حوارات سيرة و فنان

حسام الدين مسعد..رجلٌ بين القانون والخشبة — حياةٌ في فصلين

  • في السادسة من عمره، أخذه أبوه إلى المسرح.
  • لم يكن يعرف أنه لن يخرج منه أبداً.

 

إعداد وحوار: مهدي منصور

 

الستارة انفتحت، والضوء سقط على الخشبة، وشيءٌ ما في داخله انفتح معها لم يُغلق حتى اليوم. ذلك الطفل الذي جلس بجوار أبيه العامل في شركة الغزل والنسيج بالمحلة الكبرى، يرقب العالم الموازي خلف الستارة بعينين مفتوحتين على الدهشة، هو نفسه الرجل الذي يقف اليوم أمام محاكم النقض بالنهار، ويكتب نصوصاً تفوز بجوائز دولية بالليل.

وُلد حسام الدين مسعد سيد أحمد في الحادي والعشرين من مارس عام خمسة وسبعين وتسعمئة وألف في أول أيام الربيع، كأن الطبيعة أرادت أن تُعلن شيئاً. نشأ في المحلة الكبرى، درس الحقوق في طنطا، وتخرّج عام ثمانية وتسعين ليختار بكامل وعيه — أن يعيش حياتين في آنٍ واحد لا حياةً واحدة آمنة.

خمسة وعشرون عاماً في المحاماة. خمسة وعشرون عاماً في المسرح. وبينهما: شرم الشيخ، بحرها اللامتناهي، وفنادقها التي لا تنام، وسماؤها التي تبدو أوسع من أي عاصمة.

مستشارٌ قانوني لمستشفيات ومؤسسات دولية، ومقيّدٌ أمام محكمة النقض والدستورية. وفي الوقت ذاته: رئيس تحرير الجريدة اليومية لمهرجان المونودراما في قرطاج، وعضو لجان تحكيم في كركوك والقاهرة وبغداد، وصاحب كتبٍ عن مسرح الشارع باتت مراجع تُدرَّس. نصّه طاعة الحرب يفوز بالمركز الأول في القاهرة. وفيلمه حارس المسرح سيناريو وتمثيلاً ينال الثانية في مهرجان السينما الآسيوية.

هذا رجلٌ يعرف أن كل جلسةٍ في المحكمة هي عرضٌ مسرحي، وأن كل خشبةٍ هي محكمةٌ كبرى لا مهرب منها

ربع قرنٍ في المحاماة، وربع قرنٍ في المسرح، وكلاهما يطلب منك روحاً كاملة لا نصفاً. في أيّ لحظةٍ بالذات شعرتَ أن الاثنين يسكنان جسداً واحداً دون أن يتقاتلا؟ وهل حدث يوماً أن أنقذَ فيك المحامي الكاتبَ، أو أنقذ الكاتبُ المحامي؟

لم أشعر يوماً أن المحاماة والمسرح خصمان. رأيتهما منذ وقت مبكر وجهين لفكرة واحدة: الدفاع عن الإنسان. المحامي يدافع عن حقه أمام القانون، والمسرحي يدافع عن روحه وأسئلته وحقه في التفكير والحلم.

اللحظة التي أدركت فيها أنهما يسكنان جسداً واحداً كانت أثناء مرافعةٍ في إحدى القضايا، حين اكتشفت أن بناء المرافعة لا يختلف كثيراً عن بناء العرض المسرحي — هناك إيقاع، وتصعيد، وصورة ذهنية، ومحاولةٌ للوصول إلى وجدان المتلقي قبل عقله.

نعم، أنقذ المحامي الكاتبَ أكثر من مرة، لأن المحاماة جعلتني أرى البشر من الداخل؛ خوفهم، تناقضاتهم، وانكساراتهم. وهذا منحني مادةً إنسانية حقيقية للكتابة. وفي المقابل أنقذ الكاتبُ المحامي أيضاً، لأن المسرح علّمني الإصغاء والتعاطف، وعدم النظر إلى البشر كملفات وأرقام جامدة، بل كحكاياتٍ حيّة تستحق الفهم.

