حوارات سيرة و فنان

أرشد التكمه‌چي…رجلٌ من ضوء وظل

أرشد التكمه‌چي — بين الإخراج والوجود

 

إعـداد وحـوار: مهدي منصور

 

في مدينة تتنفس الطين والماء، حيث الكاظمية تحمل بين جدرانها أرواح الأولين وهمس الزائرين، وُلد أرشد حسين علي كاظم الشمري في أول يوم من أكتوبر عام ألف وتسعمائة وأربعة وثمانين — وكأن الزمن اختار لمولده لحظةً مشتعلة، حافّة الفصول، ليكون هو ابن التحوّل دائماً.

لم تكن الكاظمية مجرد عنوانٍ يُكتب على الورق — محلة 421، زقاق 11، دار 14 — بل كانت المسرح الأول الذي رآه قبل أن يعرف معنى كلمة مسرح. أزقّتها المتشابكة علّمته أن الحياة فيها طبقات، وأن ما يُرى ليس كل ما هو موجود.

ثم جاءت الفنون الجميلة لتضع اسماً على ما كان يعتمل في داخله. من دبلوم المنصور إلى بكالوريوس بغداد إلى ماجستير ينتهي عام ألفين وتسعة عشر، ثم دكتوراه تتفتّح منذ ألفين واثنين وعشرين — كأنه لا يرضى بأن يتوقف عند حد، كأن السؤال في روحه أقوى من أي إجابة يبلغها. مدرّس مساعد في وزارة التربية، يقف أمام طلابه في معهد الفنون الجميلة بالكاظمية المقدسة، يعلّمهم الإخراج والتمثيل والإضاءة — ذلك الضوء الذي يصنع الحضور من العدم.

خمس سنوات ترأّس فيها قسم الفنون المسرحية. خمس سنوات هي عمر طفل يبدأ بالكلام. كم عرضاً أشرف عليه؟ كم طالباً وجّهه نحو نفسه؟ كم مرةً وقف في الكواليس يراقب ما زرعه يتحرك أمامه على الخشبة؟

كاليغولا الذي أخرجه ومثّله في آنٍ واحد — ذلك الإمبراطور الجنوني الذي جعل من سلطته مرآةً لعبثية الوجود — كان مناسبته الأدقّ. أن تكون المؤلّف والممثل والمخرج في الوقت نفسه هو أن تكون العالَم كلّه في جسد واحد. وفي مهرجان أكاديمية الفنون الجميلة، أخذ عن هذا العمل جائزة أفضل إخراج وجائزة تقديرية — اعتراف بأن الجنون المضبوط فنٌّ من أرقى الفنون.

“لعبة المدرك والمحسوس” — ما أعمق هذا الاسم. كأنه يسأل: هل ما تراه هو ما هو؟ وهل ما تحسّه حقيقي أم أن الحواس تخدعنا باستمرار؟ وكانت الجائزة: أفضل عمل متكامل في مهرجان حامد خضر. التكامل — كلمة نادرة في عالم التجزؤ.

أما الإمبراطور جونز — تلك الرواية عن رجل يبني مملكته على الوهم فتنهار على رأسه — فقد أخذ فيه أرشد جائزة أفضل ممثل. يبدو أنه يعرف كيف يسكن الشخصيات التي تعيش على الحافة بين العظمة والسقوط.

وفي مهرجان قرطاج الدولي للمونودراما عام ألفين وستة، كان رئيساً لتحرير المجلة اليومية للمهرجان — يكتب عن الفن بينما الفن يحدث من حوله، يوثّق اللحظة وهو يعيشها. الصحفي في قلب الفنان.

عضو في نقابة الفنانين. عضو في اتحاد الصحفيين. مدير إخراج في مسرح سميراميس — ذلك الاسم الأسطوري للملكة التي بنت ما لم يُبنَ. مشروع تياترو العراق — وكأن العراق بحاجة إلى أن يُعاد اختراعه كل مرة على خشبة.

