في مسرحية «أدبْ سِزْ» لعلي العبادي
زهرة تشرين
ثمة نصوص مسرحية تدخل إليها من باب الحكاية، وأخرى تستوقفك عند اللغة، وثمة نصوص لا تبدأ في الحقيقة من أول مشهد، وإنما تبدأ قبل ذلك بكثير، من العتبة، من عنوان يضع في يد المتلقي مفتاحا، ثم يتركه يتساءل: أهو مفتاح للباب أم قناع يخفي بابا آخر؟
ومن هذه المنطقة تحديدا تستقبلنا مسرحية «أدبْ سِزْ» لعلي العبادي، نص يقوم على شخصيتين نسائيتين، ومساحة مسرحية محدودة، وحوار يبدو في ظاهره بسيطا، لكنه سرعان ما يتحول إلى شبكة من الأسئلة والالتباسات والاستدراجات والانكشافات. وقد نال النص المركز الأول في جائزة علاء الجابر للإبداع المسرحي للتأليف المسرحي الموجه للكبار سنة 2022، وهو ما يضعه منذ البداية في سياق تجربة مسرحية واعية بأدواتها.
غير أن ما يهمنا هنا ليس الاحتفاء بالنص أو إعادة سرد أحداثه، وإنما محاولة الدخول إلى بنيته الخفية، والبحث عن الآلية التي تجعل ما يظهر ليس هو بالضرورة ما ينبغي أن يُصدّق، وتجعل ما ينكشف ليس بالضرورة نهاية البحث عن الحقيقة.
ومن هنا نقترح قراءة النص من خلال مفهوم: القناع المزدوج: جدلية الظهور والانكشاف، فالقناع في هذه المسرحية لا يبدو مجرد وسيلة تخفي بها الشخصيات شيئا عن بعضها، وإنما يتحول إلى بنية جمالية ودلالية تتحرك في العنوان، والشخصيات، واللغة، والذاكرة، والمكان، والعلاقة بالمتلقي، وحتى في النهاية التي لا تمنح الحقيقة استقرارها الأخير،إننا لا نريد أن نسأل فقط: ماذا تخفي الشخصيات؟بل نسأل سؤالا أعمق: كيف تصنع الشخصيات ظهورها، وكيف ينقلب هذا الظهور نفسه إلى الطريق الذي يقود إلى انكشافها؟
لا يبدو عنوان «أدبْ سِزْ» عنوانا بريئا أو محايدا, إنه تركيب يقوم منذ لحظته الأولى على مفارقة بين «الأدب» وما ينفيه أو يسلبه. ولذلك فهو لا يقدم لنا معنى مستقرا بقدر ما يضعنا أمام منطقة من التوتر: حضور القيمة في اللحظة التي يُعلن فيها عن غيابها, وهنا تبدأ لعبة القناع.
إنّ العنوان يبدو كأنه حكم، لكن النص يحوله تدريجيا إلى سؤال: من هو «أدبْ سِزْ»؟ ومن يملك حق إطلاق هذه الصفة؟ وهل انعدام الأدب صفة تخص فردا بعينه، أم أن المشكلة قد تكون في الخطاب الذي يتحدث باسم الأدب والفضيلة؟
وهذه النقلة من الحكم إلى السؤال هي التي تجعل العنوان أكثر عمقا من مجرد توصيف أخلاقي.
فاللافت أن المسرحية لا تستقبلنا بعالم معلن عن انعدام الفضيلة، بل تدخل بنا إلى عالم تتكاثر فيه مفردات الطهارة والفضيلة والأخلاق. فالمرأة الأولى تقدم مشروعا لمعهد يزعم مكافحة الدعارة، وتتحدث عن تدريب المتدربات على «أصول الطهارة»، بل تقدم نفسها وشريكتها بوصفهما من ستتوليان هذه المهمة, وهنا تتولد المفارقة: العنوان يقول «بلا أدب»، والخطاب الظاهر يتحدث باسم الأدب والطهارة, ومن ثم يصبح العنوان نفسه أول قناع في المسرحية, إذ يضع المتلقي أمام معنى أولي، ثم يدفعه إلى البحث عما وراءه. إنه لا يقول لنا الحقيقة، وإنما يؤسس لعبة الحقيقة, ولذلك يمكن النظر إلى «أدبْ سِزْ» كعنوان لا يصف الشخصيات بقدر ما يختبر اللغة التي تُنتج الأحكام الأخلاقية. فحين يصبح «الأدب» شعارا، يصبح السؤال مشروعا حول ما إذا كان الشعار يطابق الممارسة، أم أنه قد يتحول إلى ستار لها, ومن هنا تبدأ رحلتنا مع القناع: قناع لغوي أول، ستتوالد منه أقنعة أخرى.
