د.طالب هاشم بدن
على قاعة نقابة الفنانين في العراق/ البصرة ولمدة ثلاث ايام احتضنت نشاطا مسرحيا يثلج القلوب يشار له بالبنان جاء تحت عنوان ( انسوا هاملت ) من تأليف الكاتب العراقي جواد الاسدي وإخراج الدكتور عبد الكريم عبود عودة المبارك وتمثيل نخبة من فناني واكاديميي البصرة المنضوين تحت عناية ورعاية فرقة (تواصل) المسرحية ..
ان الحديث عن تلك التجربة الفريدة من نوعها جعلت من منصة نقابة الفنانين منارا للثقافة والمعرفة بوصفها تجربة دراماتيكية تحدت الصعاب ونحتت من جليد الثلج عرضا مسرحيا ساخنا الذي جدد الروح في المسرح الجاد والذوق الفني وحلحل الجليد الذي جثم طويلا على المسرح الهادف، اذ ان تلك التجربة الجريئة في بصرتنا الفيحاء استمدت طاقتها واشعاعها من ثلة طيبة تحت خيمة مخرج معطاء يمكن ان نطلق عليها عرض من ثلج ساخن لما تضمنه من بياض في زمن السواد غاب فيه المشروع الفني المسرحي الهادف _ الا ما ندر _ نحتها اصحاب الخبرة بعزم واصرار من تمرين شاق دام ستة اشهر تاركين خلف ظهورهم كل اعاقات الزمان والمكان مرتشفين حب الفن المسرحي وتجاربه الخلاقة عبر الزمن، انهم فتية آمنوا بوجودهم وقالوا كلمتهم وقدموا منجزهم الذي نفتخر به ..

ان تجربة العرض المعد والمتناص تعد خطوة مشبوبة بكثير من المخاطر ولربما يحيط بها شلال من المطبات غير ان النجاح يحيلها الى قطعة ثلج بيضاء تنشر برودتها على صدور اتعبها القيض وانهكها الانتظار لترتوي من نهر عذب ذاب به الثلج وصيرته الايادي الى فكر وأداء وحركة مائزة في قاعة لم تؤثث لتلك التجربة الا ان صناع الجمال صيروها الى ايقونة من الشرر الملتهبة لتسر النظارة وقد نسينا هاملت الشكسبيري وتعلقنا بل آزرنا هاملت الاسدي بابتكارات واكتشافات المبارك وثلته النابضة بالحياة…
ان عرض انسوا هاملت من العروض الدينامية التي لم تتوقف في صناعة الجمال .
الأدوار..
جسد عدد من الممثلين في مسرحية ( انسوا هاملت ) شخصيات تاريخية تناولها شكسبير ضمن النص الأصلي (هاملت) إذ كان لشخصية هاملت الممثل ( سلام الفرطوسي ) وجسد شخصية الملك الممثل (الدكتور اسعد عبد الرضا) وفي دور كلوديوس الممثل ( علي المكصوصي ) اما دور الملكة فكان من نصيب الممثلة ( الدكتورة خلود جبار ) واتخذ من الحاجب دورا له الممثل ( الدكتور عبد الله عبد عبد علي ) وكانت اوفيليا الحسناء من تجسيدات الممثلة ( م.م. رنا جابر لازم ) وشغل المجموعة ادوارا مختلفة بصورة فردية وجماعية على شكل كومبارس كل من الممثلين ( د. عبد الزهرة سامي، زيد الكريدي، زين العابدين علي، احمد الشمالي، انتظار حسن، كرار حيدر ، مصطفى رعد ، ابا الحسن الشمري ..وغيرهم ) فيما شملت تقنيات المسرح كل من المبدعين (حسام المبارك، احمد الغانمي، علي سلمان وكاظم الموسوي وحسين الزبيدي وجعفر علي ومحمد عبد الحي ) فيما كان منفذا مجيدا للسينوغرافيا المبدع الدكتور علي السوداني، فيما انبرى المبدع حسام المبارك ليشد من ازر المخرج ويكون مساعدا له. وقد كان لعباس عبد السادة دورا كبيرا في إدارة المسرح ليكون عرضا يثلج الصدور ..
ان شغف المسرح اخذ بأيدينا الى تتبع العرض بقلوب بصيرة وعيون يقضة من اجل ان ننهل من كل حركة روعتها وكل كلمة صورتها وكل لقطة سيونغرافية قراءتها بعين ناقدة محبة متتبعة لفعل تجلى في خلية نحل عملت جاهدة لبناء تكاملي مزج بين الصوري والصوتي المتخيل وتركيب مجسم مشهدي استمد الماضي ليشكل حاضرا مغايرا لشخصية طالما شغلت الأوسط الادبية والثقافية وتحليلاتها النقدية المعتقة بالخبرات المتراكمة ..
أحال المخرج ( عبود) الصور الذهنية الى مجموعة من الرؤى والأفكار لتتجلى بمشاهد متنوعة اثارت مخيلة المتلقي وايقضت روح العصر بمكنونات المختبر الاكاديمي الرصين والذي اقل ما يمكن وصفه بأنه درس في الأداء والإخراج والتمثيل. ناقش قضايا قديمة بروح العصر وصير هاملت البطل الى خانع خاضع غير مبال او مكترث لما يدور حوله، وهي صورة تعبيرية تجسد الروح العربية المهشمة المهمشة التي باتت غير قادر على ادراك ما لا يدرك وهيمنة قوى عظمى على قواها وذهبت روح الجماعة والبحث عن الثأر وعدم الركون للظلم والمهادنة واستبدل ثوبها البطولي المشرف بثوب الذل والعار، فهاملت لم يعد كما عرفناه شكسبيريا باحثا عن الحق وساعيا الى رده الى اهله، هاملت الاسدي مختلف تماما لا يشبه صورته الأصلية الا بالاسم فقط . ذهب هاملت مع اندثار الزمن ولم يعد الباحث عن الثأر والحقيقة وما علينا الا نسيان هاملت بعد ظهور هاملت جديد يتحلى ببرود الاعصاب والانفعلات مسلم أمره للسلطة ومستسلم للأحداث التي عصفت بالامة وعريها وما أصابها من تفكك وانحدار اخلاقي.

