مقالات

مسرحية “جاكراندا”: وراثة الخراب وصناعة العطب الجماعي

حامد محضاوي

 

في عدد من التجارب المسرحية المعاصرة، لم يعد الفساد يُقارب بوصفه انحرافا أخلاقيا قابلا للعزل داخل سلوك فردي أو للإحاطة به ضمن آليات المحاسبة القانونية أو التوصيف الاجتماعي المباشر، بل بات يُفهم باعتباره عرضا لبنية أعمق يختل فيها انتظام العالم ذاته، حيث تتداخل العلاقات والمؤسّسات والذاكرة في إنتاج منظومة لا تعمل خارج العطب، بل تُعيد إنتاجه بوصفه شرطا ضمنيا لاستمرارها. ضمن هذا التحوّل في زاوية النظر، تتراجع الشخصية الدرامية من موقع الفاعل المستقل إلى موقع العنصر المُدرج داخل سياقات سابقة عليها، كما تنتقل الوقائع المسرحية من مستوى “الحدث” بوصفه واقعة طارئة إلى مستوى “النظام” بوصفه بنية سابقة تُنتج إمكان وقوع الحدث وتحدّد شروطه.

وانطلاقا من هذا التحوّل المفهومي، تتأسّس مسرحية “جاكراندا” بوصفها صياغة قصوى لهذا التصوّر، إذ لا يقتصر اشتغالها على تمثيل الفساد أو تفكيكه، بل يدفع به إلى مستوى أكثر تركيبا، حيث يغدو الخراب ذاته بنية ممتدّة تتجاوز لحظته المسرحية وتستقر في الزمن بوصفه إرثا غير منقطع. لا يُقدّم العطب باعتباره نتيجة طارئة لأفعال معزولة، بل كآلية جماعية لإنتاج الواقع وإعادة تنظيم شروطه، بحيث يتحوّل الحاضر إلى امتداد لما تمّ توريثه، ويغدو المستقبل إعادة تدوير لما لم يُحسم في الأصل.

تقترح مسرحية “جاكراندا” مقاربة أنثروبولوجية جمالية تنظر إلى المجتمع بوصفه كيانا يورّث أعطابه بقدر ما يورّث ذاكرته، ويعيد إنتاج أزماته بقدر ما يسعى إلى تجاوزها، تبعا لهذا اخترت ولوج أتون هذه المسرحية من خلال جدلية ذاتية تساؤلية بعد مشاهدة أولى: “وراثة الخراب وصناعة العطب الجماعي”، بما تعنيه من انتقال الخلل من مستوى الفرد إلى مستوى البنية، ومن مستوى الحادث إلى مستوى النظام، ومن مستوى التجربة إلى مستوى الوجود ذاته.

منذ اللحظة الأولى لا يدخل المتفرّج إلى عالم يتشكّل أمامه، بل إلى عالم تشكّل سلفا. عالم أصابه العطب منذ زمن، ولم تعد شخصياته تفكّر في تغييره بقدر ما تحاول النجاة داخله. في هذا المستوى تحوّل مركز النداء “تانيت” إلى أكثر من فضاء للعمل. إنّه نموذج مصغّر لمجتمع كامل. مكان يفترض أنّ وظيفته الأساسية هي التواصل، لكنّه يتحوّل إلى أكثر الأمكنة إنتاجا للعزلة. تتجاور فيه الأجساد وتتقاطع الأصوات وتتعدّد الخطابات، لكن المعنى لا يصل إلى أحد. الجميع يتكلّم، والجميع مع ذلك معزول داخل قوقعته الخاصّة.

هنا نجح الكاتب عبد الحليم المسعودي في بناء واحدة من أكثر المفارقات قسوة: ففي قلب مؤسّسة قائمة على الاتصال تتكشّف مأساة انقطاع الاتصال. ليس فقط بين الأفراد، بل بين الإنسان وتاريخه، وبين الإنسان ومستقبله، وحتى بين الإنسان ونفسه. وكأنّنا أمام مجتمع لا يعيش داخل نظام تواصل، بل داخل نظام إنتاج مستمر للانفصال.