تدخل المرأة الأولى إلى المسرحية وهي تمتلك عناصر القوة الظاهرة: البيت، والدعوة، والمشروع، وحق المبادرة. إنها صاحبة المكان، وهي التي تستدعي المرأة الثانية، وهي التي تقدم فكرة المعهد، وتحاول أن تمنح الحوار اتجاهه.
لكنها لا تكتفي بامتلاك المكان, إنها تسعى إلى امتلاك الصورة التي ينبغي للآخر أن يراها بها, وهنا تصبح الشخصية مشروعا لصناعة ذاتها, إنها تظهر في صورة امرأة صاحبة رسالة، تريد أن تواجه ما تعتبره فسادا اجتماعيا، وتستعين في ذلك بخطاب أخلاقي واضح. ولكن المسرحية لا تسمح لهذه الصورة بأن تستقر, فالمرأة الثانية تبدأ بالسؤال، والاستفهام، والتشكيك، حتى يتبين أن الخطاب الذي يبدو في البداية متماسكا يحمل في داخله شقاوة كثيرة, وهكذا فإن الظهور الأول للمرأة الأولى لا يمثل كشفا عن ذاتها، وإنما يمثل بناء لصورتها, وهذه نقطة جوهرية في فهم القناع:القناع ليس فقط ما نخفيه, إنه أيضا الصورة التي نصنعها كي نُرى بها. فالإنسان قد لا يخفي وجهه فحسب، بل قد يصنع وجها آخر ويقدمه كوجهه الحقيقي, ومن هنا تصبح المرأة الأولى شخصية لا نقرأها من خلال ما تقوله فقط، وإنما من خلال المسافة بين الصورة التي تصنعها عن نفسها، وما يبدأ النص في كشفه عنها.
وإذا كانت المرأة الأولى تملك في البداية سلطة الظهور، فإن المرأة الثانية تدخل في البداية من موقع يبدو أقل قوة, إنها المدعوة، ثم المتلقية، ثم من يفترض أن تتعلم من صاحبة المشروع, لكن هذا الموقع سرعان ما يبدأ في التحول, فالمرأة الثانية تسأل, وقد يبدو السؤال فعلا بسيطا، لكنه في هذا النص يتحول إلى أداة لتفكيك السلطة. فالمرأة الأولى نفسها تعلن نفورها منه، وتقول بوضوح: «أكره الاستفهام».
وهذه العبارة لا تبدو عابرة في سياق قراءتنا, لأن الاستفهام هو الأداة التي يبدأ بها القناع في التشقق, فالسؤال لا يطلب معلومة فقط, إنه يطالب المتكلم بأن يبرر ما يقول، وأن يربط الظاهر بالمضمر, ولذلك يمكن القول إن المرأة الثانية لا تنتزع القناع عن المرأة الأولى بالقوة، وإنما تتركه يتكلم حتى يكشف عن هشاشته.
إنها لا تبدأ بالمواجهة، بل بالسؤال, ولا تبدأ بالاتهام، بل بالاستدراج, ولا تقدم الحقيقة كلها دفعة واحدة، وإنما تجعل الحوار نفسه يسير نحوها, وهنا يتحول الحوار إلى نوع من المبارزة الناعمة: امرأة تريد أن تحافظ على صورة صنعتها، وأخرى تريد أن تعرف ما وراء الصورة.
لكن المفارقة أن المرأة الثانية نفسها ليست مكشوفة تماما, وهذا هو جوهر «المزدوج», فالكاشف يرتدي قناعا هو الآخر, إنها تخفي مقدار معرفتها، وتترك المرأة الأولى تسترسل، ثم تكشف تدريجيا أنها تعرف ما هو أعمق من ظاهر المشروع والحوار. وفي لحظة المواجهة تصل إلى الحقيقة الأكثر إيلاما حين تخبرها بأنها مصابة بالزهايمر, وهكذا لا يصبح البناء:امرأة تخفي / امرأة تكشف, بل:قناع / قناع, ثم كشف / كشف, وهنا يتخذ «القناع المزدوج» معناه الحقيقي.
