إعداد وتقديم: محمد محسن السيد
اسم الكتاب: “الرؤى الإخراجية في المسرح ونقد السرديات”
اسم الكاتب: د. عقيل مهدي يوسف
اسم الناشر : منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق.
******************
في اصداره الاخير (الرؤى الاخراجية في المسرح ونقد السرديات) يأخذنا الدكتور عقيل مهدي يوسف صوب فن الاخراج المسرحي واشتغالاته وتجاربه واساليبه وطرقه في سياحة معرفية وجمالية اخاذة . نهض الفصل الاول من الكتاب تحت عنوان (موسوعية المخرج وقدراته) جاء في سطورها الاولى:”فن الاخراج بوصفه، تشفير دلالي، لاشكال فنية في فضاءات مسرحية متنوعة – من الناحية المعمارية الشاحضة، او في فضاءات عامة، خارج قاعات المسرح، وباداءات مختلفة ومتنوعة، لاداء الممثل فهي، في تعددية (السينو جرافيا) مابين البعد الفرائبي، والمجال الواقعي في جماليات العرض وحين (يبنى) العرض، يستوجب اعتماد الشكل والمضمون لايصال، الابعاد العاطفية والفكرية والسياسية، الخاصة برؤى اجتماعية (للجمهور) وتنوع اتجاهات (المتفرجين) وهم يشاهدون (وحدة فنية) للعروض بشكل متناغم منسجم لذلك الاطار المادي المجسد على خشبة المسرح، او “الشارع” ومن ثابت القول هنا ان لكل مخرج اجتهاده، وطريقته واسلوبه وحريته الابداعية الخاصة”. ثم يمضي بنا الباحث بعيد التفكك ويحلل عمل المخرج من خلال تعامله مع النص الدرامي والممثل وما يتبعه ومعمار العرض وما يشغله ويتأسس عليه وصولا الى تحقيق ما يسمى التكامل في العرض، والذي هو حصيلة تفاعل كل المنظومات الجمالية السمعية والبصرية في خط درامي موحد وشامل. اما بخصوص المتفرج فنقرا:
“…فالمتفرج، بدوره، من خلال التفكير، والاستيعاب والفهم لما يرى ويسمع ويقرأ في العرض، لكي يقوى على الدخول، الى عوالم الشخصيات، وصراعاتها، وبيئتها المناسبة، للوصول الى (قراءة مناسبة)، لموضوعات العرض المسرحي، واحداثه، وصداماته معه، ونفوره منها، او في (استقباله) لها، بشغف ومحبة وسلام.. للمتفرج طرائق خاصة به. تنماز عن سواه، في طبيعة ردوده واستجاباته الذكية، السليمة في التفسير، وهكذا، وهكذا تتنوع اساليب (التلقي) لدى (الجمهور) ويتم لكل متفرج، بعدا سلوكيا، في احتيار استجاباته الناجحة، كما يراها (هو) ازاء موقفه في حلّ المشكلات الخاصة بموضوعات المسرحية، وافكارها، وجمالياتها – بتفكير واستيعاب – وفهم جديد للظاهرة المسرحية المسرحية هذه، ببعد (تجريبي) ملموس بحواسه، ورؤيته البصرية، والسمعية، والحركية التي تجري على المسرح، وفضاءاته المتنوعة تطبيقيا”.
اما فيما يخص الممثل فيذكر الباحث :
“.. للممثل قدراته، ومواهبه، وتجربته العملية، في المسرح فيما اختزنه في ذاكرته النظرية، والشعورية من كيفية خاصة، لتلك الوضعيات والمواقف الفنية الجيدة، وتجسيدها على المسرح، بجمالياتها الخارجية، ومضمراتها اللاشعورية وهكذا. تتسم حماسته وتحفيزاته بالحماسة، والثقة في مواصلة (التدريب) من خلال (البروفة) وتتابعها الزمني المخصص لها، بدقة محكمة، واتقان وثبات، تدفعه الى كيفية تجلي مستوى اداه في التمثيل، وما يتطلع اليه من تحقيق النجاح المسرحي واثارة اعجاب الجمهور، بما يمتلكه من مواصفات ابداعية متميزة وكل ذلك يستدعي من بذل الجهد، والاجتهاد، لتقديم (الدور المسرحي) الذي يؤديه باداء نوعي ناجح، ومتطور”.