ولا يبدو اختيار اسم تانيت اعتباطيا. الالهة القرطاجية المرتبطة بالحماية والخصب والحياة تتحوّل في أتون العرض إلى اسم تجاري معلّق فوق مؤسّسة تستنزف البشر. وكأنّ المسرحية تشير إلى أنّ التاريخ نفسه أصبح مادّة للاستهلاك، وأنّ الرموز الحضارية لم تعد قادرة على حماية أصحابها، بل تحوّلت إلى واجهات تزيّن خراب الحاضر.

غير أنّ الدلالة الأكثر عمقا تبرز حين نكتشف، على لسان “ألفة”، أنّ مركز النداء نفسه شُيّد فوق “جبّانة” (مقبرة). لا يحضر هذا المعطى باعتباره معلومة سردية عابرة، بل بوصفه مفتاحا تأويليا لبنية العرض كلّها. المكان الذي يفترض أن ينتج التواصل والحياة الاقتصادية الجديدة يقوم حرفيا فوق مقبرة. هنا لا يصبح الماضي شيئا منقضيا، بل يصبح طبقة خفية تسكن الحاضر وتوجّه حركته. وكأنّ الشخصيات لا تعمل فوق أرض صلبة، بل فوق ذاكرة مدفونة لم تُسوّ حساباتها بعد.

إنّ المقبرة في العرض ليست فضاء للموت بقدر ما هي استعارة لماض غير منجز. الأموات لا يغادرون المشهد فعليا، بل يواصلون التأثير في مصائر الأحياء. ولذلك تتكرّر إشارات تجعل الحدود بين الطرفين مرتبكة؛ الليل مأهول بالأشباح، والذاكرة تستدعي الغائبين باستمرار، وبعض الشخصيات تتحدّث عن البشر كما لو كانوا “موتى لابسين حوايج”. وهذه العبارة لا تعمل كصورة شعرية فقط، بل كتشخيص وجودي لحياة فقدت كثافتها الداخلية، وظلّت محتفظة فقط بقشرتها الخارجية، أي حياة تتحرّك دون أن تكون حية فعلا.

ومن هنا تصبح المقبرة صورة مكثّفة للمجتمع الذي تصفه المسرحية: مجتمع يعتقد أنّه يبني مستقبله بينما يواصل تشييد مؤسّساته فوق طبقات متراكمة من الجروح غير المعالجة. كلّ محاولة للصعود تبقى مهدّدة بالعودة إلى الأسفل لأنّ الأساس نفسه لم يُحسم بعد. وهكذا يتحوّل مركز تانيت إلى بناء معلّق بين الحياة والموت، بين الحداثة المعلنة وأشباح الماضي التي لا تكف عن العودة.

لكن الخراب في المسرحية لا يُورّث فقط عبر المكان، بل يُورّث أيضا عبر العائلة.

في قلب العرض نجد شبكة من العلاقات تحكمها الخيانة أكثر مما تحكمها القرابة. الأب الغائب لا يختفي بوصفه شخصا فقط، بل بوصفه مركزا أخلاقيا كان يمنح العالم شيئا من التوازن. ومع غيابه يتقدّم العم والأم إلى الواجهة بوصفهما وجهين لمنطق واحد: منطق الاستحواذ على الإرث وتحويل الذاكرة إلى غنيمة.

هنا يستعيد النص بعض البنى التراجيدية الكبرى دون أن يعيد إنتاجها حرفيا. الصراع لا يدور حول استرجاع حق ضائع فقط، بل حول اكتشاف أنّ الخراب أصبح أعمق من أن يُصلح بمجرّد كشف الحقيقة. المشكلة ليست في الجريمة وحدها، بل في العالم الذي جعل الجريمة ممكنة ومربحة وقابلة للاستمرار. يحضر “هاملت” بوصفه ظلّا تأويليا لا نموذجا مباشرا. “هارون” لا يعيد إنتاج هاملت، بل يمرّ عبره كأثر. إنّه هاملت في عالم فقد شروط التراجيديا نفسها: لا يقين، لا عدالة قابلة للتحقّق، ولا فعل قادر على استعادة التوازن. لذلك يتحوّل السؤال من “أكون أو لا أكون” إلى سؤال أكثر قسوة: كيف يمكن أن نكون داخل نظام يمنع تحقّق الوجود أصلا؟

ويتجسّد هذا العطب أيضا في اللغة التي تتوزّع بين العامّية التونسية والعبارات الفرنسية والمفردات التجارية والإدارية. الشخصيات لا تتكلّم بلغة واحدة مستقرة، بل بلغة متشظّية تشبه واقعها. وحتى حين تتحدّث فإنّ الكلام يبدو عاجزا عن ترميم ما انهار. لذلك يتحوّل الحوار في كثير من الأحايين إلى شكل من أشكال الدوران داخل الجرح لا إلى وسيلة للخروج منه.

