مونودراما..
تأليف:عباس منعثر
(يجلس الرّب على العرش، والمنظر حوله وخلفه غامض: هل هو روضة شاسعة من الحدائق والطيور والجبال الشّاهقة؛ أم هو عرس شعبي يعجّ بالرّاقصات والسّكارى والدّخان؟)
الرّب:
(انفجار هائل وضوء يعمي العيون)
أَعلمُ ما يدورُ في خَلَدِك. تشعرُ بالقشعريرةِ والاحتقار. جسدُكَ يرتعش. لا تُصدّق ما تسمعُه ولا تتقبلّه؟! تظنّهُ نصّاً مسرحياً؟ تتساءل: من المتحدّث إليك الآن؟ إشششش! دعكَ من ذلك وانتبه! إنها وسوسةٌ في داخلِك، ما ستهمسُ به نفسُك إليك، بلغةٍ خارجَ اللّغة. انصتْ إلى الفكرة التي تُراودُك. أيها الإنسان، ما يصدمُك الآن ليس هو الصّدمة. انتظرْ وسترى.
(غيوم كثيفة وبرق ورعد)
ستتساءلُ مُستنكراً، كيفَ يتجرأُ الإنسانُ على خالقِهِ؟ لو كنتَ تقرأُ قصّةً لرميتَ الكتابَ وأحرقتَهُ أو ذهبتَ بمسدسِكَ إلى بيتِ المؤلفِ كي تجعلَهُ عِبرةً لمن يتطاول. ستقول: هذا الكافرُ جديرٌ بالموت؛ لن تدحضَ الحجّة بالحجة، لن تكلّفَ نفسَكَ عناءَ التفكير؛ بل ستلجأُ إلى إنكارِ العاصفةِ بإغلاق الباب. والعاصفةُ لا تهدأ، سترجعُ في موسمٍ قادم وستقتلعُ الأبواب جميعاً. لا بأس! الشّيخوخةُ والمرضُ أو الجنونُ والانتحارُ ستتكفلُ بالمؤلف، أين يذهبُ من الزّمن؟ وقتَها يُمكنكَ أن تشمَتَ بهِ وتُعلنَ أن هذا جزاءُ المتطاولين.
(أوراق بيضاء تتطاير)
وربما، بعدَ أن يساورَكَ اليقين، ستُطلقُ السّؤالَ المُحرج: ما هو الحدثُ الذي دعاني إلى الكلام؟! لابدّ أنه شيءٌ مهولٌ واستثنائي أنْ أخرجَ عن صمتي.
(مطر شديد يمتدّ لـ25 ألف عام)
لقرونٍ عديدةٍ حَدَثَت العجائب: ارتكبَ الإنسانُ من البشاعةِ ما يستعصي على الحصر. مشاهدُ الضحايا لم تكنْ سهلةً على القلبِ الرّؤوم، صراخُ المظلومينَ وعويلُهم لو وَصَلْتَهُ ببعضِهِ سيقطعُ قُطرَ الكون من حافتِهِ إلى حافتِه مرّتين. ذلكَ لم يكنْ أكبرَ من صبري، لذلك لم أتحدّث.
(شجرة تنمو وتنمو حتى تصل الغيوم)
سيذهبُ تفكيرُك إلى شيوعِ الشّركِ والإلحاد. لا، ولن تكون مشاركةُ الرّب في أفعالِهِ عندَ خلقِ كائناتٍ جديدة، ولا هو تشويه الخلقِ وخلط الأوراق بين الذّكر والأنثى؛ فالجنسُ الثالثُ ما هو إلا تركيبةٌ مُبدعةٌ من الجنسين، تماماً مثل تطعيمِ الأشجار.
(مئات الأفيال تركض في غابة)
سِرْتَ في طريقٍ طويلٍ من المُخترعاتِ أيها الإنسان. اخترعتَ الثوابَ والعِقابَ، حتى لا يمرّ عذابُكَ هباءً ولا يَنصرمَ ظُلمُ الظالمِ من غيرِ قصاص. أحلامُ العدالةِ أنتجتْ القوانينَ وتوّهمتَ إلهَكَ على شاكلتِك؛ لكن بإضافةٍ صغيرةٍ أنهُ عدلٌ مُطلقٌ فارتاحَ ضميرُكَ من الغَبن.
