قراءة تفكيكية في عرض “أعاود نوعاود” لجمعية خميسآرت.
عبد الجليل ولد حموية
“هذا مسرح بدون جمهور، وهذا جمهور بدون مسرح”، انطلاقا من صرخة الطيب الصديقي التي تلخص الدعوة إلى الخروج على الفضاءات المفتوحة لإيجاد حلول بديلة لازمة العزوف عن القاعات المسرحية الكلاسيكية (العلبة الإيطالية)، والرغبة في تجاوز “الجغرافيا الغربية المسرحية” عبر الذهاب إلى الجمهور عوض انتظاره واقتحام الساحات العمومية والأسواق… نبعت فكرة العرض المسرحي للشارع “أعاود نوعاود” حسب الإطار المنتج للعرض المسرحي، جمعية “خميسآرت”. وهذا العرض لما يكتنزه من أفكار تجريبية جديدة، خاصة وأنه أول عرض مسرح شارع باللغة الأمازيغية في المغرب، حظي بثقة وزارة الشباب والثقافة والتواصل، قطاع الثقافة، للموسم المسرحي 2025-2026، في إطار دعم هذه الأخيرة للجولات المسرحية. وقد استوفت الجمعية كل التزاماتها الفنية بالعرض الأخير الذي احتضنته ساحة المركب سوسيو رياضي للقرب بالياسمين، بمدينة الخميسات يوم السبت 23 ماي 2026.

وانطلقت الجولة المسرحية بعرض احتضنته ساحة المركب الثقافي بالحاجب يوم الجمعة 28 نونبر 2025، في إطار المهرجان الدولي للمسرح وفنون الفرجة الدورة السابعة، تلاه العرض الثاني يوم السبت 29 نونبر 2025، بساحة المركز الثقافي أبو القاسم الزياني بمدينة خنيفرة. لتهز الرحال الفرقة المسرحية نحو مكناس، للمشاركة في مهرجان “مكناس خشبة لمسارح العالم”، الدورة 4، يوم الجمعة 12 دجنبر 2025 بساحة الهديم بمكناس. أما العرض الرابع فكان بساحة الحسن الأول بحي السلام بالخميسات يوم السبت 2 ماي 2026، تلاه عرض بساحة مولاي الحسن بحي الدالية بمدينة تيفلت يوم السبت 9 ماي 2026. وقد شهدت العروض حضورا جماهيريا مهما، تفاعل بشكل كبير مع مجريات العروض، خاصة ووان العرض يعتمد على التفاعل مع الجمهور وتجاوز لفكرة المتلقي السلبي الذي يصفق فقط، بل جعل منه مشاركا وفاعلا أساسيا في الفرجة المسرحية.
لا ينفصل عرض “أعاود نوعاود” (إخراج: وليد المعروفي، بمشاركة: معتصم واسوا، سكينة جعطيط، ياسين مزيان، والآداء الموسيقي الحي لعبد السلام الحمداني) عن سياق التأسيس لوعي مسرحي حداثي واشتباكي في المغرب. إن الخروج باللغة الأمازيغية إلى الشارع عبر عرض متكامل البنية لا يستهدف محاكاة “الحلقة” التراثية، بل يتجاوزها نحو تفكيك الواقع الاجتماعي/السياسي. يتخذ العرض من “العملية الانتخابية” مادة دسمة لتقديم تشريح ساخر لآليات صناعة الوهم الديمقراطي، معيداً صياغة العلاقة بين الفضاء والخطاب والسلطة عبر خمسة محاور موضوعاتية كبرى:
المحور الأول: ديناميكية الفضاء العمودي؛ جدلية “البرج الانتخابي” والواقع
تتحول السينوغرافيا، وان كانت تبدو بسيطة، في العرض من فضاء مادي ساكن إلى بنية أيديولوجية وسلوكية تحكم علاقة السلطة بالهامش، ويتبدى ذلك من خلال حركتين رئيسيتين؛ أولاهما تمثل “السطح كحصانة نخبويّة (برج العاج)”، حيث يعكس جلوس المرشحين (الممثلين ياسين مزيان وواسو معتصم) في العلو حالة العزلة والمكاتب المكيفة التي تعيش فيها النخبة السياسية طوال الولاية الانتدابية، بعيداً عن نبض الشارع وهمومه. أما الحركة الثانية فهي “النزول البراغماتي (الأسفلت كخزان أصوات)”؛ إذ إن الهبوط نحو الأرض لا يمثل تلاحماً إنسانياً، بل هو “هجرة موسمية انتهازية” تفرضها حمى صناديق الاقتراع والعملية الانتخابية، وهنا يتحول الشارع مؤقتاً إلى ساحة للتسوق السياسي حيث تستعار هموم الناس من أجل غايات مصلحية عابرة وتقديم وعود انتخابية. وتكتمل الحركة بالارتداد الفضائي (العودة إلى العلو)، فمع انقضاء الطقس الانتخابي تنتهي صلاحية التماس مع الشعب (الجمهور)، فيصعد المرشحان مجدداً إلى مكانهما الفوقي، في إدانة بصرية صارخة لإدارة الظهر وترك الجماهير في الأسفل تواجه مصيرها إلى حين إعادة الكرة مرة أخرى.