فالممثل – كما هو معروف- ينبغي عليه ان يؤدي دوره بعفوية الاداء، والتمكن في الصوت والالقاء، من اللغة الحوارية في تعبيره، وسلوكه على (منصة المسرح وفضاءاته) ببراعة ادائية ومنهجية منسجمة مع خطة المخرج، وتطلعاته (الرئوية للعرض).
وهنا يصل بين المقام الى موضوع فرعي اخر هو (حيوية النص الدرامي في العرض) وفيها يسلط الضوء على مواضيع هامة جدا امثال نقده اللاذع لما يسمى بـ(المسرح التجاري) وعدم كفاءة عروضه، وتهافت فيما وبلاغة العرض الاخراجي الجمالية وهي التي توصل (النص الدرامي) من خلال (شفرات العرض )بشكل موح، وواضح، وجذّاب في تركيب عناصر العرض وصياغته الفنية محرضة الجمهور على (التداولية) ما بين خشبة المسرح، وما يحرص المتلقي على فهم ظاهرية العرض ومضمراته الفنية والمضمونية اضافة الى مواضيع منهجية النقد والجماليات والبعد النقدي للعرض و(الربوتوار) ومما جاء بخصوصه:
برامجية (الربو توار) تلبي احتياجات الجمهور الثقافية والفنية وتغني تواصلهم الجمالي وتنمي قدراتهم المرهفة في التفاعل مع الاصول المسرحية).

وهنا نصل الى موضوع (سيمياء الاسماء في المسرح) وجاء في مقدمتها :
“حرص المؤلفون الدراميون، اختيار عنوانات للمسرحيات التي يكتبونها، ويصنعون (اسماء) لبطل المسرحية او بطلتها، منذ المرحلة الاغريقية والكلاسيكية الى عصر شكسبير، في الاغريقية اصبح اسم البطل التراجيدي (او اديب) و(انتجيونا) و(اورست) وفي نصوص شكسبير، (عطيل) و(ياجو) و(ريتشارد)، و(ماكبث) و(هاملت).. وهكذا تتواصل التسميات لدى (كورني) و(راسين) و(موليير) وصولا الى المسرح الحديث، ولدى (برخت) مثلا بمسرحه الملحمي اسم (غاليلو) في المسرح الالماني، و(جان دارك) في المسرح الفرنسي، و(جميلة بوجيرد) في المسرح العربي، فالتسميات تعكس المجتمع الذي يولدون فيه او العائلة او القرية او المدينة، والمزرعة والمصنع والجامع والكنيسة”. وفي ختامها يذكر الباحث:
“.. ومن لطيف التسمية، الابتعاد عن – حوشيّ اللفظ – الى لفظ اخر مأنوس لتجنب الاسماء وخرافاتها على التسمية، حتى باتت التسمية النسائية فيها ضربا من الموسيقى: هناء /سناء/ رجاء/ هيفاء. او ظاهرة فلكية: شعبان/ رمضان/ رجب. وكذلك تركت الثقافة اثرها على التسميات لان الثقافة من طريق المدارس دخلت الى البيوت، ومن معالمها ظهور(5) مسارح وسينما: رويال، وسنترال، والعراقي، والوطني، او لميبا”.