تزداد هذه الفكرة وضوحا عبر البناء السينوغرافي الذي اشتغل عليه نزار السعيدي بوصفه امتدادا فكريا للنص لا مجرّد إطار بصري له. الفضاء الركحي لا يمنح الشخصيات إمكانية الاستقرار. الحركة فيه تبدو دائما متردّدة أو مرتدّة أو معلّقة. الأجساد تمشي لكنّها لا تصل. تتقاطع لكنّها لا تلتقي. تتحرّك لكنّها تبدو سجينة هندسة خفيّة تمنعها من التقدّم. حتى حين يتسارع الإيقاع يبقى الإحساس العام هو الإحساس بالدوران داخل الحلقة نفسها.

ومن العلامات البصرية المكثّفة في العرض حضور المصعد، مع إشارات ضوئية تتراوح بين الأخضر والأحمر (EXIT). هذه العلامة لا تؤدي وظيفتها التقنية بوصفها مؤشّرا للخروج، بل تتحوّل إلى استعارة وجودية مزدوجة: الأخضر يوهم بالإمكان دون تحقّق، والأحمر يثبت المنع داخل شكل بصري جذّاب، وبينهما تُحبس الشخصيات في زمن التعليق، حيث يُرى الخروج ولا يُمارس. وهنا يتحوّل الفضاء إلى أفق يوهم بالخلاص.

ومن جهة أخرى، لا يعمل المصعد بوصفه وسيلة حركة، بل بوصفه فضاء مغلقا داخل فضاء مغلق؛ إنّه مكان يُفترض فيه الانتقال، لكنّه يعيد إنتاج السجن في كل مرّة. فكل صعود محتمل يتحوّل إلى توقّف، وكل نزول إلى إعادة تدوير للمكان نفسه، بحيث يغدو المصعد صورة دقيقة لوضع الشخصيات: حركة بلا انتقال، وزمن بلا تحوّل. وفي العمق، لا يقتصر هذا المنطق على البنية المادية للفضاء، بل يمتدّ إلى مستوى أكثر رمزية، حيث تتشكّل العلامات الدلالية نفسها داخل أفق الانغلاق والهشاشة، وهو ما يفتح المجال لقراءة العنوان باعتباره جزءا من هذه الشبكة الرمزية لا خارجا عنها.

لا يفوتني أن أشير، إلى أنّ دلالة العنوان جاكراندا لم تتّضح لديّ في البداية إلّا في بعدها العام والرمزي المجرّد، إذ ظلّت محصورة في أفق جمالي أو استعاري غير مرتبط مباشرة ببنية العرض. هذا الفهم ظلّ مؤجّلا ومفتوحا إلى حين التفاعل مع مجمل المعطيات الركحية والدلالية، حيث بدأ يتشكّل تدريجيا ارتباط أعمق بين العنوان ومنطق الاشتغال المسرحي، وهو ارتباط لا ينفصل عن البنية العامّة التي يقترحها العرض، بحسب هذا التلقي الشخصي، لم يضمّن العنوان بوصفه تسمية خارجية، بل بوصفه علامة تتقاطع مع منطق الفضاءات المغلقة وإعادة إنتاج التعليق التي كشفها اشتغال المصعد، أي أنّه ينخرط في نفس الاقتصاد الدلالي القائم على الانحباس المموّه بالإمكانية.

من هنا تكتسب شجرة الجاكراندا معناها العميق، لا بوصفها عنصرا جماليا بل بوصفها أنطولوجيا هشاشة. فهي كائن يزهر بكثافة لونية لافتة، لكن هذه الكثافة نفسها تحمل داخلها قابلية السقوط السريع. الجمال هنا ليس قيمة مستقرة، بل لحظة انكشاف لعطب داخلي أعمق.