المحور الثاني: سيميولوجيا الصوت والميكروفون؛ من الديماغوجية إلى الاسترداد النقدي
يتجاوز الميكروفون وظيفته التقنية لتضخيم الصوت، ليتحول إلى علامة سيميائية تلخص الصراع حول “امتلاك سلطة النطق” داخل الفضاء العمومي. فهو يشتغل أولاً كأداة للهيمنة وتكريس الوعود، حيث يُوظف في البداية لترويج الخطاب الرسمي، الرنان، والأجوف؛ فمن يملك الميكروفون يملك القدرة على صياغة الوهم وتوجيه وعي الحشود للتحكم فيها. كما يبرز المحور جدلية المعلن والكواليس، إذ إن التباين بين التحدث عبر الميكروفون وتركه جانباً يفضح المسافة الفاصلة بين الخطاب السياسي الدعائي الموجه للعلن وبين الحوارات الباطنية والمصلحية الحقيقية للمرشحين المخفية عن الجمهور، وهو ما يتضح عندما يبدأ المترشحان الحديث فيما بينهما عقب ذهاب الممثلة للتشاور مع اللجنة حول الإعلان عن النتائج. وينتهي هذا المسار بانقلاب الشرعية الصوتية، ففي ذروة العرض تتجلى المفارقة حيث تفقد الكلمات ميكانيكياً قيمتها وأثرها أمام واقعية الأزمة، مما يمهد لانتزاع هذه الأداة وإعادة توظيفها لمعاقبة صناع الوهم، الصوت الذي يخرج من الميكروفون هو نفسه الصوت الذي يدلي به الناخب للمترشح ليمثله ومن هنا تكتسي هذه الأداة قوتها الرمزية.
المحور الثالث: “العود الأبدي” للمهزلة السياسية
يحمل العنوان “أعاود نوعاود” (نحكي ونعيد الحكي) ثقلاً فلسفياً يرتبط بآلية اشتغال الزمن السياسي والاجتماعي في البيئات الشعبية، حيث يدور الزمن حول نفسه في حركة “أوروبوروسية”. ويتجسد هذا عبر التكرار الرتيب للصدمة والخيبة، فالإحالة هنا تقع مباشرة على الدورية الانتخابية الرتيبة التي تتكرر كل بضع سنوات بنفس الوجوه، الوعود، والآليات، مما يحول التاريخ إلى مهزلة دائرية يعاد إنتاجها باستمرار. لكن المقابل يظهر في الحكي كآلية خلخلة وفضح؛ فحين ينقل المسرح هذا التكرار إلى الشارع، فإنه يحوله من طابع “الاستسلام للواقع” إلى “فعل توعية”، تدفع المتفرج للتساؤل النقدي: إذا كانت القصة تعاد بنفس الوعود (نعاود)، فكيف يمكن كسر هذه الحلقة المغلقة؟ كما يطرح بشكل غير معلن عدم جدوى فكرة المقاطعة لأنها تخدم بشكل مباشر هذه الحلقة المتكررة.

