قراءة في التناسج الثقافي، السيمولاكر، الجسد الأدائي والوسائط الرقمية في تجربة عبد الكريم عبود المبارك
حيدر خلف محمد
لم تكن رحلة أكثر من خمسة أشهر مع مشروع دهشة البروفا مجرد زمن لإنجاز عرض مسرحي، بل كانت زمناً لاختبار مجموعة من الأسئلة الجمالية والفكرية حول فعل الإبداع المسرحي نفسه فالبروفة في هذه التجربة، لم تكن فضاءً لتكرار ما هو مكتوب وإنما مختبراً مفتوحاً للاكتشاف وإعادة تشكيل المعنى، وهو ما يتجلى بصورة واضحة في العرض المسرحي “أنسو هاملت” للكاتب جواد الأسدي، بإخراج عبد الكريم عبود المبارك.
من هنا يمكن النظر إلى العرض بوصفه رحلة إبداعية لا تسير في خط مستقيم بل تنتقل بين جزر متعددة جزيرة النص وجزيرة الذاكرة، وجزيرة الجسد، وجزيرة الصورة، وجزيرة التقنية، وصولا ً إلى جزيرة المكان البصري والثقافي الذي تمثله البصرة.
وإذا كان هاملت قد خرج من فضاء الدنمارك محملاً بأسئلة السلطة والموت والشك والخيانة، فإن المبارك يعيد إطلاقه في فضاء آخر هو فضاء البصرة المدينة التي يشكل البحر جزءاً من ذاكرتها الجمعية، والتي تختزن في تاريخها طبقات من الحكايات والثقافات والهجرات والموانئ والأحلام.
وهنا تتشكل أولى مفارقات العرض هاملت الدنماركي يعاد إنتاجه بذاكرة بصرية وسمعية بصرية عراقية.

من هاملت إلى البصرة: التناسج الثقافي بوصفه استراتيجية جمالية
لا يبدو حضور البصرة في العرض مجرد إحالة مكانية وإنما يتحول إلى بنية ثقافية داخل التكوين المسرحي. فالمخرج لا يكتفي باستعارة المكان، بل يستدعي بعض موروثاته وإيقاعاته وأصواته وذاكرته، ليضعها في مواجهة النص الأصلي.
ويظهر ذلك بصورة جلية في توظيف الغناء البحري، ولا سيما النهم والنومان، بصوت الممثل عبد الزهرة، حيث لا يأتي الغناء بوصفه فاصلاً موسيقياً، وإنما بوصفه حاملاً لذاكرة المكان.
إن الإيقاع الساحلي الحزين يتقاطع مع مأساة هاملت، فتتشكل علاقة تناصية بين مأساة الدنمارك ومأساة البحر. وكأن البحر الذي يمثل في الذاكرة البصرية للبصرة مجالاً للرحيل والانتظار والفقد، يصبح مرآة لمأساة هاملت نفسها.
ومن هنا يمكن الحديث عن التناسج الثقافي بوصفه أحد المفاتيح الجمالية للعرض فالثقافة الدنماركية لا تُلغى لصالح الثقافة البصرية والثقافة البصرية لا تتحول إلى مجرد زخرفة محلية، وإنما تتجاور الثقافتان لإنتاج معنى ثالث.
إنها ليست عملية نقل لهاملت من مكان إلى آخر، بل إعادة إنتاج له داخل ذاكرة ثقافية مختلفة.