في «أدبْ سِزْ» لا تعمل اللغة كأداة محايدة لنقل المعلومات، وإنما تتحول إلى فضاء للصراع بين الظهور والانكشاف, فالشخصية تتكلم لكي تحمي صورتها، لكنها كلما تكلمت أكثر تركت في كلامها علامات تسمح للآخر بقراءة ما وراءه, وهذا ما يجعل الحوار المسرحي أقرب إلى مسرح للاعتراف غير المقصود, فالمرأة الأولى تحاول التحكم في مجرى الكلام، وتقدم تفسيرا لمشروعها، وترد على الأسئلة، وتدافع عن نفسها. لكن اللغة، بدل أن تحميها تماما، تبدأ في فضح ارتباكها, ومن هنا يمكن القول: “الكلام في المسرحية قناع، لكنه قناع شفاف, يستر شيئا، لكنه يسمح بظهور ظله”.
وتتكرر في النص مفردات من قبيل الطهارة، والفضيلة، والأدب، والخجل، وهي مفردات ذات حمولة أخلاقية عالية. غير أن قيمتها لا تستقر في معناها القاموسي، بل تتحول داخل الحوار إلى عناصر في لعبة المفارقة, فاللغة الأخلاقية نفسها تصبح موضوعا للاختبار, ومن هنا لا تعود المسألة: هل هناك أدب أم لا؟ بل:ماذا يحدث حين تتحول اللغة الأخلاقية إلى قناع؟ إن علي العبادي يضع الخطاب الأخلاقي أمام امتحان الممارسة, فكلما ارتفع الخطاب، أصبح السقوط أكثر دلالة.
وهنا يصبح عنوان المسرحية حاضرا في عمقها، لا في سطحها فقط.
إذا كان القناع في بدايات النص قناعا لغويا وأخلاقيا، فإنه يتخذ لاحقا صورة أكثر عمقا: قناع النسيان, وهنا ننتقل من السؤال عن صورة الشخصية أمام الآخر إلى سؤال آخر:كيف تحافظ الذات على صورتها أمام نفسها حين تفقد ذاكرتها؟
فالمرأة الأولى تحاول أن تستند إلى ذاكرتها لإثبات يقينها، لكنها تواجه من الآخر بما يزعزع هذا اليقين. تقول المرأة الثانية إنها تعرف تماما ما تعانيه، ثم تصرح لها بأنها مصابة بالزهايمر. فتدخل الشخصية في لحظة صدمة وانكسار, وهنا تتولد مفارقة شديدة العمق: الذاكرة التي يفترض أن تحفظ الهوية تصبح مصدرا لتهديدها.
فالإنسان لا يتذكر ماضيه فقط إنه يبني ذاته من خلال ما يتذكره. وحين تتشقق الذاكرة، تتشقق معها الصورة التي يملكها الإنسان عن نفسه.لذلك لا نقرأ الزهايمر هنا كموضوع طبيّ فقط، وإنما كآلية درامية تدخل في بنية القناع.
فالنسيان يستر الماضي، لكنه في الوقت نفسه يكشف هشاشة الحاضر.
إن المرأة الأولى تستطيع أن تنسى ما يهدد صورتها، لكن هذا النسيان نفسه يجعل صورتها غير مستقرة, وهكذا يصبح النسيان قناعا مزدوجا: يحجب الحقيقة، لكنه يفضح عجز الذات عن امتلاكها.
تبدو السلطة في بداية المسرحية وكأنها في يد المرأة الأولى: صاحبة المكان، وصاحبة المشروع، وصاحبة الدعوة, لكن السلطة الحقيقية ليست دائما لمن يتكلم أكثر.
فالمرأة الثانية تملك شيئا أخطر: المعرفة, ومن هنا ينشأ صراع صامت بين نوعين من السلطة: سلطة المكان والخطاب في مقابل سلطة المعرفة والكشف, المرأة الأولى تستطيع أن تقول ما تريد أن يظهر، لكن المرأة الثانية تستطيع أن تسأل عما لا تريد له أن يظهر, وهكذا ينتقل مركز الثقل تدريجيا من: من يملك الكلام؟ إلى:من يملك تفسير الكلام؟ ثم إلى: من يملك حق تسمية الحقيقة؟
وهذا ما يجعل العلاقة بين المرأتين أكثر تعقيدا من مجرد علاقة كاشف بمكشوف.