(مرايا عديدة خالية من الوجوه)
اخترعتَ الفنونَ، لعدمِ قدرتِك على مواجهةِ الحقيقة، وكي تتمثل الخالقَ في صنعتِه، مُعتقداً أنّ الجمالَ يصدُّ انسرابَ الزّمن ويؤجّلُ إطلالةَ الموت. سينتهي ما صنعتَهُ مُفتقراً إلى البهجة. فنُّكَ كان عزاءً أثناءَ فعلِ الإيجاد؛ إلا أنهُ الأسى المؤلمُ بعد تمامِه.
(تتفطر المرايا، تنكسر ثم تتناثر)
اخترعتَ العلمَ أملاً في استكناهِ الأسرارِ وممارسةِ القوّة. عِلمُكَ تشبثُ الغريقِ بقشّة. فعاصفةٌ كونيةٌ واحدة، نيزكٌ كبير يُحيلُ علمَكَ وحضارتَكَ إلى رماد. في الطّبيعةِ من القوى الهائلةِ ما يستحيلُ في علمِكَ إلى رُعبٍ مهول. ما تكادُ تدخلُ جنّةَ الاطمئنانِ حتى يوصلكَ الطّريقُ إلى جحيمِ الذّعر.
(المرايا المكسورة تعاود التشكل من جديد)
اخترعتَ القتلَ وأدواتِ التعذيب. هل أردتَ بذلك أن تُذلّ قرينَك، أم تماشياً مع خالقِكَ في قدرةِ الإفناء؟ وإنْ كانت المهمةُ صعبةً؛ إلا أنها نجحتْ في إزهاقِ ملايينِ الأرواح وستستمرّ في الإزهاق؛ من أجل قطفِ الثمارِ حيناً، من أجلِ درءِ الشرّ حيناً؛ وتمّثلاً لصورتي في داخلِكَ في أحيانٍ وأحيان.
(حوت أزرق يقفز/يطير في الهواء)
لا تحسبْ أن نُكراني موضةٌ جديدةٌ أو جحودٌ مُعاصر؛ بل إن أوّل عقلٍ تقصّى أنكرَ الآلهة. وبين النفي والإثباتِ ارتبك الوعي. بقيَ العقلُ حائراً في السّببِ الكامن وراءَ الخَلْق. لماذا خُلقنا؟ من أجل أيّ برهان؟ وهل الإله فعلاً بحاجةٍ إليه! إذا كان (بحاجة) انتفتْ عنهُ ألوهيتُه، وإذا كان (بلا سبب) انتفتْ عنهُ منطقيتُهُ.
(تنين ينفخ النار على الحوت الأزرق)
أمطرتَ خيالَكَ بآلافِ الشّكوك، وأطلقتَ مئات الأسئلة. زعمتَ أن هذا الكونَ لم يصمّمهُ فاعلٌ ماهر، لأنهُ مصنوع بشكلٍ سيءٍ ومشوّه والفضاءُ في عداءٍ مع الإنسان. أردتَ أن يصمّمَ العالمَ على شاكلةِ أحلامِكَ ويحقّق نقائصَك. وما اختراعُ الفردوسِ نفسِها إلا اشتهاءُ محرومٍ للعسل.
(وجه مهرّج بحجم ألف كيلومتر يبتسم)
حسبتَ أن ثمّةَ تناقضاً بين العلمِ المُطلقِ والعدلِ المُطلق، وبين التسييرِ والتخيير، ووجودِ الشّيطان. أنكرتَ اجتماعَ المعرفة الكلية بالإرادةِ الحرة، وسخرتَ من التناقضِ بين رسمِ المستقبل ومعرفتِهِ سلفاً؛ وبين الحياة كاختبارٍ لبني البشر. قلتَ مُنكِراً: إذا أعدّ اللهُ الجحيمَ والفردوسَ وعرفَ خواتيم البشر؛ فلن يكون للوجودِ أيّ داع؛ أم أنّ الله يجهلُ مَنْ سيذهبُ إلى هذهِ أو إلى تلك؟ إذا كان يعلمُ، فكأنهُ يشاهدُ مباراةً كونيةً حَدّدَ سلفاً الفائزَ فيها؛ فلماذا إذن يلعبُ اللاعبون؟ وأيّ اختلافٍ يحدثُ لو جَرَتِ المباراةُ أو أُلغيت؟ وإن لم يكن يعلم، فهيَ الطامةُ الكبرى!