وهنا يصل بنا المقام للفصل الثاني وعنوانه (الخطاب في الرؤية المسرحية «تأليفا واخراجا» للصغار والكبار) وقد ضم هذا الفصل عناوين ثانوية هي: الاخراج وتلقي الجمهور/ التمثلات الدرامية في النص المسرحي/ مسرح المناهج التربوية للطفل/دور الارشاد التربوي في مسرح الطفل/والتنظير في مسرح الطفل” . ففي السطور الاولى من هذا الفصل نقرا:
“يعتمد مسرح الطفل دورا تربويا في تأثيره على نفسية المتفرجين من الاطفال، ومحفزا على التصورات التخيلية، مقترنة بابعاده الاخلاقية والتعليمية، وتعميق تجارب حياتية، من خلال الخطاب الدرامي، ببعده العضوي، وتجسيده لموضوعات، وتجارب حياتية معاشة في الاسرة واصدقاء الطفولة وصولا الى المدرسة”. ثم يتناول الباحث بعض الكتاب فيما يخص مسرح الطفل وتنظيراتهم بخصوص هذا المسرح من امثال الفنان المسرحي الاسباني (الفونسو ساستره) في كتابه (الدراما ولغاتها) في جزأين والروسي (اريوزوف) ففي موضوع (مسرح المناهج التربوية للطفل) فهو قراءة نقدية لكتاب (جماليات الفضاء المسرحي للدكتورة ميادة الباجلان التي قامت باعداد موضوعات الكتاب بشكل ميسر تداوليا للمعلمين والطلبة. ومخاطبة الطفل بتدرجاته العمرية المختلفة. ام فيما يخص موضوع (دور الارشاد التربوي في مسرح الطفل) فهو قراءة نقدية تطبيقية للعرض المسرحي الذي يخص مسرح الطفب والموسوم (انا المهرج) وهو من تاليف واخراج الدكتورة زينب عبد الامير، وقد اشاد الباحث بهذا العرض حيث اكد ما نصه. ان هذا العرض توج – اخيرا – في المهرجان المقام في الكويت. بوصفه افضل عرض متكامل في جائزة مسرح الطفل”.
اما بخصوص موضوع (التنظير في مسرح الطفل) فهو قراءة نقدية لكتاب بنغس الاسم للدكتورة فاتن الربيعي ومما جاء فيه:
” انطلقت الكاتبة من ارضية تخص علماء النفي واولهم جان بياجيه – الذي يرى ان ادراك الطفل، يتعالى في صيرورة معرفية، مقترنة بالاحساس ومن ثم، القيام بتحويلها الى رموز مجردة، وكذلك فالمسرح حسب نظرية الجشتالت يعنى بدراسة الكل قبل الجزء. اما – جيروم برونر – فانه يرى تفرعات الى نماذج فكرية تخص البيئة الاجتماعية ونمذجتها، وبمنظومة تمثل رمزية الكلمات و سواها من محفزات، تقوم الكاتبة بالتركيز على اولوية الانساق البصرية الجاذبة في العرض المسرحي، ثم السمعية باطارها الحسي وتخييلات، تنبثق من خصائص مسرحية نوعية، بتقنيات محفزة للذكاء، وطرائق نموه لدى الاطفال، لاسيما ولعهم بانشطة اللعب”.
وحسب “فردريك شيللر” ان حافز اللعب يدمج النظرة الحسية مع الصورة بقوام فني جمالي متكامل ابداعيا). وهنا نصل الى موضوع : (المونودراما في التطبيق) حين يصبح النص التاريخي مدورا وسائلا في معاصرته). وهي قراءة نقدية تطبيقية لعرض (هاملت في المدينة) تاليف: منير راضي واخراج: عبد رضا جاسم وتمثيل جاسم محمد وتقديم نقابة الفنانين ودائرة السنيما والمسرح.
مع ذكر النص كاملا -وهناك ايضا موضوع (البعد السياسي وجماليات المكان) وهو قراءة في كتاب (الذاكرة والحنين في القصة العراقية القصيرة في المنفى) للدكتو عبد جاسم الساعدي وقراءته لعدد من القصص التي قام بنقدها فنيا لمجموعة من الكتاب امثال: ابراهيم احمد وجبار ياسين وحسين الموزاني وآخرون مع ذكر كاتبات للقصة القصيرة، امثال: سعاد الجزائري وهيفاء زنكنة وسميرة المانع وهن يتناولن صور متنوعة في القصة عن معاناة المرأة، الام السجينة السياسية، والشعور بالقلق، والاغتراب والدمار.
