أحمد طنيش
في هذا الصباح، لا تستيقظ الدار البيضاء على يوم عادي في رزنامتها الثقافية، بل على موعد ظل يتجدد منذ ما يقارب أربعة عقود، حتى صار جزءًا من ذاكرتها وهويتها. اليوم، السبت 4 يوليوز 2026، تفتح المدينة أبوابها لاستقبال الدورة الثامنة والثلاثين للمهرجان الدولي للمسرح الجامعي للدار البيضاء، الحفل والحدث المسرحي الجامعي الدولي الذي يستمر إلى 9 يوليوز 2026، الذي تنظمه كلية الآداب والعلوم الإنسانية بنمسيك، تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله.
مع حلول الساعة الثانية بعد الزوال، لن يكون افتتاح المهرجان مجرد إعلان عن بداية عروض مسرحية، بل سيكون إعلانًا عن انطلاق احتفال كبير بالإنسان، وبالفكر، وبالإبداع، وبذلك الحوار الذي ظل المسرح الجامعي يؤمن به منذ ميلاد هذه التجربة سنة 1988.0
ثمانٍ وثلاثون دورة لم تكن مجرد تعاقب للسنوات، وإنما كانت بناءً متواصلاً لذاكرة ثقافية، صنعتها أجيال من الأساتذة والطلبة والفنانين والإداريين والشركاء، حتى تحول هذا المهرجان إلى أحد أعرق المهرجانات الجامعية في العالم العربي وإفريقيا، وإلى فضاء دولي لتلاقح التجارب المسرحية والثقافات الإنسانية.
تأتي دورة هذه السنة وهي تحمل عنوان “المتوسط الأطلسي”، في رؤية ثقافية تجعل من المسرح جسرًا بين الضفتين، ومن الجامعة فضاءً للحوار الحضاري، ومن الفن لغة مشتركة تتجاوز الحدود والجغرافيا، انسجامًا مع موضوع الندوة العلمية الدولية: “المسرح والحياة المشتركة”، التي تطرح سؤال العيش المشترك من خلال أبواب الخشبة وأسئلتها الجمالية والفكرية.
غير أن أجمل ما يميز هذه الدورة، أنها لا تكتفي بصناعة المستقبل، بل تعود بوفاء إلى الذاكرة. فالذاكرة، في المهرجانات العريقة، ليست استحضارًا للماضي، وإنما اعتراف بمن صنعوا الطريق، وبمن آمنوا بالفكرة قبل أن تصبح مؤسسة ثقافية راسخة.
لهذا اختارت الدورة الثامنة والثلاثون أن تجعل من التكريم رسالة وفاء، وفاء للمسرح المغربي، من خلال الاحتفاء بالفنان الكبير محمد الجم، أحد أبرز الوجوه التي صنعت البسمة الراقية ورسخت حضور المسرح في وجدان المغاربة، وظل اسمه مقترنًا بفن يحترم الجمهور ويؤمن بقيم الإبداع والالتزام.
ووفاء للإعلام المغربي، عبر تكريم الإعلامية سناء الرحيمي، تقديرًا لمسار مهني جعل من الإعلام الثقافي شريكًا في صناعة الوعي، وفي مواكبة الفعل المسرحي والفني، إيمانًا بأن الثقافة لا تكتمل إلا بإعلام يعرف كيف ينصت إليها ويمنحها المساحة التي تستحق.
كما تتوجه أنظار الدورة إلى جذورها الأولى، لتكرم الأستاذ حسن الصميلي، مؤسس هذا المشروع الثقافي الكبير، وصاحب الرؤية التي جعلت من الجامعة فضاءً للإبداع، ومن المسرح رافعة للتكوين الأكاديمي والانفتاح الثقافي. إنه تكريم لفكرة آمنت بأن الجامعة لا تنتج المعرفة فقط، بل تنتج أيضًا الجمال.
يمتد الوفاء إلى أحد الرجال الذين اشتغلوا بعيدًا عن الأضواء، لكن أثرهم ظل حاضرًا في كل دورة من دورات المهرجان، الأستاذ عبد اللطيف المرتجي، أحد المؤسسين ومهندسي استمرارية هذا الموعد الدولي، والذي تحول، عبر سنوات طويلة من العمل، إلى ذاكرة حية للمهرجان، تحفظ تفاصيله وتحمل أسرار تطوره واستمراره.
إنها دورة تقول إن المؤسسات الكبرى لا تبنى فقط بالأفكار، وإنما أيضًا بالوفاء لأصحابها.
اليوم، تلبس الدار البيضاء ثوب المسرح. وتتحول كلية الآداب والعلوم الإنسانية بنمسيك إلى فضاء عالمي، تلتقي فيه اللغات والثقافات والتجارب، وتتعانق فوق خشبته أحلام الشباب القادمين من بلدان متعددة، يحمل كل واحد منهم حكاية، ويغادر بحكايات أخرى، يعد المهرجان برهانه ويحتفي بضيف الدورة اسبانيا.
لعل أجمل ما في هذا المهرجان أنه ظل، رغم تغير الأزمنة، وفيًا لرسالته الأولى: أن يجعل من المسرح مدرسة للحياة، ومن الجامعة مختبرًا للحرية والإبداع، ومن الاختلاف فرصة للحوار لا سببًا للتباعد.
بعد ساعات قليلة فقط، سترتفع الستارة معلنة بداية دورة جديدة من عمر هذا العرس الثقافي الدولي. وستعود الدار البيضاء، كما اعتادت كل صيف، عاصمة للمسرح الجامعي، حيث لا يكون التصفيق مجرد تحية لفنان، بل احتفاءً بقيمة الثقافة نفسها، وبقدرتها الدائمة على جمع الناس حول الجمال، وصناعة الأمل، وكتابة ذاكرة جديدة تضاف إلى ثمانية وثلاثين عامًا من الإبداع والاستمرارية.