(شلال من الحليب يوقع أصباغ المهرّج)
ليسَ هذا فحسب، فقد جادلَ الإنسانُ: إذا كانَ لكلّ شيءٍ فاعل فمن هو فاعلُ الإله؟! للخالقِ خالق! من الذي أوجدَه؟ لأنّ حلقةَ السّلسةِ لا بدايةَ لها: كلّ نهايةٍ بدايةٌ وكلّ بدايةٍ نهاية وأيّ منطق سيستمرُّ في توليدِ العلّةِ من العلّة إلى الأزل! للخالقِ خالق! هكذا، أنكروني، ولم يكنْ هو سببُ حديثي أيضاً.
(من الكهوف تخرج ديناصورات عملاقة)
اعترضَ بعضُهم على تضاربِ الدّيانات، كلّ دينٍ يرى وجهاً مِنّي ويصوّر ماهيتي وأفعالي وصفاتي بشكلٍّ مختلف، إلى درجة أن من يدعو إليّ يقتلُ من يدعو إليّ بسببِ حبهِ لي!
(غابة تحترق وطيور تهرب هلعة)
مرحٌ أنتَ أيها الإنسان، حتى حين تتناولُ أخطرَ المواضيع تحتجبُ خلفَ الفكاهة. مثل سؤالِكَ: هل يستطيعُ الإله أن يخلقَ صخرةً كبيرةً جداً بحيثُ لا يستطيع هو نفسُهُ أن يحرّكَها؟ إذا قلتَ لا يستطيع، لم يعدْ إلهاً؛ وإذا قلتَ يستطيعُ أُقصيتْ قدرتُه. وبالمثل، سؤالك الأكثر مرحاً: هل يستطيعُ أن يخلقَ كياناً أقوى من نفسِه؟ إنْ خلا وجهُكَ، ستجدُ دائماً ما تتسلّى بهِ ابتداءً بتقويسِ بولتِكَ وانتهاءً بغزوِ الفضاء.
(تمثال ضخم وشاهق)
أوجدَ الطّيبونَ منكم صيغةً مؤدبةً للرّفض. فلو كانَ الإلهُ بزعمِهم خيّراً لما خلقَ إلا الخيرَ والكائناتِ السّعيدة فقط؛ لا كما هو العالمُ ينزّ بالشرّ والعنفِ والمخلوقاتِ التعيسةِ الناقصة. لم يكن هذا سببَ حديثي الآن.
(على جسد التمثال طحالب مائعة، تنتشر)
أيها الإنسان، لاحظْ كيفَ سارت الأمور: هاجرتْ صورتي من الخُرافة إلى تعددِ الآلهة إلى الإلهِ الخاص إلى الواحد. ثمّ، عادتْ الدّائرةُ من جديدٍ إلى نقطةِ البدايةِ، وكأنّ كلّ معرفة طازجة تُزيدُ العارفَ جهلاً طازجاً.
(علامات استفهام كبيرة تتقافز)
وكمن ينظرُ في مرآة ويرى ظنونَهُ فيها، منهم من ذهبَ إلى أنّني إلهُهُ وحده، ومنهم من جعلَني ثلاثةً ومنهم من قلّمَ شُركائي؛ وبالضدّ من ذلكَ نسبَني المُرتابُ إلى حماقةِ العقل البشري، وكأنني أُسطورةٌ احتاجَها الإنسانُ القديمُ لجهلِهِ بظواهرِ الطبيعة. هل تعددُ حالاتي هو باعثُ حديثي؟ ستعرفُ قريباً.