وهناك موضوع (الانزياح في بنية السرد القصصي) وهي قراءة نقدية للقاص خضير فليح الزيدي ومجموعته القصصية (خالي فؤاد التكرلي) وبخصوص موضوع (نقد سرديات الرواية) وهو قراءة نقدية لكتاب (الصوت الخفي ومنزل الحكي) للدكتورة رقية هادي وهي مقاربات لجماليات بعض الروايات العراقية الجديدة من مواقع مختلفة، لطرائق السرد، وابعاده المعرفية، وسياقاتها الثقافية، للكشف عن فيزياوية المكان ودلالاته السيميائية. وتناولت الكاتبة الروايات التالية: طشاري للروائية انعام كجه جي ورواية (ساعة بغداد) للروائية شهد الراوي ورواية (مقتل بائع الكتب) لاسعد محمد رحيم ورواية (سفا ستيكا) للروائي علي غدير. وهنا نصل الى موضوع (ياسين النصير ناقدا) وهو قراءة نقدية لكتاب قام بجمعه واعداده الناقد امجد ياسين النصير وضم حوارات ولقاءات عن والده فيما يخص موضوعة المكان وهو من اصدارات دار الشؤون الثقافية – بغداد 2024، وصفحاته 640 صفحة. ونبقى مع نقد السرديات وهذه المرة يطالعنا عنوان (المونودراما في تجربة حسين علي هارف) وهي قراءة نقدية لكتاب (تجليات المونودراما العراقية في ضوء التجربة الالمانية) للدكتور بهاء محمود علوان، حيث تبرز مسرحية (قلب الدمية) بوصفها انموذجا متكاملا بضي جوانب متفردة من التجربة المسرحية العراقية. وكان لها حضورا نقديا واسعا. ويستمر الكاتب في نقده للسرديات وهذه المرة ياتي دور كتاب الدبلوماسبة العراقية المعاصرة من الريادة الى الهامش 1921-2022م .. دبلوماسية المعلن والمضمر) للكاتب حسين العاني وفيه يحاول توثيق ما مر به العراق سياسيا من احداث خطيرة وشائكة على المسرح السياسي العراقي والاقليمي، كما يمثل الكتاب بعد اخلاقا لتفسير التاريخ الحديث والمعاصر للعراق وهنا نصل الى الفصل الاخير في هذا الكتاب والذي افتتح بعنوان (الشخصية التاريخية مسرحيا) وهو قراءة نقدية معمقة لكتاب بنفس الاسم للدكتور محمد الكحلاوي. ثم نطالع موضوع (د. عمرو دوارة وموسوعيته المسرحية و(تراث المسرح وثقافته المتنوعة وكذلك موضوع (في البحث عن ثقافة جادة). وهنا نصل الى اخر مواضيع هذا الكتاب والمعنون (عقيل مهدي: تفرد بسيرة المبدعين) وشمل المواضيع الثانوية الاتية: (بقلم الناقد قاسم المشكور /الجمال والعقل والموسيقى/ حين يكون الاخراج فكرة). وهي قراءة في كتاب فكرة الاخراج للدكتور عقيل مهدي يوسف بقلم كاتب السطور لنصل الى الخاتمة التي جاء في سطورها الاخيرة ما نصه:
” يفتح فن المسرح بواباته على (سرديات) متنوعة الاختلاف بابعاد ميثولوجية- اسطورية- تاريخية ايديوجية، وضعية. وبالتالي سيصبح بامكان الاخراج المسرحي ان يكون قادرا باستدلاله على توصيف الابعاد المذكورة من داخل المسرح نفسه، ومتفاعلا بشكل جوهري مع سرديات قصص روائية ونثر وشعر وصولا الى الذكاء الاصطناعي بطروحاته المبتكرة والتي يفيد منها المسرح في بواباته المستقبلية والمتخيلة”.

