد كل منها تتويجا لمرحلة مهمة في مسيرة طويلة في استنطاق آليات المركزية الغربية المهيمنة على الخطاب المسرحي العربي والمغربي نقدا وإبداعا.

1- المسرح العربي بعيون أخرى: مراجعات ديكولونيالية

ينطلق خالد أمين في مسار مراجعاته الديكولونيالية لمفهومي السلطة والمعرفة في المسرحين العربي والمغربي من أسئلة جوهرية من قبيل:

“كيف نفكك خيوط السلطة والمعرفة المتشابكة في نسيج المسرح العربي من موقع ديكولونيالي؟ وهل بإمكاننا هنا والآن، أن ننتج المعنى (والمعرفة المسرحية) بمعزل عن الاحتكاك بهذا الغرب الذي يقيم فينا”.(1)

يحرك هذه المراجعة “فضول ملح لفهم الصيغة التي دخل بها المسرح إلى فضائنا الثقافي تحت مظلة الحداثة، وأنماط الأجندات الكولونيالية التي رافقت ذلك الدخول/الهجمة”(2). وتطلع إلى قياس مدى قدرة المراجعات الديكولونيالية على رفع الستار عن التحيزات الغربية التي طالما وسمت رؤيتنا للمسرح والفرجة.

وتشكل مساءلة مفهومي “الحداثة/ والديكولونيالية” المتلازمين في مشروعه النقدي؛ محور المسعى البحثي الأول للكتاب، من خلال إعادة تأمل علاقة المفهومين بمسارات تطور المسرح العربي، ومدى ارتباط الحداثة المسرحية العربية بالحالة الكولونيالية Coloniality بوصفها بنية هيمنة متجذرة تستمر حتى بعد انتهاء الاستعمار المباشر.

كما تستحضر أعمال مفكرين ديكولونياليين مثل عبد الكبير الخطيبي، ووالتر مينيولو، وفتحي المسكيني، وألباني كيخانو، وعبد الله إبراهيم، وسليمان بشير ديان، ورستم باروتشا، وهومي بابا … وغيرهم. وتطمح إلى تفكير يتحرر من أسر التبعية المسرحية والجمالية الغربية، ويعمق البحث عن مسرح أصيل، يستلهم التجارب العالمية لكن بوعي ديكولونيالي في الوقت نفسه، يعي هويته ويسعى ليحافظ عليها.

يضع خالد أمين، في هذا المحور، المركزية الغربية في علاقتها بالمثاقفة العربية وبالممارسة المسرحية موضع المساءلة، بوصفها علاقة لا يستقيم فهمها إلا في سياق تاريخي يستحضر شراسة الحملة الكولونيالية على العالم العربي، وما نتج عنها من حالة استعمارية ممتدة أنتجت علاقة قسرية تأرجحت بين الوصال والاحتكاك فالتبعية والتطلع إلى الفكاك عبر مقاومة داخلية بدرجات متفاوتة، أفضت إلى مواقف متناقضة، تراوحت بين الدعوة إلى أوربة الممارسة الثقافية وضمنها الممارسة المسرحية أوربة مطلقة موقف محمد يوسف نجم مثلا، ودعوات مناقضة لها ترى بأصالة الممارسة المسرحية وبضرورة مراعاة الثقافات المحلية، والإرث العربي والإسلامي الثري، من قبيل تيار الاحتفالية لعبد الكريم برشيد، ويوسف إدريس، وقاسم محمد، وعلي الراعي …

هذه الثنائية، لم يكن من الممكن تجاوزها حسب مفكرين ديكولونياليين، من أمثال عبد الكبير الخطيبي صاحب النقد المزدوج، ووالتر مينيولو صاحب التفكير العابر للحدود، إلا بتفكير لا يعترف بالحدود الفنية والمعرفية، فتجاوز التبعية المسرحية والجمالية، ويبتكر مسرحا عربيا أصيلا في آفاق رحبة تتيح إمكانية تجاوز الإرث الكولونيالي، وذلك في إطار تصالح معرفي مع حقيقة أن الحداثة العربية لم تكن لتتحقق لولا تلك “الحالة الكولونيالية”.