حفار القبور: حين تستيقظ ذاكرة السياب
من أكثر المشاهد التي تفتح أبواباً واسعة للتأويل مشهد حفار القبور، الذي أداه الممثل جعفر والممثلة انتظار.
في هذا المشهد تتجاوز الإحالة حدود النص لتلامس الذاكرة الشعرية لمدينة البصرة، وتحديداً ذاكرة بدر شاكر السياب وكأن حفار القبور لا يحفر في تربة هاملت وحدها، وإنما يحفر في طبقات الذاكرة العراقية.
وهنا يستدعي المتلقي، بصورة تلقائية، صوت السياب وقصيدته (حفار القبور)
“ويظل حفار القبور
ينأى عن القبر الجديد…”
لا تأتي هذه الإحالة بوصفها اقتباساً مباشراً بقدر ما تأتي بوصفها استدعاء للذاكرة المكانية. فالبصرة لا تحضر باسمها، وإنما تحضر عبر رموزها وأصواتها وأدبائها وذاكرتها.
العمى بوصفه دلالة: لايرتس وحمولات الجسد
يظهر لايرتس، الذي جسده الممثل زين الكريدي، أعمى، وهو يتجول بين حقائب تحمل أمتعة وموروثاً وأحلاماً.
إن العمى هنا قابل لقراءة تتجاوز مستواه الجسدي. فالشخصية التي تحمل إرثها وأحلامها لكنها لا ترى طريقها، تقدم صورة للإنسان الذي يعيش داخل ذاكرته، لكنه عاجز عن رؤية مستقبله.
والحقائب بدورها تتحول إلى علامات دلالية فهي ليست مجرد أدوات مسرحية وإنما أوعية للذاكرة كل حقيبة يمكن أن تكون تاريخاً، أو حلماً، أو فقداً، أو شيئاً من الماضي الذي تحمله الشخصيات معها أينما ذهبت.
وهنا تتحول السينوغرافيا والتي ابدع في اشتغالها علي السوداني من وظيفة جمالية إلى وظيفة سيميائية فالشيء المسرحي لا يكتفي بوجوده المادي، بل ينتج معنى إضافياً من خلال علاقته بالشخصية وبالفضاء وبالحركة.

كلوديوس: انهيار السلطة من خلال الجسد
في المقابل يقدم الممثل أسعد عبد الرضا شخصية كلوديوس في حالة من العجز الجسدي مشلولاً تجره الملكة التي جسدت دورها الممثلة خلود جبار داخل عربة.
إنها صورة مسرحية شديدة الكثافة فكلوديوس الذي يمثل السلطة يظهر هنا منزوع القدرة على الحركة.
وهنا يصبح الجسد السياسي هو المدخل الأبرز لقراءة الشخصية فالسلطة التي تبدو قوية في ظاهرها تكشف هشاشتها من خلال جسد عاجز يحتاج إلى الآخر كي يتحرك.
وبذلك يتحول العجز الجسدي إلى استعارة لانهيار السلطة من الداخل ويصبح الأداء الجسدي أكثر بلاغة من الحوار نفسه.
الجسد والضوء: من الممثل إلى العلامة البصرية
لا يمكن قراءة أنسو هاملت بعيداً عن العلاقة بين الجسد والضوء.
فالضوء لا يؤدي وظيفة إنارة المشهد فقط وإنما يشارك في إنتاج الحالة النفسية والحسية للشخصيات. ومن خلال هندسة الضوء والفضاء يتحول الجسد إلى سطح لاستقبال التحولات الداخلية. ويتضح ذلك بصورة خاصة في أداء الممثل أحمد الشمالي الذي اشتغل على الجسد بحركة ذات طابع بهلواني ورشاقة أدائية، جعلت الجسد يدخل في حوار مباشر مع الضوء والصورة.
هنا لا يعود الممثل مجرد مؤدً للشخصية وإنما يصبح مادة سينوغرافية حية مع الهندسة والتقطيع الموسيقي والذي هندسه حسام المبارك اذ كان الجسد يتحرك، والضوء يرسمه، والصوت والصورة تعيد إنتاجه، فيتكون أمامنا فضاء أدائي لا تنفصل فيه عناصر التمثيل عن عناصر السينوغرافيا.