المحور الرابع: التحول الميتامسرحي؛ “المُقدِّمة” كجسد لضمير المجتمع وبنية التطهير
يمثل الانتقال الدرامي لشخصية الفتاة (سكينة جعطيط) من دور “المقدّمة” إلى دور “الضمير” المحرك الأساسي لـ “العدالة البديلة” التي يقترحها العرض، وذلك من خلال انزياح القناع التقني إلى القضاء الشعبي؛ إذ تبدأ الفتاة كعنصر تيسير محايد يمرر الكلمة والميكروفون، لتكشف النهاية أنها تجسيد لـ “الذات الجماعية الواعية” للشعب؛ تلك التي تراقب بصمت وتمنح الفرص لكنها لا تغفر الكذب الممنهج، فتقرر ان تصرخ بشكل قوي لتسكت الجميع لتتحدث وتعيد تنظيم الأمور كلما لاحظت أنها تريد أن تسقط في الفوضى التي تعيد إنتاج نفس الوضع. ومن هنا تنبثق موضوعة السقوط المشترك، فإعلان النتيجة بسقوط كلا المرشحين يحمل عمقاً راديكالياً؛ فالعرض لا ينحاز لجهة ضد أخرى ضمن اللعبة السياسية، بل يدين “المنظومة” برمتها، رافضاً الخيارات الزائفة بين الوجوه المتعددة ذات الممارسات الموحدة.
ويتحقق من خلال ذلك طقس الاعتراف واسترداد الكرامة (Catharsis)، عبر إلزام المرشحين بطلب الصفح مباشرة من جمهور الشارع ليتحول الختام إلى طقس تطهيري بامتياز، يوضع فيه الجمهور (المستغفل) في مرتبة “السيّد الحَكَم”، مما يعيد بناء كرامة المواطن الجريحة ويحول ساحة العرض إلى برلمان شعبي مباشر يمارس سلطة الرقابة والمحاسبة الأخلاقية.
ولا يكتفي العرض بإدانة انتهازية المرشحين، بل يذهب أبعد من ذلك نحو ممارسة نقد ذاتي لاذع وقاسٍ موجه للجمهور/الناخب نفسه عبر موضوعة التواطؤ الجمعي وشراء الضمائر (المسؤولية المشتركة)؛ فإقدام المرشحين على توزيع الهدايا (والتي تمثل سيميائياً الرشوة الانتخابية ومحاولة شراء الذمم) وقبول الجمهور لها في سياق اللعبة الدرامية، يضع “المتفرج العابر” في موقف المُساءلة الأخلاقية كشريك متواطئ يساهم في إحياء دورة الفساد عبر مقايضة صوته بـ “هدايا موسمية” زائفة. وهنا تتضاعف رمزية تدخل الفتاة (اللجنة/ضمير المجتمع)، فحين تقرر عدم نجاح أي منهما رغم توزيعهما للهدايا وقبول الناس لها، فإنها تعلن فيتو أخلاقي صارم ضد هذه المقايضة البائسة وتتدخل لتكسر الحلقة.
المحور الخامس: البُعد الهوياتي للأمازيغية؛ التحرر من المأزق الإثنوغرافي
إن تقديم عرض شارع مشتبك سياسياً باللغة الأمازيغية يمثل قفزة نوعية في مسار المسرح الأمازيغي بالمغرب، وتتجلى أولاً في أبعاد المواطنة الثقافية الحداثية عبر فك الارتباط بين الأمازيغية والنسق الفلكلوري أو الاحتفالي التراثي المغلق (المتحفي) لتصبح اللغة هنا أداة تشريح سياسي يومي وراهن قادرة على استيعاب تطلعات المواطن في الفضاء العمومي المشترك، مثلما تتجسد ثانياً في التعبير عن اللسان والوجدان الشارعي إذ إن الخطاب الثنائي الحميمي المنطلق بالترحيب والمكاشفة في قولهم “غانشكيو عليكم همنا أو غاتشكيو علينا همكم…” ينزع المساحيق عن لغة الخشب السياسية مستبدلاً إياها بلغة الأرض والوجدان الصادق، مما يعزز ديمقراطية التلقي عابرة الهويات الضيقة.

خاتمة
إن تجربة “أعاود نوعاود” لا تكتسب أهميتها فقط من كونها أول عرض لمسرح الشارع باللغة الأمازيغية بالمغرب، بل من قدرتها على تحويل الساحة العمومية إلى فضاء للسؤال والاحتجاج وإعادة التفكير في العلاقة بين المواطن والخطاب السياسي. فالعرض لا يراهن على الفرجة بوصفها تسلية عابرة، وإنما باعتبارها ممارسة نقدية تحاول إيقاظ الوعي الجماعي عبر السخرية والمواجهة والتفاعل المباشر مع الناس. ومن هنا، يبدو مسرح الشارع الأمازيغي اليوم أمام إمكانية جديدة لتجاوز الحدود الفلكلورية الضيقة، والدخول إلى قلب القضايا الاجتماعية والسياسية الراهنة، بوصفه فناً حياً ينصت للشارع ويتكلم بلغته ويعيد مساءلة واقعه.