تعتبر الحالة الكولونيالية “نظاما قويا يعمل من خلال آليات اجتماعية، وثقافية، واقتصادية، ومعرفية، وجمالية للحفاظ على السيطرة على الشعوب المستعمرة سابقا واستغلالها”(3)، وتصير “مصفوفة للسلطة الكولونيالية” من خلال تلك الآليات، مصفوفة يعتبرها المفكرون الديكولونياليون نظاما للهيمنة العالمية تسعى لترسيخ الاستعمار الأوروبي، وينبغي التخلص منها إما “بإعادة بناء معرفي” قوامه تفكيك أنماط المعرفة المهيمنة، وفق رؤية تعتبر الاستعمار أكثر من مجرد حقبة تاريخية منقضية، بل حدث تاريخي بآثار ممتدة، كما يرى كيخانو، وإما “بتبني رؤية تشمل تجاوز البعد المعرفي، لتشمل مجالات متنوعة مثل علم الجمال واللغة، وتعتبر أن تلك المصفوفة تجسيد لنسق مضمر وجه مسار الحضارة الغربية لقرون، حسب مينيولو، وهو ما يدعو إلى إعادة تأمل رحلة المسرح اليوناني من المحلية إلى العالمية، فقد كرست الهيمنة الغربية على المسرح العربي/الجنوبي، المسرح بوصفه فنا أوروبي المنشأ، اكتملت نشأته في اليونان القديمة، ثم انتشر في العالم، ووفقا لهذه السردية المهيمنة بات صعبا على المعايير الغربية أن تستوعب الخصوصيات الجمالية لثقافات فرجوية مغايرة، أو تقبلها وتحليلها. ورغم القيمة التاريخية للإطار الجمالي الغربي، إلا أنه قاصر عن احتواء الأشكال الفرجوية المنبثقة من ثقافات أخرى، لا تخضع لتقسيماته النوعية بالضرورة.

وفي سياق البحث عن إمكانيات لاختراق المصفوفة الكولونيالية، “تشدد الدراسات المعاصرة بشكل متزايد على التنوع الثقافي، والشمولية، وتسعى إلى دمج تواريخ التقاليد الفرجوية غير الغربية ونظرياتها والأصوات المهمشة داخل الثقافات الغربية نفسها، ويتضمن ذلك تحدي النموذج اليوناني وتوسيع مجموعة الأعمال الفرجوية المؤثرة الخارجية عن مدارات اليونان القديمة” (4)، حتى لا يبقى الغرب الإمبريالي هو المرجع الصامت وغير المعلن لتاريخ المسرح في البلدان جميعها، وحتى لا يستمر اختزال فرجات الشعوب الأخرى في تصنيفات دونية، لا ترقى لتكون مسرحا.

في الغرب، ظل الانفتاح على الآخر منغلقا على قناعات بأفضلية النموذج الغربي، إذ رغم الانفتاح الذي حققته رحلات أوجينو باربا، وجيرزي غروتوفسكي، إلى الشرق مثلا، على رحابة الإنتاج الفرجوي الأفرو-أسيوي، غير أن هذا الانفتاح ركز على العناصر البصرية والطقسية، وأغفل التعقيدات الاجتماعية والثقافية، مما أدى على تبسيط هذه الممارسات ونمذجتها ثقافيا.

أما في الشرق، فقد اتسمت اختيارات الرواد هناك بالتناسج والتثاقف بين ثقافتين محلية أصيلة، وغربية وافدة، اختيارات بنيت على استيعاب ثقافة الآخر الوافدة، وتجاوزها، في أفق إنتاج مختلف، مما أنتج ” هجنة” أربكت النموذج الغربي، واستفزت ادعاءه الاكتمال.

وقد مثل مفهوم “النقد المزدوج” عند عبد الكبير الخطيبي، -الذي سبق إدوارد سعيد في تفكيك منظومة الاستشراق- مثلا، مقاربة تحليلية رائدة، سعت إلى تفكيك الأسس المعرفية للثقافة الغربية وإعادة بنائها، في سياق الحالة الكولونيالية الراهنة، على ضوء نقد متزامن لكل من منظومات الفكر والسلطة الغربية الكولونيالية، ومنظومات الفكر والسلطة العربية والإسلامية الموروثة، دون نية رفض أحدهما لصالح الآخر، بل بنية تجاوز الثنائيات التقليدية من قبيل الفكر الغربي والفكر الشرقي، والمستعمر والمستعمَر.

كما مثل مفهوم “التفكير العابر للحدود” عند والتر مينيولو، إطارا معرفيا أوسع نطاقا، جعل من تجارب المهمشين في المناطق الحدودية منطلقا لتجاربه، بوصفها “إقامة على الحدود” وليس عبورا لها.