وتزداد هذه الدلالة عمقا حين تتجاور الجاكراندا مع علامة أخرى داخل العرض هي الطاووس.

الطاووس يتحوّل إلى أثر حضاري منكسر: صوت لا صورة. تاريخيا ارتبط بالخلود والحراسة والهيبة، لكن العرض يحوّله إلى صرخة سمعية متوتّرة. إنّه ذاكرة جمالية فقدت قدرتها على الطمأنينة، وباتت تشتغل كإنذار دائم لانهيار المعنى. لا يُرى الطاووس بقدر ما يُسمع، وكأنّ الحضارة لم يتبقّ منها سوى صوتها المرتجف. ويتضاعف أثر هذه العلامة حين تتجاور مع علامة أخرى لا تقل قسوة: “اللسان المقطوع”.

اللسان ليس عضوا بل جهاز معنى، وحين يُقطع لا يُقتل الجسد بل تُعلن نهاية اللغة كسلطة إنتاج للعالم. لقد حاول الجميع الكلام طوال العرض، لكن الكلام لم يُحدث أثرا في البنية التي تواصل إعادة إنتاج نفسها. لذلك لا يبدو قطع اللسان صدمة بقدر ما يبدو نتيجة منطقية لمسار طويل من العجز.

هنا يلتقي اللسان المقطوع مع صوت الطاووس: انهيار اللغة من جهة، وبقاء الصرخة من جهة أخرى. لكن هذا المسار، الذي تدرّج من انهيار اللغة إلى تفكّك إمكاناتها التعبيرية، لا يكتمل بوصفه مجرّد إعلان عن عجز لغوي، بل انفتح على مستوى أعمق يتعلّق بتحوّل مركز إنتاج المعنى نفسه. فإذا كان قطع اللسان قد كشف حدود اللغة بوصفها سلطة قادرة على تشكيل العالم، وإذا كان صوت الطاووس قد مثّل بقاء الأثر الصوتي بعد انهيار الدلالة، فإنّ النتيجة النهائية لهذا التوتّر تمثّلت في انزياح مركز التعبير من اللغة إلى الجسد، أي إلى الحضور المادي للممثّل بوصفه حاملا مباشرا للمعنى.

ضمن هذا البناء، يبرز الأداء التمثيلي بوصفه مركزا حقيقيا من مراكز الإسناد الدلالي في العرض، بل يمكن اعتباره أحد أهم الحوامل التي تمّ عبرها تبنّي المشروع الجمالي والفكري وإعادة إنتاجه على مستوى الركح. لم يشتغل الممثلون داخل منطق التمثيل التقليدي القائم على التوضيح أو المحاكاة الخارجية، بل داخل حالة وجودية تجعل الجسد نفسه فضاء لإنتاج المعنى، لا مجرّد وسيط له.

ومن زاوية تلقي شخصية – وهو هنا تنويه ضروري لأنّ ما يُقال ينتمي إلى تجربة مشاهدة فردية لا إلى حكم تقريري نهائي – يمكن القول إنّ ما طبع هذا المستوى من الاشتغال هو الإحساس بانخراط الممثّلين في المنظومة التصورية التي اقترحها كل من الكاتب عبد الحليم المسعودي والمخرج نزار السعيدي، بحيث لا تبدو الشخصيات مجرّد كيانات مكتوبة تُنجز على الركح، بل امتدادات حيّة لفكرة مسرحية تُبنى جماعيا بين الكتابة والإخراج والأداء. بهذا المعنى، يغدو الجسد جزءا من تفكير العرض نفسه، لا مجرّد أداة لتنفيذه.

أحسست أنّ المخرج لم يقتصر على إدارة العناصر التمثيلية، بل تجاوز إلى خلق مناخ يسمح بتجسيد الرؤية ككلّ متكامل، حيث تُصاغ الفكرة عبر تفاعل الأجساد والصوت والفراغ الركحي باعتبارها شبكة واحدة من الإنتاج الدلالي. وهكذا انخرط الأداء في المشروع، بل أصبح أحد أشكال تبنّيه وتجسيده وإعادة تأكيده داخل الفضاء المسرحي.

