بشأن الشفافية في الدعم العمومي
توصل موقع مجلة الفرجة، قبل قليل، بنسخة من رسالة مفتوحة وجهتها النقابة المغربية لمهنيي الفنون الدرامية – فرع الدار البيضاء إلى السيد محمد المهدي بنسعيد، وزير الشباب والثقافة والتواصل، تدعو فيها إلى تعزيز مبادئ الشفافية والحكامة الجيدة في تدبير الدعم العمومي الموجه لقطاع الثقافة والفنون. وفيما يلي النص الكامل للرسالة كما توصلت به المجلة:
“
البيضاء، في 26 يونيو 2026
إلى السيد المحترم
محمد المهدي بنسعيد
وزير الشباب والثقافة والتواصل
الموضوع: من أجل تعزيز الشفافية والحكامة الجيدة في تدبير الدعم العمومي للثقافة والفنون
تحية تقدير واحترام،
تابعت النقابة المغربية لمهنيي الفنون الدرامية فرع الدار البيضاء، كما تابع الرأي العام الوطني والأسرة الفنية والإبداعية، النقاش الذي أثارته المداخلة البرلمانية للسيد عبد الصمد حيكر حول عدد من القضايا المرتبطة بالدعم العمومي الموجه للقطاع السينمائي وبعض البرامج الثقافية التي تشرف عليها الوزارة.
وإذ نؤكد منذ البداية أن غايتنا من هذه الرسالة ليست الاصطفاف إلى جانب أي طرف سياسي أو الدخول في سجالات ظرفية، فإننا نعتبر أن ما أثير من تساؤلات داخل المؤسسة التشريعية يستحق التوضيح والتفاعل المؤسساتي المسؤول، بما يعزز الثقة في السياسات العمومية الثقافية ويصون صورة القطاع والعاملين فيه.
وكما تعلمون السيد الوزير المحترم،
فإن الثقافة والفنون ليستا مجرد أنشطة ظرفية أو واجهات تواصلية، بل هما رافعة أساسية للتنمية المجتمعية وبناء الوعي وترسيخ قيم المواطنة. ومن ثم فإن كل درهم يصرف من المال العام في هذا المجال ينبغي أن يكون خاضعاً لمبادئ الحكامة والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة وتكافؤ الفرص.
لقد أصبح من المقبول والوجيه ومن حق المهنيين والمواطنين أن يتساءلوا عن حصيلة المشاريع التي رُصدت لها اعتمادات مالية مهمة، وعن الكلفة المالية لبعض المبادرات، وعن مدى أثرها الفعلي على القاعات والجمهور، وعلى الفنانين والمبدعين، وعلى خلق فرص الشغل داخل المنظومة الثقافية الوطنية.
كما أن من حق الرأي العام أن يطلع على المعايير المعتمدة في اختيار المستفيدين من مختلف برامج الدعم، وأن يعرف نتائج هذه البرامج ومؤشرات تقييمها، وحجم الإقبال عليها، ومدى مساهمتها في تحقيق الأهداف التي أنشئت وقدمت من أجلها.
إن النقاش الذي عرفته الساحة الثقافية خلال الأيام الأخيرة، للأسف، انزلق في كثير من الأحيان نحو الشخصنة والاستقطاب، بينما كان الأجدر أن يتحول إلى فرصة حقيقية لفتح نقاش عمومي هادئ ومسؤول حول السياسات الثقافية والفنية المعتمدة، وحول جدواها وأثرها ومردوديتها.
وفي هذا السياق، نؤكد أن الفنانين الذين يتم استدعاؤهم للمشاركة في البرامج والمشاريع والأنشطة التي تنظمها الوزارة أو المؤسسات التابعة لها، ليسوا مسؤولين عن الخيارات السياسية أو الإدارية المرتبطة بتدبير هذه البرامج والأنشطة، ولا يجوز بأي حال من الأحوال الزج بهم في صراعات سياسية أو تحويلهم إلى طرف في سجالات لا تعنيهم. فالفنان يبقى شريكاً في تنفيذ المشاريع الثقافية، وليس مسؤولاً عن رسم السياسات العمومية أو تدبير الميزانيات العمومية.
كما نؤكد أن الكفاءات الفنية المغربية، بمختلف توجهاتها وأجيالها، تستحق كل التقدير والاحترام، وأن النقاش الدائر لا ينبغي أن يُفهم على أنه استهداف لأشخاص أو تشكيك في المسارات المهنية للمبدعين، وإنما هو نقاش مشروع حول آليات التدبير العمومي للقطاع الثقافي والفني ليس إلا.
السيد الوزير المحترم،
إن ما أثير من أسئلة بشأن الدعم السينمائي، وبرامج التظاهرات الثقافية، وبعض المبادرات التي رصدت لها اعتمادات مالية مهمة، يستدعي تقديم معطيات دقيقة وواضحة للرأي العام حول معايير اختيار المشاريع والجهات المستفيدة من مختلف برامج الدعم. فنحن لسنا ضد الدعم ولا ضد المبدعين والفنانين الذين لا يمكن تحميلهم مسؤولية الاختيارات الإدارية والمؤسساتية، وإنما نتطلع إلى توضيح يبدد كل الشبهات بشأن معايير الاستفادة وحصيلة البرامج المنجزة مقارنة بالاعتمادات المالية المرصودة لها وأثرها الحقيقي على الثقافة والفنان والجمهور.
إننا نعتبر أن الشفافية ليست عبئاً على المؤسسات، بل هي الضمانة الأساسية لحمايتها من التأويلات والشبهات، كما أن نشر المعطيات وتقديم الحصيلة للرأي العام من شأنه أن يعزز الثقة في العمل الحكومي ويحصن القطاع الثقافي من كل أشكال التشكيك.
ومن هذا المنطلق، فإننا نهيب بكم فتح نقاش مهني ومؤسساتي واسع مع مختلف الفاعلين الثقافيين والفنيين والنقابيين حول مستقبل السياسات الثقافية الوطنية، وتقييم البرامج المنجزة، والوقوف على مكامن القوة والاختلالات، بما ينسجم مع مبادئ الحكامة الجيدة التي أقرتها الدولة المغربية وجعلتها أساساً لتدبير الشأن العام.
إن الدفاع الحقيقي عن الفن والثقافة لا يكون بالدفاع عن الأشخاص أو مهاجمة الأشخاص، وإنما ببناء مؤسسات قوية، وآليات شفافة، وسياسات عادلة تضمن تكافؤ الفرص بين جميع المبدعين، وتكرس الثقة في تدبير المال العام، وتضع المصلحة الثقافية الوطنية فوق كل اعتبار.
وفي الختام، نجدد التأكيد أن هذه الرسالة تنطلق من حرصنا على صيانة مكانة الثقافة المغربية، وتعزيز ثقة المهنيين والمواطنين في المؤسسات العمومية، وإرساء مناخ قوامه الوضوح والإنصاف والشفافية، خدمة للفن والثقافة والمبدعين ووطننا العزيز.
وتفضلوا، السيد الوزير المحترم، بقبول أسمى عبارات التقدير والاحترام.
عن النقابة المغربية لمهنيي الفنون الدرامية
فرع الدار البيضاء