فالمرأة الثانية نفسها تخفي معرفتها، وتؤجل لحظة المواجهة، وبالتالي فإنها تمارس سلطة من نوع آخر: سلطة المعرفة المؤجلة, ومن هنا يصبح القناع أداة للسلطة.
فمن يملك أن يحدد ما يظهر وما يختفي، يمتلك سلطة على الآخر.
لكن هذه السلطة لا تستقر, إذ ينقلب موقع المرأة الأولى من صاحبة المشروع إلى موضوع للمساءلة، بينما تنتقل المرأة الثانية من موقع المتلقية إلى موقع الكاشفة.
وهكذا تصبح المسرحية لعبة تبدل مواقع لا لعبة انتصار نهائي لطرف على آخر.
قد يبدو المكان في المسرحية بسيطا ومحدودا، لكن هذه المحدودية نفسها تمنحه قوة دلالية, فالطاولة ليست مجرد قطعة ديكور, إنها مركز اللقاء، ومركز المواجهة، وذاكرة المشهد, والأهم أن المسرحية تعيد الشخصيتين في النهاية إلى الطاولة في وضعية تقارب وضعية البداية, وهنا يصبح المكان أشبه بذاكرة خارجية. فالمرأة الأولى تنسى، لكن المكان لا ينسى, والشخصية قد تعجز عن استعادة ما حدث، لكن المتلقي يرى المكان وقد عاد إلى الموضع ذاته، فيدرك أن العودة ليست عودة بريئة إلى البداية, لقد تغير معنى المكان لأن معرفة المتلقي تغيرت, وهنا يصبح التكرار أحد أجمل عناصر البناء المسرحي: المشهد يتكرر، لكن الدلالة لا تتكرر.
فالطاولة في البداية طاولة لقاء, وفي النهاية تصبح طاولة ذاكرة, وبين الحالتين تتغير نظرة المتلقي إلى كل ما سبق.
ومن ثم فإن المكان نفسه يدخل في لعبة الظهور والانكشاف, إنه لا يتكلم، لكنه يحفظ آثار الكلام.
لم يترك علي العبادي المتلقي خارج هذه اللعبة, منذ البداية يُعطى المتلقي قدرا محدودا من المعرفة، ويُترك ليتعامل مع المرأة الأولى وفق الصورة التي تقدمها عن نفسها. ثم يبدأ النص بإعادة ترتيب هذه الصورة من خلال الأسئلة والتناقضات والذاكرة والمواجهة, وهكذا لا يحدث الانكشاف للشخصيات وحدها, بل يحدث أيضا لوعي المتلقي, إنه يكتشف أنه كان يرى من زاوية محددة.
ويكتشف أن ما صدقه في البداية لم يكن بالضرورة كذبا كاملا، لكنه لم يكن الحقيقة الكاملة أيضا, وهنا تتحول عملية التلقي إلى رحلة: تصديق _ارتياب _ إعادة قراءة _ انكشاف. وهذه من أكثر الآليات جمالا في النص, لأن علي العبادي لا يقدم الحقيقة جاهزة، وإنما يجعل المتلقي يشارك في إنتاجه.
فحين يعود المشهد في النهاية إلى الطاولة، لا يعود المتلقي هو المتلقي نفسه الذي شاهد البداية. لقد تغيرت ذاكرته عن المشهد، كما تغيرت ذاكرة الشخصية.
وهكذا يصبح المتلقي، على نحو ما، جزءا من لعبة النسيان والتذكر, إنه يتذكر ما حدث بينما تنسى الشخصية, ومن هنا يمكن القول: المسرحية تجعل المتلقي يكتشف أنه كان يرتدي قناع المعرفة الناقصة.
ربما هنا تبلغ المسرحية ذروة تعقيدها ,فالنهاية لا تقدم لنا حقيقة نهائية مغلقة، ولا تقول إن القناع سقط وانتهى الأمر, بل تعود المرأة الأولى إلى الطاولة، ويعود الحوار إلى إيقاع قريب من بدايته، وتحاول استعادة سبب دعوتها للمرأة الثانية، ثم يعود الحديث إلى المشروع، وتُختتم المسرحية بعد تناول الدواء والحركة التي تفضي إلى الظلام. وهنا لا يكون الختام نهاية للحقيقة، وإنما عودة إلى منطقة السؤال, إن المسرحية لا تتحرك وفق الخط المستقيم:قناع ← سقوط القناع ← حقيقة, بل وفق دائرة: ظهور ← قناع ← تشقق ← انكشاف ← نسيان ← ظهور جديد. وهذا يجعل النهاية مفتوحة على التأويل, فإذا كانت الحقيقة قد ظهرت، فإن النسيان يعيد تغطيتها, وإذا سقط القناع، فإن إمكانية إنتاج قناع جديد تظل قائمة. ومن هنا تتأكد كلمة «المزدوج» في عنوان دراستنا: فالقناع لا يقابل الحقيقة كونها نقيضا له، بل يدخل معها في علاقة متحركة, كل انكشاف يفتح احتمال ظهور آخر.