مسرح الشارع تحديداً — لا المسرح خلف الجدران. لماذا هذا الاختيار بالذات؟ ما الذي يملكه الشارع ولا تملكه القاعة المغلقة؟ وحين تقف في فضاءٍ مفتوح أمام جمهورٍ لم يأتِ أصلاً ليراك، ماذا يحدث في داخلك قبل أن تبدأ؟

بدايتي كانت داخل القاعة التقليدية — طفلٌ في السادسة منبهرٌ بسحر الخشبة والستارة والإضاءة. ثم اختارني مدرس التربية الفنية لأقدّم اسكتشاً كوميدياً صامتاً؛ حلّاقٌ يستخدم منشاراً وفرشاة طلاء. وربما كانت تلك اللحظة أول احتكاكٍ حقيقي لي بفكرة التواصل المباشر مع الجمهور.

لكن مع الوقت اكتشفت أن القاعة المغلقة تضع حدوداً غير مرئية بين الفنان والمتلقي. الشارع يهدم هذه الحدود تماماً. في مسرح الشارع لا يوجد جمهورٌ جاء مستعداً للتصفيق — أنت تواجه إنساناً عابراً، مشغولاً بحياته وهمومه، وعليك أن تنتزع انتباهه وتجعله شريكاً لا متفرجاً.

الشارع يملك الحقيقة الخام. يملك المفاجأة والتلقائية والخطر أيضاً. هناك تصبح المدينة نفسها جزءاً من العرض، ويصبح المارّة ممثلين محتملين في أي لحظة. وقبل كل عرض شارعٍ أشعر دائماً بمزيجٍ من القلق والمتعة، لأنك لا تعرف كيف سيتشكّل العرض فعلياً إلا حين يلتقي بالجمهور الحيّ في المكان الحقيقي.

نصّك “طاعة الحرب” الذي فاز بالمركز الأول في القاهرة — عنوانٌ يحمل تناقضاً حاداً. الطاعةُ فضيلةٌ، والحربُ انهيار. ماذا أردتَ أن تقول لمن لا يفهم المسرح ولا يقرأ النقد؟ ولو أردتَ أن تشرح هذا النص لموكّلك في المحكمة، كيف ستفعل؟

أردت من «طاعة الحرب» أن أطرح سؤالاً بسيطاً وخطيراً في الوقت نفسه: ماذا يحدث حين تتحوّل الطاعة إلى إلغاءٍ للعقل والضمير؟

الحروب لا تبدأ دائماً بالكراهية. أحياناً تبدأ بالطاعة العمياء، حين يتوقف الإنسان عن السؤال ويكتفي بتنفيذ الأوامر.

ولو شرحت النص لموكّلٍ داخل المحكمة فسأقول له ببساطة: تخيّل أن شخصاً ارتكب جريمةً لأنه اعتاد أن يطيع دون أن يفكر — هل يصبح بريئاً فقط لأنه نفّذ الأوامر؟ المسرحية تُحاكم هذه المنطقة الرمادية بين الواجب الإنساني والطاعة التي قد تقود إلى الكارثة.

أنت تتحدث عن “إعادة تأصيل الأدوات النقدية” وبناء نظرية نقدية عربية للمسرح المعاصر. لكن لنكن صريحين: هل تعتقد حقاً أن العالم العربي مستعدٌّ لأن يُنتج نظريته النقدية الخاصة، أم أننا ما زلنا نترجم الغرب بأسماء عربية؟

لا أؤمن بفكرة القطيعة مع الغرب، لأن المعرفة الإنسانية تراكمية. لكنني أرفض في الوقت نفسه أن نبقى مجرد مستهلكين للنظريات. مشكلتنا ليست في الاستفادة من الغرب، بل في استنساخه دون وعيٍ باختلاف السياقات الاجتماعية والثقافية.