الصور السينوغرافية طغت على العرض وتركيباتها اخذت من تجليات المشهد الدرامي على الرغم من إجادة الممثلين واداءهم المتميز ، فكان للسينوغرافيا اشتغالاتها التي ابهرت المتلقي عبر اندماج المشاهد الحركية ذهابا وايابا متخذا من تاريخانية الاحداث والشخصيات المعالم التي فككت من شفرات الزماكنية عبر تعرضن المسرحية كما يسميها الدكتور حسين رشيد، إذ عمل الدكتور السوداني على ربط الحوادث عبر سينوغرافيا العرض ومزامنته مع أدوات الممثل إذ شهد العرض خلق فكرة صراع بين الماضي والحاضر وتجسيد شخصيات انية عبر ازمان ماضية من خلال ربط الممثل بخلفية تاريخية ظهرت خلف الكواليس. فيما لعبت الإضاءة وجمالياتها دورا مثيرا ممتعا في مصاحبة حالة الممثل نفسيا وجسديا وهذا ان دل على شيء إنما يدل على فطنة ودراية بما تمثله تلك التجسيدات من عمل جماعي لمكملات العرض من ازياء وديكور واضاءة وغيرها ..فيما شهدت المؤثرات الصوتية صخبا ايقاعيا أثر نوعا ما على العرض ولم يوفق في مصاحبة الجو العام للعرض المسرحي وكانت تلك المؤثرات غير قادرة على السير مع الأدوار التي جسدها الممثلون ..فيما استغل الممثل ادواته بشكل كبير مبدع غير ان بعض الممثلين اخذ بالاعياء ولربما الامر راجع الى قلة التدريب وسن بعض الممثلين والأجواء التي شهدتها قاعة العرض من تزاحم الجمهور والحر الشديد ..فيما عملت المجموعة على كشف دلالات النص الدرامي والخوض في تجربة عرض جدلي مغاير يهدف إلى حل المعادلات وتفكيك الشفرات التي من شأنها تناصت بالأفكار المباشرة واعدت للنص المعروض جوهرا مؤطرا باشتغالات العرض المتميز الامر الذي شد من المتلقي وابهر الحضور بما قدم من مسرح جاد أراد ان يعري الواقع السياسي المرير وما يمر به الوطن العربي من أزمات دون حلول
( مات .. سنموت …درب طويل من الموت تلك هي قصيدة العدم )
كلمات تضمنت معان عميقة جسدها العرض المسرحي بجدارة وجدية

ختاما..
هنيئا لنا بكم
هنيئا للفن بكم
هنيئا للعراق بمنجزكم
هنيئا للبصرة بما اجدتم

