إعداد وتقديم: د. فاضل الجاف
عنوان الكتاب: “دراماتورجيا الهجرة: عرض اللقاءات متعددة اللغات في المسرح المعاصر”
اسم الكاتب: يانا ميرزون Yana Meerzon & كاتارينا بيفني Katharina Pewny
الناشر: Routledge 2019
*******************
يقدّم هذا الكتاب رؤية معمّقة للدراماتورجيا في سياق التحولات العالمية التي أحدثتها الهجرة، حيث تتقاطع اللغات والهويات وتتبدل وظيفة المسرح بوصفه فضاء للتعبير واللقاء الإنساني. تنطلق المحررتان يانا ميرزون( كندا) وكاتارينا بيفني(ألمانيا) من فكرة أن المسرح المعاصر، في زمن العبور بين الثقافات، لم يعد مجرّد تمثيل لنص مكتوب، بل أصبح مختبرا حيّا تتفاعل فيه اللغات والأجساد والذاكرات لتشكيل معنى جديد للانتماء.
يركز الكتاب على أثر الحركات البشرية المتزايدة في إعادة إنتاج المعنى داخل الفعل المسرحي، مبرزا مفهوم «الدراماتورجيات الذاتية» بوصفها ممارسات تعبّر عن تجربة المنفى وإعادة بناء الذات في عالم جديد ومتحوّل. في هذا السياق تتحول الدراماتورجيا من أداة لتنظيم البنية الدرامية إلى ممارسة نقدية مفتوحة على الأسئلة السياسية والثقافية والاجتماعية التي يعيشها المبدع المهاجر وجمهوره.
ينهل هذا التصوّر من مفهوم «دراماتورجيا العملية» كما طرحته كاثي تيرنر وسيني بيرندت في كتابهما Dramaturgy and Performane (الترجمة العربية، الدراماتورجية وفن العرض المسرحي، ترجمة وتقديم محمد رفعت يونس، المركز القومي للترجمة، القاهره 2014) حيث تصبح الدراماتورجيا فعلا ديناميا يواكب تشكل العرض في الزمن الحي، ويكشف آليات المحاكاة وبناء الواقع على الخشبة. ومن هنا تتطور إلى ما يمكن تسميته «الدراماتورجيا المفتوحة» التي تمنح المشاهد موقعا تكوينيا داخل التجربة المسرحية، في انسجام مع الرؤى التي قدمها باتريس بافيس وهانز تيس ليمان حول تحولات المسرح ما بعد الدرامي.
ويرى الكتاب أن التعدد اللغوي في المسرح لم يعد عنصرا شكليا، بل أصبح أداة فنية وجمالية تكشف التوترات الكامنة بين الذات والآخر، وتفكك الخطابات المهيمنة للغة الواحدة. فالفنانون المهاجرون يوظفون تعدد اللغات كاستراتيجية لخلق مساحات جديدة للتعبير والمقاومة، ولإعادة بناء الذاكرة والهوية. وتبرز في هذا السياق تجارب مثل أعمال جايل رونين وفرقة مسرح ماكسيم غوركي في برلين وأيوجينيو باربا في الدانمارك، التي قدمت نماذج لعروض تستثمر التعدد اللغوي بوصفه طاقة إبداعية متجددة.
ومن خلال المزج بين البحث النظري والممارسة الفنية، يقترح الكتاب تصورا للدراماتورجيا المعاصرة كفن للتفاوض والتلاقي، حيث تتداخل اللغات والثقافات لتنتج خطابا أدائيا يعكس قلق الإنسان المهاجر وأسئلته الوجودية. وهكذا تتحول الدراماتورجيا إلى وسيلة لإعادة تعريف المسرح ذاته، لا بوصفه حيزا مغلقا لتمثيل الواقع، بل فضاء مفتوحا للإنصات والتأمل في معنى المصير الإنساني في زمن متغير.
يمثل كتاب دراماتورجيا الهجرة أحد الإسهامات البارزة في الدراسات المسرحية المعاصرة، لأنه يطرح سؤالا جوهريا حول موقع المسرح في عالم تتحرك فيه الهويات والثقافات واللغات على نحو غير مسبوق. فالدراماتورجيا، كما يقدمها الكتاب، لم تعد أداة لتنظيم النص أو ضبط العرض، بل أصبحت ممارسة فكرية وجمالية تتعامل مع مفاهيم الهجرة والمنفى والتعدد والاختلاف. من هنا، لا يتعامل الكتاب مع الهجرة كمفهوم اجتماعي أو سياسي فحسب، بل كمنبع للخلق المسرحي، حيث تنشأ الدراماتورجيا من تجربة الانتقال ومن التوتر بين الثبات والحركة، بين الجذور والمصير.