ويعد مفهوم “التناسج” الذي تقدمه إريكا فيشتر ليشته، دعوة أخرى لما يسميه إدوارد سعيد “بالقراءة الطباقية”، وإذ يشير “التاريخ المتشابك” إلى منهج محدد للكتابة التاريخية، فإن “تناسج ثقافات الأداء” وفقا لفيشتر ليتشه، يركز على الممارسات والعمليات التاريخية نفسها، ويمكن تفسير “التناسج” على أنه التفاعلات الديناميكية التي تخلق التشابكات أو تحللها.

إن تصور خالد أمين عن تناسج الثقافات الفرجة مقترن بالنقد المزدوج/ والتفكير العابر للحدود. وهما معا أفقان لمحو المركزية الغربية من دون السقوط في مطبات جوهرانية أخرى، الأمر الذي يقتضي التئام الإرادات الحية من نقاد ومسرحيين في “الجنوب الممانع“، للانفكاك من قيود الحالة الكولونيالية أو الليبرالية الجديدة ومن يدعمها في “الشمال الإقطاعي للجنوب“، فلسنا -كما يقول خالد أمين- من دعاة التاورب المطلق، ولا الإغراب في الماضي، بل عابرون فقط في ظل إقامتنا على الحدود، وهي إقامة محفوفة بالمخاطر. (5)

2- مراجعات في مشروع تناسج ثقافات الفرجة: دراسة في الأصول والتطورات النقدية

في المحور الثاني، يعود خالد أمين إلى بدايات التفكير الأكاديمي في معضلة المثاقفة المسرحية، مراجعا مفاهيم مركزية في مشروعه الديكولونيالي، من قبيل التناسج، وتناسج ثقافات الفرجة، ومعيدا تأمل مسار تطورها منذ أن أعطت إيريكا فيشر ليشته الشرارة الأولى لهذا المشروع في الندوة التي نظمتها سنة 1988، تحت عنوان “المسرح الذاتي والمسرح الغريب” بوصفها نقطة انطلاق تأمل إشكالية العلاقة بين الذاتي والآخر في سياق فنون الفرجة، وبوصفها حجر الزاوية في صرح حقل دراسات الفرجة العابرة للثقافات، ومجالا أكاديميا مستقلا ذا أهمية قصوى.

وصولا إلى سنة 2008 التي شهدت تأسيس “المعهد الدولي لتناسج ثقافات الفرجة” الذي تأسس استجابة للحاجة إلى فهم أعمق للديناميكيات المحفزة للتفاعل الثقافي في عالم معولم، يتجاوز قدرة النظريات الموجودة بما في ذلك نظرية ما بعد الكولونيالية على تفسيره بشكل كامل.

يجسد اختيار استعارة النسج بوصفها “رمزا أساسيا لدراسة تفاعلات الفرجة، الطبيعة المزدوجة لعملية النسج ذاتها، إذ تتجلى في مستويين متكاملين: أولا تجميع خيوط في “ضفيرة” موحدة، وثانيا، دمج هذه الضفائر لتشكيل نسيج متجانس أو قطعة فنية فريدة. ومع ذلك يتجلى اختلاف جوهري في تصور سيرورات التناسج بين الرؤية المنطلقة من الجنوب العالمي، وتصورات من هم في الضفة الشمالية من جغرافيا المعرفة، كما يقول خالد أمين، إلا أن هذا التباين، هو ما يفتح آفاقا رحبة للتأمل والاستقصاء في التفاعلات المتعددة بين ثقافات الفرجة المتباينة.

ويسم الحوارات التي شهدها المركز الدولي بالتوتر، بالنظر إلى تنوع خلفيات الباحثين والخبراء، مما أبرز اختلافات جوهرية في الأنظمة المعرفية، من أبرزها صعوبة التوافق على فهم مشترك أو ترجمة موحدة كاملة للمفاهيم والممارسات.

وقد ساهمت هذه النقاشات على حدتها في بناء تصور متكامل للتناسج، برزت في سياقه مساهمة خالد أمين المبنية على أساس فكر الاختلاف ومقترحات عبد الكبير الخطيبي الموسومة بالنقد المزدوج، والتي تعد من أولى دعوات الخيار الديكولونيالي بحسب والتر مينيولو.