المسرح العربي يمتلك خصوصيته لدينا الحكواتي، والسامر، والمحبظاتية، وطقوس الفرجة الشعبية. وهذه ليست مجرد أشكال تراثية، بل أنظمةٌ جمالية يمكن أن تُنتج رؤيتها النقدية الخاصة إذا تعاملنا معها بوعيٍ معاصر لا بعقلية المتحف.

أعتقد أن إنتاج نظرية نقدية عربية ممكن. لكنه يحتاج إلى شجاعةٍ معرفية، وإلى نقاد لا يكتفون بالترجمة بل يشتبكون مع واقعهم وأسئلتهم وتحولات مجتمعاتهم.

شرم الشيخ مدينةُ السياحة والبحر والفنادق. ليست القاهرة، وليست الإسكندرية. كيف تصنع ثقافةً في مدينةٍ يأتي إليها الناس لينسوا كل شيء؟ وهل شعرتَ يوماً أن المكان يُقيّدك، أم أنه منحك حريةً لا تجدها في العواصم الثقيلة؟

ربما تبدو شرم الشيخ بعيدةً عن الصخب الثقافي التقليدي، لكنها منحتني شيئاً مهماً جداً: المسافة.

في العواصم أحياناً يستهلكك الضجيج. أما هنا فهناك مساحةٌ للتأمل وإعادة التفكير. المدينة متعددة الثقافات بطبيعتها، وهذا جعلني أرى الفن بوصفه لغةً عابرة للحدود.

صحيحٌ أن العمل الثقافي في المدن السياحية يواجه تحدياته الخاصة، لأن الجمهور يأتي محمّلاً بفكرة الترفيه لا التلقي الثقافي. لكن هذا التحدي نفسه يدفعك للبحث عن أشكالٍ أكثر حيوية وقدرةً على الوصول وهنا تحديداً يصبح مسرح الشارع أكثر أهمية وأعمق معنى.

لم أشعر أن المكان قيّدني. بل منحني حرية أن أشتغل بعيداً عن المركزية الثقيلة، وأن أؤمن أن الثقافة يمكن أن تُصنع في أي مكانٍ إذا وُجد الشغفُ الحقيقي.

حين تنظر إلى هذه الصورة المركّبة: محامٍ، وناقد، وكاتب، ومخرج، ومدرّب، ورئيس تحرير أيٌّ من هذه الوجوه هو حسام الدين الحقيقي؟ وأيٌّ منها يخاف أن يُعترَف به أمام الآخرين؟

أظن أن الطفل الذي دخل المسرح للمرة الأولى وهو في السادسة ما زال هو حسام الدين الحقيقي. ذلك الطفل الذي انبهر بالضوء والدهشة ولم يُغادره السؤال حتى اليوم.

كل الوجوه الأخرى ليست أقنعة، بل محاولاتٌ متعددة لفهم الإنسان والعالم. المحامي، والكاتب، والناقد، والمخرج، والمدرب — كلها أدواتٌ أقترب بها من الفكرة ذاتها: كيف يمكن للفن والمعرفة أن يجعلا الإنسان أكثر وعياً وحريّة.

أما الوجه الذي يخاف الاعتراف به، فهو ربما الوجه الأكثر هشاشةً وإنسانية الإنسان الذي ما زال يشعر بالقلق قبل أي تجربةٍ جديدة، ويخشى أن يفقد دهشته الأولى. لأن الفنان حين يفقد دهشته، يتحوّل إلى موظفٍ يكرر نفسه لا أكثر.

 

Alfurja

Alfurja

About Author

موقع مجلة الفرجة صادر عن: مركز الفنون العربية الفرجة.
الملف الصحافي: 37/ 2014ص.
الايداع القانوني: ردمد 9452/2421

اشترك في نشرتنا الإخبارية

    خلف الكواليس وفي قلب الحدث.. اشترك لتعرف كل جديد وتصلك كواليس المسرح وأخباره إلى بريدك

    جميع الحقوق محفوظة © 2026

    error: نعتذر، نسخ المحتوى غير مسموح به لحماية حقوق الملكية