(تنين ضخم ينفخ فيحرق علامات الاستفهام)
رافَقَتْكم الحيرةُ. أربكَت كينونتي العقول. تاه من تاه في الأمواج، غرقَ من غرقَ، ووصلَ السّاحلَ من خالَ أنهُ وصل. نطقَ الناطقون بالنيابةِ عنّي، بَطَشَ السّفاحونَ من أجلي، رحمَ الرّحماءُ لإرضائي. لكن، أكنتُ فعلاً هدفَهم الحقيقي؟ لكلّ إنسانٍ إله، على صورتِهِ. لو كلُّ صورةٍ لي بمقدارِ ذرّةٍ وجمعتَها لملأتْ محيطاتِ الأرضِ وفاضتْ عنها.
(آلاف المومياءات تطير في الهواء)
خَلَصَ النابهونَ إلى أنهُ لا يُمكنُ إثباتي ولا يمكنُ دحضي، والدّوامة لن تتوّقف. سيبقى الإنسانُ مُرتَكِناً إلى حُصنِهِ من عِداءِ العالمِ قانعاً بما لديهِ، تاركاً لمحلّ الولادةِ أن يُحدّدَ له وجهتَهُ، غير باحث عن الحقيقة لأنها مُرعبة لمن يُنكرُ ولمن يؤمنُ على السّواء.
(تتساقط المومياءات كالمطر)
أيها الإنسان: ستعتقدُ أنّ ما ولِدتَ عليه هو الحقّ وستُبرّرُ بعدَ ذلكَ بقاءكَ على اعتقادِك، لأنك أنتَ الحقّ. ولكَ في كلّ عصرٍ خِلّةٌ تجعلُكَ تعتقدُ أنكَ وصلتَ إلى نهايةِ الطّريق، إلى اليقين، والطّريق يمتدّ إلى ما لا نهاية.
(عاصفة كونية وأشجار تُقتلع)
اعتقدتَ، صادقاً، أنّ هذا الكونَ سينتهي ذاتَ يوم. تذاكى بعضُكم في طُرُقٍ للبقاءِ وإرتكنَ آخرونَ أَسرى نزعاتِهم في السّيطرةِ أو اللّذة. ربما تحدسون النهاية وربما تتغافلونَ عنها. المتغافلُ يعيش حياة النّمر البري؛ ومن يحدس النهاية سيبحثُ خائباً عن فرصة للخلاص.
(صواعق ونيازك تحرق الشجر وأضواء قاسية)
قد تظنّون العلمَ هو المنقذ! حقاً؟ أيمكنهُ ذلك؟! أيكونُ في العلمِ نجاة البشريةِ من مصيرِها؟ أهو بالانتشار في الكون قبل أن تنطفئَ الشّمس؟ شمسُكم الأرضية؟ وإذا انطفأَ الكونُ نفسُه، ماذا تفعلون؟ تنطلقونَ إلى الأكوانِ الموازية؟ وإذا انطفأتْ؟ تلجأونَ إلى عُشبة الخلودِ؟! شبحُ الانطفاءِ يُحاصرُكم في جميعِ الأحوال.
(المنظر ينحني كما لو في عدسة مقعّرة)
في لحظةِ الفناء ينكشفُ الوجهُ المُرعبُ للوجود، أثناءَ النّزعِ، تُدركون أنكم كائناتٌ بائسةٌ ضعيفةٌ بحاجةٍ إلى ملاذ، وسيبزغُ من داخلِكَ صراخٌ مكتوم: مدّ لي يدَكَ، إنني بحاجةٍ إليك؛ ولن تمتدّ ساعتَها أيُّ يد.
(المنظر ينكمش شيئاً فشيئاً)
ستسمعُ صوتي أيها الإنسان، يا من آمنتَ بي بأيّ وجهٍ من الوجوه، ويا من أنكرتَني بأيّ شكلٍ من الأشكال، ستسمعُ صوتي وتعرفُ شيئاً واحداً من هذا كلّه…
(المنظر يتصاغر ويتموج)
هاكَ الحقيقةَ الأكيدة… إليكَ الحقيقةَ الوحيدةَ التي دفعتني إلى الكلام مباشرةً ودونَ واسطةٍ زائفة..
(الانكماش الكبير يُخفي الرّوضة الشاسعة من الحدائق والطّيور والجبال الشّاهقة، وكذلك العرس الشعبي الذي يعجّ بالرّاقصات والسّكارى والدّخان).