هذه المساهمة نابعة، حسب صاحبها خالد أمين، من أسئلة بحثية عميقة الجذور، لازمت مسيرته الأكاديمية على طيلة ثلاثين سنة، وهي نتاج تفكير أصيل بهوية بحثية مغربية متموضعة في فضاء بيني يستشرف آفاقا متعددة للمعرفة وليست مجرد استيراد لمقولات جاهزة. وعليه، فإنها تمثل إضافة نوعية في النقاش حول تناسج ثقافات الفرجة نابعة من موقعنا المعرفي المتميز، والقادر على تقديم رؤى نقدية معمقة تتجاوز حدود التطبيق السطحي للمفاهيم، وتؤسس لفهم أعمق لتشابكات الهويات الثقافية في عالم الفرجة.(6)

يتضح في ختام هذه الرحلة المراجعاتية أن مشروع “تناسج ثقافات الفرجة” ليس مجرد مشروع نظري عابر، بل رؤية فلسفية استشرافية عميقة مساعدة في إعادة قراءة التاريخ الفرجوي العربي في ضوء التفاعلات الثقافية المعقدة المشكلة لهويتنا. وأنه دعوة لتجاوز المفاهيم الثنائية التي قيدت فهمنا للعلاقات بين الثقافات، واستشراف آفاق جديدة لفهم التبادل الثقافي بوصفه سيرورة ديناميكية مستمرة”.(7)

و”ليس الهدف الديكولونيالي تثبيت موقع “التابع” في أعلى التراتبية من خلال قلبها رأسا على عقب، بل تفكيك هذه التراتبية ذاتها، والكشف عن إمكانات معرفية وجمالية أصيلة كامنة في ثقافاتنا المتنوعة من داخل وخارج البنية الكولونيالية/ الحداثية التي طمست أو شوهت بفعل شراسة المصفوفة الكولونيالية للسلطة”.(8)

3- مراجعات نقدية في عروض فرجوية عربية معاصرة

لا تقتصر هذه المراجعة على إعادة تأمل الجهاز المفاهيمي للمشروع الديكولونيالي لخالد أمين، ولا عند استعراض أبرز مساراته وسماته، ولكنها تقدم بعض التجارب المسرحية العربية والمغربية التي انخرطت بوعي فني ومعرفي، في أجرأة بعض هذه المفاهيم النظرية.

وتنطلق من تجربة الكتابة الدرامية عند المسرحي المغربي محمد قاوتي الذي يراهن على مفهوم “الاستنبات” بوصفه رؤية ديكولونيالية للاقتباس المسرحي، وشكلا من أشكال التناسج، وتجربة تطمح إلى تجاوز القصور الذي يسجل على المسرح العربي في تعامله مع النصوص الغربية، ليغدو الاقتباس فعل تملك وإزاحة للعمل الفني في الآن نفسه، قوامه وعي المقتبس بذاتيته ودوره الفاعل في إعادة إنتاج النص الأصلي في سياق جديد.

يقدم أيضا تجربة المخرج المغربي أمين ناسور، الذي يعتبر تجربته امتدادا لمدرسة الطيب الصديقي، وفاء لما قدمه للمسرح المغربي، واستيعابا لتجربته في أفق تجاوزها، بجعل المخرج ميسرا لحوار بين نصوص متعددة، وجعله يتحول من مجرد مفسر وحيد للنص، إلى منسق ومحفز لتناغم نصي متعددة آلياته بين الفضاء والألوان والإضاءة والأصوات، ونصوص المؤدين، والموسيقى الحية، في عروض مثل “الفيشطة” الذي راجع فن العيطة وأعاد تقديمه في قالب معاصر، وعرض “تكنزا قصة تودا“، الذي انفتح على التراث الأمازيغي، وعرض “الحراز” الذي أعاد فيه رفقة طلبة المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي الاشتغال على عرض من الذاكرة المسرحية المغربية، وصولا إلى “”عروض “نوسطالجيا” التي تفتح المسرح على ذاكرة المدن العتيقة محولة فضاءاتها إلى مسرح مفتوح.

كما يقدم تجارب مخرجين عرب من قبيل المخرج الأنكلو -كويتي سليمان البسام، الذي تتجاوز ثلاثيته الشكسبيرية مجرد إعادة قراءة للنصوص الكلاسيكية؛ لتغدو تفكيكا ديكولونياليا للخطاب المسرحي الغربي المهيمن، ففي “قمة هاملت”، مثلا، لا يكتفي البسام بمساءلة السياقات التي أعقبت الحادي عشر من سبتمبر وغزو العراق؛ بل يمتد ليشمل الأسس التي ارتكزت عليها هذه الأحداث، من خلال إعادة تفكيك بنية هاملت الشكسبيرية، وإعادة تركيبها، في بناء جديد يعكس الواقع العربي المعاصر، فيزيح بهذا التلاعب الجريء المركزية الغربية ويؤسس لدراماتورجيا متجذرة في التجربة العربية المعاصرة.