في هذا الإطار، يتناول الكتاب العلاقة المعقدة بين الهجرة والمسرح من زوايا متعددة، موضحا كيف تعيد الممارسات المسرحية الحديثة صياغة الفضاء والعلاقة بين المؤدي والمتلقي في ضوء تجربة الهجرة. فالهجرة ليست موضوعا يعرض على الخشبة فقط، كما نرى في مسرحيات تتناول حياة المهاجرين مثل «المهاجران» لسلافومير مروجيك، بل هي أيضا فاعل جمالي يعيد تعريف الانتماء والهوية. تعكس هذه المسرحية صراع الشخصيتين بين الوطن والمهجر، وتكشف الحنين والاغتراب النفسي، ما يجعلها نموذجا دقيقا لدراماتورجيا الاغتراب.

وتتقاطع هذه الرؤية مع أعمال أخرى مثل «الظلمات» للكاتب السويدي (هينيغ مانكيل) التي تستعرض أثر الهجرة واللجوء على الإنسان، مركزة على الصراع الداخلي للهوية والانتماء، وعلى التوتر بين الأمل واليأس، الحرية والقيود. ولابد أن نشير إلى أهمية تجربة المخرج والكاتب وجدي معوّض الذي حوّل الهجرة إلى تجربة مزدوجة بين الوطن المفقود والبلد الجديد، مقدّما مادة دراماتورجية غنية تكشف صراع الهوية واغتراب الإنسان في عالم متعدد الثقافات.
وفي قراءة معمقة لمسارح المهاجرين في عدة بلدان، يظهر أن الفضاء المسرحي يتحوّل هنا إلى منطقة عبور تجمع بين الذات والآخر، بين اللغة الأصلية ولغة البلد المضيف، وبين الذاكرة الفردية والجمعية. وبهذه المقاربة، يتجاوز الكتاب النظرة السوسيولوجية التقليدية للهجرة ليقدّمها كأفق جمالي وإبداعي تتداخل في فصول الكتاب كمقاربات دراماتورجية متنوّعة، حيث يظهر الباحثون المشاركون، ومنهم يانا ميرزون، كاتارينا بيفني، كريستوفر بالمه، آزاده شريفي، وكاسيا ليخ، أن الدراماتورجيا المعاصرة أصبحت مساحة للتفاوض بين الثقافات وإعادة التفكير في السلطة داخل العمل المسرحي. فالهجرة ليست فقدا، بل مصدر لتعدد الأصوات وولادة إمكانيات جديدة في الأداء وكتابة النصوص وبناء المعاني.

اللغة، في هذا السياق، ليست وسيلة تواصل فحسب، بل ميدان صراع وتحول، إذ يكشف التعدد اللغوي في العروض عن الانقسام والثراء في آن واحد. بذلك يعيد الكتاب التفكير في وظيفة الدراماتورجيا ذاتها، فبدلا من أن تقتصر وظيفتها على كونها أداة للضبط أو التفسير، تتحوّل إلى ممارسة تأويلية منفتحة تتقاطع فيها الفنون والأنثروبولوجيا والسياسة.
كما يشير الكتاب إلى أن التجارب المسرحية المرتبطة بالهجرة تضع الدراماتورجيا أمام تحديات أخلاقية وجمالية معا، إذ تسعى لمنح صوت لمن حرموا من التعبير، ولتمثيل الغياب والاقتلاع والحنين. فالمسرح لا يكتفي بتمثيل المهاجر، بل يجعله شريكا في الفعل المسرحي عبر ما يسمى الدراماتورجيا التشاركية أو الدراماتورجيا العابرة للحدود.
من هنا، تنقل دراماتورجيا الهجرة مركز الثقل نحو التجربة الإنسانية المتنقلة، فاتحة الباب أمام سرديات شخصية وجماعية متشابكة، ويغدو المسرح مساحة للذاكرة والمقاومة ومختبرا للتفاعل بين الثقافات.