وفي امتداد هذا التصوّر، رأيت أنّ ثنائية الكاتب والمخرج اتّخذت موقعا محوريا داخل بنية جاكراندا، ليس بوصفها علاقة تقسيم وظيفي بين من يكتب ومن ينجز الركح، بل بوصفها صيغة اندماج معرفي تُنتج العرض ذاته. أعتقد أنّ المسعودي والسعيدي لم يشتغلا ضمن منطق التتابع (نص ثم إخراج)، بل ضمن منطق التوازي والتداخل، حيث تتحوّل الكتابة إلى تفكير مفتوح على التحقّق الركحي، ويتحوّل الإخراج إلى قراءة إنتاجية تعيد صياغة النص داخل منطق الأداء والفضاء والحركة.

ومن ثمّ، فإن ما يمنح العرض قوّته الإقناعية، وفق هذا التلقي الشخصي، هو هذا الانسجام بين مستويات الاشتغال المختلفة، حيث تتقاطع الكتابة والإخراج والأداء في بناء واحد لا يقوم على التزيين أو الإضافة الشكلية، بل على تكثيف الفكرة وإعادة إنتاجها داخل حضور حيّ ومباشر يجعل من المسرح فعل تفكير متجسّد.

لا يمكن النظر إلى مسرحية جاكراندا بوصفها مجرّد بناء درامي يراكم عناصره نحو دلالة نهائية، بل باعتبارها تفكيكا مستمرّا لشروط تشكّل المعنى ذاته داخل الفضاء المسرحي. العرض في عمقه، لا يقدّم “نتيجة” بقدر ما يفتح بنية من الأسئلة التي تشتغل على مستويات متداخلة: في اللغة، وفي الجسد، وفي الفضاء، وفي العلاقات التي تربط بين هذه العناصر داخل نظام لا يبدو أنّه يسمح بالاكتمال أو الحسم.

ومن ثمّ، فإنّ القيمة التحليلية لهذا العمل لا تتأسّس على ما يمكن استخلاصه كخلاصة، بل على ما يكشفه من تحوّل في طبيعة التفكير المسرحي ذاته، حيث يغدو العرض مجالا لإعادة توزيع العلاقة بين الفعل والدلالة، وبين الحضور والمعنى، وبين ما يُقال وما يُعاش. وفي هذا الإطار، تتأكّد فكرة أنّ “وراثة الخراب وصناعة العطب الجماعي” ليست مجرّد أطروحة تفسيرية خارجية، بل هي آلية داخلية تشتغل بها البنية نفسها، وتنعكس في كل مستوى من مستويات اشتغالها.

إن ما تتيحه جاكراندا في هذا السياق هو إعادة التفكير في موقع المتفرّج لا بوصفه متلقّيا لمعنى مكتمل، بل بوصفه طرفا داخل تجربة إدراك غير مستقرة، تُنتج وعيها تدريجيا عبر التوتّر بين العلامات أكثر مما تستند إلى خطاب مكتمل. لذلك، فإنّ العرض يظل مفتوحا على إمكانات قراءة متعدّدة، لا لأنّها غامضة، بل لأنّها تشتغل على تفكيك فكرة المعنى المستقر أصلا.

ومن هذا المنظور، يمكن القول إنّ الاشتغال الذي يقترحه العمل لا ينفصل عن إعادة مساءلة أدوات القراءة نفسها، بقدر ما يدفع نحو تجاوز منطق الاستخلاص النهائي إلى منطق الفهم المتدرّج، حيث تصبح الكتابة النقدية امتدادا لحركة العرض لا إغلاقا لها. بهذا المعنى، لا تنتهي جاكراندا عند حدود الخاتمة، بل تواصل اشتغالها كأثر تفكير مفتوح، يظل معلّقا بين ما تمّ كشفه وما لا يزال يقاوم الاكتمال.

Alfurja

Alfurja

About Author

موقع مجلة الفرجة صادر عن: مركز الفنون العربية الفرجة.
الملف الصحافي: 37/ 2014ص.
الايداع القانوني: ردمد 9452/2421

اشترك في نشرتنا الإخبارية

    خلف الكواليس وفي قلب الحدث.. اشترك لتعرف كل جديد وتصلك كواليس المسرح وأخباره إلى بريدك

    جميع الحقوق محفوظة © 2026

    error: نعتذر، نسخ المحتوى غير مسموح به لحماية حقوق الملكية