بعد تتبع هذه المستويات، يبدو لنا أن القناع في المسرحية ليس مجرد استعارة نقدية نضعها نحن على النص، وإنما هو بنية يمكن تتبعها في مختلف طبقاته ,فالعنوان قناع, والشخصية قناع, واللغة قناع, والذاكرة قناع, والمكان ذاكرة للقناع, والسلطة تعيد توزيع الأقنعة, أما المتلقي يدخل اللعبة بقناع معرفي فتعيد النهاية إنتاج القناع بعد انكشافه, وهكذا لا تكتب المسرحية عن القناع فحسب، وإنما تبني عالمها بالقناع, والأكثر إثارة أن القناع لا يبقى في الجهة المقابلة للحقيقة, إنه يصبح أحد أشكال ظهورها, فالشخصية لا تكشف ذاتها إلا من خلال ما تحاول إخفاءه، واللغة لا تفضح إلا لأنها حاولت أن تستر، والنسيان لا يصبح دالا إلا لأنه يحجب ذاكرة ما، والسؤال لا يصبح كاشفا إلا لأنه يواجه خطابا يحاول الحفاظ على صورته. وبذلك يمكن أن نصل إلى صيغة مركزية: في «أدبْ سِزْ»، لا يكون القناع غيابا للوجه، بل طريقة أخرى لظهوره.
ومن هنا تصبح جدلية الظهور والانكشاف جدلية لا تنتهي, لأن كل ظهور يحمل في داخله بذرة انكشافه، وكل انكشاف لا يلغي الظهور، بل يعيد تشكيله.
في نهاية هذه الرحلة التأويلية، يبدو «أدبْ سِزْ» نصا لا يسقط أقنعته دفعة واحدة، بل يتركها تتساقط في طبقات، كلما ظننا أننا بلغنا الوجه الأخير للحقيقة، أطلّ من خلفه وجه آخر أكثر مراوغة وقلقا.
لقد كشف لنا النص أن القناع ليس ستارا يخفي الحقيقة، بل هو إحدى الطرق التي تتجلى بها, فالمرأة الأولى تصوغ صورتها أمام الآخر، والمرأة الثانية تخفي معرفتها قبل أن تكشفها، واللغة تارة تستر وتارة تفضح، والذاكرة تحفظ ثم تخون، والمكان يصمت لكنه يحتفظ بما تنساه الشخصية. وحتى المتلقي لا يبقى خارج هذه اللعبة، إذ يجد نفسه يعيد النظر في ما صدّقه كلما انفتح أمامه شق جديد في جدار الظاهر.
ومن هنا لا يأتي الانكشاف كخاتمة للقناع، وإنما كلحظة أخرى من لحظات تشكّله. فكلما انكشف وجه، وُلد سؤال عن الوجه الذي يليه، وكلما ظننا أن الحقيقة استقرت، أعاد النسيان والحركة الدائرية للمشهد زعزعة يقيننا.
لذلك تنتهي المسرحية، لكن لا ينتهي السؤال؛ يبقى القناع معلقا بين وجهين، وتبقى الحقيقة في المسافة الفاصلة بينهما، لا كاملة ولا غائبة، وإنما مترددة في عتمة المسرح كهمسة لا تريد أن تقول كل شيء.
وهنا تكمن شعرية النص وقلقه معا: إن الإنسان لا يظهر دائما كما هو، بل كما يريد أن يُرى, وقد يكون أخطر أقنعته ذلك القناع الذي يرتديه طويلا حتى ينسى أنه قناع, وهكذا يغدو «القناع المزدوج» أكثر من عنوان لقراءتنا, إنه خلاصة البنية العميقة للمسرحية:
ظهورٌ يقود إلى انكشاف، وانكشاف يعيد إنتاج الظهور، وحقيقة لا تأتي إلا وهي تحمل في ملامحها شيئً من القناع.