1/ بين كاليغولا الذي أخرجته ومثّلته، والإمبراطور جونز الذي سكنته ممثلاً — أيّ الشخصيتين تركت أثرها فيك أعمق مما تركت في الجمهور؟

ان كلا الشخصيتين تركتا أثر لدي لكن الاقرب هي كاليكولا لما تمثله من تجربة اخراجية وتمثيلية

2/ حين تقف مدرّساً أمام طالب يشبهك في سنواته الأولى، هل تعلّمه ما تعلّمته — أم تعلّمه ما كنت تتمنى أن أحداً يعلّمك إياه؟

هذا السؤال اطرحه دائما على مسامع الطلبة والزملاء التدريسين … واقول يجب ان نعطي ما تعلمناه وما لم نتعلمه آنذاك بالاضافة الى املاء عقول الطلبة بما يناسب التطور العلمي والفني التي آلت عليه الحياة …. كما ان هناك بعض الطلبة يتسائلون خارج موضوعة الدرس وواجب علي ان اجيبهم بما يشفي غليلهم وبصورة علمية ومنطقية وذات بعد فكري عميق .

3/ “لعبة المدرك والمحسوس” — هل الخشبة بالنسبة لك مكانٌ تكشف فيه الحقيقة، أم مكانٌ تخبئها بشكل أجمل؟

ان لعبة المدرك والمحسوس هي مسرحية عرضتها في الباحة الامامية امام قسم الفنون المسرحية مع نخبة من ممثلين مبدعين … اما على مستوى المكان الفني ان كان خشبة او موقع خارجها وتم تقديم عرض مسرحي فهي لحظات من تعري الحقيقة وكشف الزيف الواقعي الذي نعيشه وهي تصب بالرسالة الفنية الموجهة الى المجتمع .

4/ خمس سنوات رئيساً للقسم، ودكتوراه لا تزال تتشكّل، وعشرون كتاب شكر على الأقل — متى كانت آخر مرة شعرت فيها أن أحداً يشكرك لا على إنجازٍ، بل على مجرد حضورك؟

هناك الكثير من اللحظات التي تم شكري بها لاجل حضوري فقط واذكر بعض منها ,,, عندما احضر لعرض مسرحي لاحد طلبتي أو زملائي التدريسيين أو أصدقائي الفنانيين وألقي تحية ومباركة بعد انتهاء العمل وموقف آخر عندما اشعر ان أحداً ما كان يحتاج دعم معنوي ونفسي أو ماشابه أسرع للحضور دون طلب منه وأعطيه ما يحتاجه كقوة للمواصلة على مستوى الحياة والمعيشة أو الاعمال الفنية .

5/ أرشد الشمري هو الاسم الذي وُلدت به، وأرشد التكمه‌چي هو الاسم الذي اخترته — ماذا يحمل الاسم الثاني مما لا يستطيع الأول أن يقوله؟

ان كلاهما قد ولدت وهما ملتصقين بشخصي كون الاول يحمل أسم القبيلة العربية التي انتمي منها، أما الثاني فهو لقب مهنة قديمة لقبت عائلتي بها، لا سيما كلاهما شرف كبير لي ولهما في ذاتي بوتقة خاصة في تشكل شخصيتي على مر السنين. ليس باستطاعتي ان اختار أو أفضل واحدة دون الاخرى.

6/ في مسرح سميراميس، وفي أزقة الكاظمية، وعلى خشبات المهرجانات من بغداد إلى قرطاج — ما الشيء الوحيد الذي لم تخرجه بعد، لأنك لا تزال تكتب السيناريو في الداخل؟

هناك الكثير من المشاريع الاخراجية التي لم ترى النور حتى هذه اللحظة، والاسباب كثيرة منها ما يتعلق بالانتاج ومنها بالظروف الحياتية ومنها على المستوى الفني واذكر بعضاً منها … مسرحية الملك لير ومسرحية الألوان ومسرحية في انتظار كودو وملحمة كلكامش والإلياذة.

Alfurja

Alfurja

About Author

موقع مجلة الفرجة صادر عن: مركز الفنون العربية الفرجة.
الملف الصحافي: 37/ 2014ص.
الايداع القانوني: ردمد 9452/2421

اشترك في نشرتنا الإخبارية

    خلف الكواليس وفي قلب الحدث.. اشترك لتعرف كل جديد وتصلك كواليس المسرح وأخباره إلى بريدك

    جميع الحقوق محفوظة © 2026

    error: نعتذر، نسخ المحتوى غير مسموح به لحماية حقوق الملكية