ويعرض أيضا تجربة “في انتظار عطيل” للمخرج المغربي عبد المجيد الهواس، بوصفها تجربة ديكولونيالية انطلقت دراماتورجيتها من مبدأي الارتجال والتجريب لإعادة الكتابة من موقع الحداثة، وظف فيها النص الشكسبيري بوصفه مجرد محفز لإبداع مواقف مسرحية، تسائل تمثلات شكسبير لعطيل متعدد الهويات بين المغربي، والأندلسي، والتركي. فكان البحث الدراماتورجي الذي رصد تاريخا بأكمله من إنتاج صورة عطيل الرمزية وتلقيها في المسرح والسينما والنقد، لينتج عرضا أو رهانا عبّر عن تصور لدراماتورجيا ديكولونيالية لا تقدس النص، بل تنزله إلى مكانه الطبيعي بين مكونات العمل المسرحي.

كما يقدم عرض “هم” لفرقة أنفاس مع “أسماء هوري” عن نص الشاعر المغربي عبد الله زريقة، الذي يعكس فلسفة اشتغال الفرقة بوعي ينسج خيطا رفيعا بين مرجعيات فرجوية متنوعة، تستمد أصولها من ينابيع مسرحية شرقية وغربية على حد سواء، ولا يقتصر انفتاحها الواعي على استيعاب التقاليد بل يتجاوزه إلى صياغة تعبيرية معاصرة، تنبض بصدق اللحظة الراهنة التي يعيشها الإنسان المغربي، مستشرفا آفاقا جديدة برؤية ديكولونيالية.

ثم يختم بأوبرا “زرقاء اليمامة” الضخمة، للمخرج السعودي صالح زمانان، بوصفها باكورة الأعمال الأوبرالية الكبرى في المملكة العربية السعودية، والعمل غير مسبوق الذي يتجلى فيه مفهوم التناسج في تعدديته الثرية، بداية باستلهام الأوبرا لأسطورة ضاربة بجذورها في أعماق الجزيرة العربية، وتحويل نص شعري للكاتب صالح زمانان إلى ليبرتو أوبرالي يجمع بين جمالية الشعر وقوة الموسيقى والغناء، وصولا إلى تلاقي فريق عمل إبداعي متعدد الجنسيات والثقافات.

ختاما

تعتبر هذه المراجعات النقدية ثمرة عمل متواصل لمجموعة من اللقاءات العلمية والأكاديمية، والمقالات النقدية والمواكبة العملية للإبداعات المسرحية عربيا ومغاربيا ومغربيا، كما يعد هذا العمل النقدي المؤسس على النقد البناء والجاد، مثالا للسع العملي الجاد والمستمر من أجل تطوير الحوار بهدف كتابة تاريخ جديد للفرجة العربية والجنوبية عموما، تاريخ يصلح أعطاب الماضي، ويخلص الممارسة المسرحية من التبعية للمركزية الغربية، في إطار تناسج ثقافي منتج وعادل.

 

هوامش الورقة التقديمة

(1): خالد أمين، السلطة والمعرفة في المسرح العربي مراجعات ديكولونيالية، المركز الدولي لدراسات الفرجة طنجة ومركز جزيل للبحوث الثقافية (الرياض) مطبعة الحمامة، تطوان، ط1، 2025، ص 27.

(2): نفسه، ص27.

(3): نفسه، ص 35.

(4): نفسه، ص 49.

(5): نفسه، ص 128

(6): نفسه، ص 169.

(7): نفسه، ص 222.

(8): نفسه، ص 226.

Alfurja

Alfurja

About Author

موقع مجلة الفرجة صادر عن: مركز الفنون العربية الفرجة.
الملف الصحافي: 37/ 2014ص.
الايداع القانوني: ردمد 9452/2421

اشترك في نشرتنا الإخبارية

    خلف الكواليس وفي قلب الحدث.. اشترك لتعرف كل جديد وتصلك كواليس المسرح وأخباره إلى بريدك

    جميع الحقوق محفوظة © 2026

    error: نعتذر، نسخ المحتوى غير مسموح به لحماية حقوق الملكية