وضمن هذا السياق، تعد تجربة المخرجة الفرنسية آريانا منوشكين مثالا حيا لـ”اللقاء المسرحي” في الدراماتورجيا المعاصرة. ففي عرضها “أوديسيس” تعرض قصص اللاجئين/ المهاجرين على خشبة المسرح، وتتداخل اللغات والذاكرات والمسارات الحياتية في بنية جماعية تأخذ المتلقي إلى “منطقة عبور” بين الذات والآخر. وتليها تجارب مماثلة تبرز إمكانات المسرح في التعامل مع الهجرة والتعدد الثقافي، مثل عروض فرقة Tara Theatre في لندن التي تستخدم نصوصا متعددة اللغات لعرض قصص المهاجرين والجاليات المتنوعة، وأعمال المخرج اللبناني‑الكندي وجدي معوّض، الذي يوظف السرديات الشخصية والجماعية لعرض تجربة الهجرة والغربة والهوية المزدوجة على المسرح، مستفيدا من تجربته الشخصية كمهاجر في نقل التوتر بين الوطن المفقود والبلد الجديد.

تجمع هذه التجارب بين النظرية والممارسة، وتؤكد دور المسرح كفضاء مفتوح للذاكرة والمقاومة، ومختبر للتفاعل بين الثقافات، حيث يصبح الجمهور شريكا في بناء المعنى المسرحي، وتبرز الدراماتورجيا المعاصرة بوصفها أداة للتعبير عن تجربة المهاجر الإنسانية المعقدة، بين الانتماء والاغتراب، بين الثبات والحركة، وبين الجذور والمصير.
يستكشف الكتاب أيضا التفاعل الثقافي في الممارسة الدراماتورجية، متجاوزا حدود النص والإخراج التقليدي ليجعل من المسرح وسيلة لإعادة إنتاج المعنى في سياقات التلاقح بين الثقافات واللغات. كما يولي اهتماما خاصا للجسد المسرحي بوصفه أداة محورية تحمل علامات الهوية والانتماء والانفصال، فيتحول التمثيل إلى جسر رمزي بين الذات والمكان الجديد.
وفي ختام فصوله، يعرض الكتاب أمثلة تطبيقية من أوروبا وأمريكا اللاتينية توضّح كيف تتجسد تجربة الهجرة في بناء العرض المسرحي، وفي العلاقة بين النص والفضاء والمتلقي. ومن خلال هذه القراءات، يقدم رؤية شاملة للدراماتورجيا كحقل يجمع بين النظرية والتطبيق، ويستجيب لتحديات المنفى في عالم متعدد الثقافات
وفي رأيي، يقتصر النقد الجوهرِي الموجه إلى الكتاب على إغفاله عددا من التجارب البارزة في الدراماتورجيا على المستوى العالمي، متمثلة في أعمال وجدي معوض الذائعة الصيت، إلى جانب تجربة المخرج العربي مجدي بومطر ومسرحه “E P Theater” في كندا، والتي كان من شأنها أن توسّع رؤيته وتعزز عمق قراءاته.
كما يغفل الكتاب الإشارة إلى التجارب العالمية الموازية، مثل أعمال المخرجة الفرنسية آريانا منوشكين في باريس، التي وظفت السرديات الشخصية والجماعية في عروضها، وفي مقدمتها “أوديسيس”، وتجربة المخرج الهندي جيتيندر فيرما مع فرقة Tara Theatre في لندن، التي تعتمد على مسرح الهجرة متعدد اللغات لطرح قضايا الهوية والانتماء عبر تداخل القصص الفردية والجماعية. هذه التجارب، مجتمعة، كانت لتثري النقاش حول العلاقة بين الهجرة والدراماتورجيا، وتوسع الرؤية المعرفية والعملية للكتاب.
ختاما، يؤكد الكتاب أن الدراماتورجيا المعاصرة لم تعد ممارسة جمالية خالصة، بل صارت فعلا معرفيا وأخلاقيا يسعى إلى استكشاف معنى الانتماء في عالم ما بعد الحدود. ويعيد إلى المسرح وظيفته الجوهرية كفن قادر على احتضان الغريب، كما جسده المسرح اليوناني والإليزابيثي في طروحاتهما عن النفي والمنفي، وتحويل الغياب والهجر إلى حضور مسرحي نابض بالحياة.