السيمولاكر: حين تصبح الصورة بديلاً عن الأصل
من أكثر اشتغالات العرض إثارة للاهتمام توظيف الوسائط الرقمية والذكاء الاصطناعي في إنتاج الصور.
لقد ذهب المبارك إلى منطقة يمكن مقاربتها من خلال مفهوم السيمولاكر حيث لا تعود الصورة مجرد انعكاس للواقع وإنما تنتج واقعاً آخر مستقلاً عنه.
ويظهر ذلك في استعارة صور ووجوه الممثلين عبد الله عبد علي، ورنا، وعلي المكصوصي، وسلام الفرطوسي ، وإعادة تشكيلها عبر الذكاء الاصطناعي ضمن صور سريالية تتقاطع فيها الواقعية مع الخيال.
الصورة هنا لا تقول: هذا هو الممثل .وإنما تقول: هذا أحد الاحتمالات التي يمكن أن يكون عليها الممثل
وبذلك تنتقل الصورة من وظيفة التوثيق إلى وظيفة إنتاج واقع موازٍ. وهذه النقطة تحديداً تمنح توظيف الذكاء الاصطناعي قيمة جمالية وفلسفية لأنه لا يأتي بوصفه استعراضاً تقنياً، بل يدخل في صلب سؤال العرض عن الحقيقة والوهم، والأصل والصورة، والحضور والغياب.
فإذا كان السيمولاكر في قراءاته الفلسفية يشير إلى صورة تحاكي الواقع إلى درجة يصبح معها من الصعب الفصل بين الأصل وتمثيله فان العرض يستثمر هذه العلاقة ليخلق طبقة بصرية أخرى فوق الطبقة المسرحية الحية.
الوسيط الرقمي في مواجهة الممثل الحي
إن الجمع بين الممثل الحي والصورة المصنوعة رقمياً يخلق ثنائية جديدة داخل العرض: الجسد الحقيقي في مواجهة صورته المتخيلة.وهذه الثنائية تفتح سؤالاً حول معنى الحضور المسرحي في عصر التكنولوجيا.
هل الحضور هو أن يكون الممثل جسداً أمام المتلقي فقط؟ أم يمكن للصورة الرقمية أن تصبح امتداداً لهذا الحضور؟
في “أنسو هاملت “لا تبدو الإجابة نهائية وهذا تحديداً ما يمنح التجربة قيمتها فالوسيط الرقمي لا يلغي الممثل بل يضعه في مواجهة نسخة أخرى منه نسخة يمكن إعادة تشكيلها وتحريفها وتفكيكها وإعادة إنتاجها.
وبذلك يصبح العرض مساحة للتفاوض بين الإنسان والتقنية، والجسد والصورة، والواقعي والافتراضي.

السينوغرافيا: اقتصاد العناصر واتساع الوظائف
على الرغم من قلة العناصر الديكورية، فإن السينوغرافيا في أنسو هاملت تؤدي دوراً محورياً في بناء التحولات.
فالطاولة والعرش والسرير لا تحضر بوظيفة واحدة ثابتة وإنما تتحول وفق السياق الدرامي.فالعنصر الواحد يستطيع أن يؤدي وظائف متعددة دون أن يفقد حضوره المادي.
ومن هنا فإن أنسو هاملت لا ينبغي أن يقرأ بوصفه عرضاً يقدم تأويلاً نهائياً، وإنما بوصفه مختبراً جمالياً لإعادة إنتاج معاني وفق أسئلة المكان والذاكرة والجسد والتقنية.
لقد نجح عبد الكريم عبود المبارك عبر هذا الاداء الجماعي في أن يجعل من العرض مساحة للبحث ومساحة للتجريب، ومن البصرة شريكاً في صناعة هاملت جديد.هاملت الذي لم يعد ابن الدنمارك وحدها، بل أصبح ابن البحر أيضاً.بحر يبدأ من الدنمارك، يعبر مساحات الذاكرة، يمر عبر السياب، ويصل إلى ساحل الفاو.

